تحقق روسيا بفعل الأزمة السورية عودة قوية إلى العالم العربي. ومن خلال جهودها المبذولة للمواصلة قدماً في مثل هذه العودة، بعد سنوات من تهميش القوى الغربية لها، تلعب أيضاً دوراً أكبر في ليبيا.

فقد ساندت موسكو بوضوح المشير خليفة حفتر، الرجل القوي في شرق ليبيا، عبر نشر القوات الخاصة الروسية في قواعد في غرب مصر بالقرب من الحدود الليبية لدعم قواته، وإرسال مقاتلين من شركات أمن خاصة روسية إلى مناطق خاضعة إلى سيطرته. كما تدخّلت روسيا بطرق أخرى أيضاً، إذ استقبلت شخصيات سياسية ليبية، من بينها حفتر، في موسكو العام 2016، ودعت هذا الأخير في كانون الثاني/يناير العام 2017 إلى زيارة حاملة الطائرات الروسية أدميرال كوزنيتسوف وهي في طريق عودتها من سورية. وفي آذار/مارس 2017، استقبلت روسيا أيضاً منافس حفتر، فايز السرّاج في موسكو، الذي يرأس المجلس الرئاسي المدعوم من الأمم المتحدة والمعترف به دولياً والمتخذ من طرابلس مقرّاً له. إضافة إلى ذلك، طبع الروس أوراق نقدية بقيمة ثلاثة مليارات دولار نيابة عن السلطات الليبية الشرقية في طبرق، ما أثار هلع البنك المركزي في طرابلس.

أثّرت تلك المبادرات على موازين القوى المحلية في بلد مزّقته الحرب الأهلية منذ العام 2014، وذلك عندما شهدت ليبيا قيام حكومتَيْن متنافستَيْن، ما أدّى إلى تصاعد حاد في أعمال العنف وشلل مؤسسات الدولة، الأمر الذي أثّر سلباً على آفاق التوصّل إلى تسوية للأزمة الليبية. مع ذلك، لايزال الشك قائماً حول إذا ما كانت السلوكيات الروسية تشكّل جزءاً من استراتيجية كبرى تهدف إلى تكريس موسكو كلاعب دولي رئيس. في الواقع، جعلت موسكو من الانتهازية حجر الزاوية في سلوكها، وقد صبّ التدخّل في الصراع الليبي في مصلحة طموحاتها في الشرق الأوسط والبحر الأبيض المتوسط، بما يتلاءم مع جهود أوسع نطاقاً لإعادة تأكيد دورها الدولي.

استفادت روسيا في الغالب من أخطاء وتناقضات الدول الأوروبية والولايات المتحدة في ليبيا، معتبرةً أنّ قرارها بإقالة الزعيم الليبي معمّر القذافي العام 2011 تحدّ لمصالحها. ومالبثت الدول الغربية أن أفسحت مجالاً أمام روسيا للعودة إلى ليبيا بفعل فشلها في إرساء الاستقرار في البلاد بعد اندلاع الصراع العام 2011، فضلاً عن تركيز هذه الدول على ضبط الهجرة ومكافحة الإرهاب فقط، ناهيك عن المنافسات العميقة في ما بينها، خصوصاً بين فرنسا وإيطاليا. كما أنّ رغبة الولايات المتحدة في تجنّب تدّخل أكبر في البلاد أعطت موسكو مزيداً من الحرية لتحقيق أهدافها.

في سياق الخصومات الإقليمية المتفاقمة، اختارت الجماعات الليبية المتحاربة أيضاً إشراك روسيا أكثر. على سبيل المثال، عمل حفتر جاهداً لتأمين المساعدة الروسية للحدّ من النفوذ التركي والقطري، بينما استفاد كذلك من العلاقات الروسية الجيّدة مع مصر والإمارات العربية المتحدة. ومع ذلك، لاتراهن روسيا حصراً على حفتر، إذ أنّها حافظت أيضاً على علاقات مع حكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتحدة، ومع نوّاب من مدينة مصراتة في غرب ليبيا. ومن المحتمل أن يُمنح الكرملين موقعاً مركزياً في عملية التفاوض على تسوية ليبية شاملة، تماماً كما الأمر خلال تنسيقها مع تركيا في سورية.

لقد برّرت روسيا تدخّلها في سورية وليبيا بوصفه خطوة ضرورية في محاربة الإرهاب. علاوةً على ذلك، ساعد تدخّلها الأوسع في ليبيا على استعادة صورتها كقوة عظمى، وبات لاغنى عنها في البحث عن تسوية سياسية يمكن أن تحقق الاستقرار في الجوار الجنوبي للاتحاد الأوروبي. ولاريب أن تدخّل موسكو في ليبيا سيضع مزيداً من الضغوط على الاتحاد الأوروبي للتعاون معها لتثبيت الاستقرار في ذلك البلد، من أجل مواصلة السيطرة على تدفّق المهاجرين. وقد يؤدي هذا أيضاً إلى تغذية الانقسامات بين الدول الأوروبية حول النهج الذي تتبعه مع موسكو، حتى أنّ بعض الدول قد يميل إلى تقديم تنازلات بشأن أوكرانيا والعقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا بعد ضمّها لشبه جزيرة القرم.

إضافة إلى ذلك، فالتدخّل الروسي في ليبيا مدفوع بمصالح اقتصادية قصيرة وطويلة الأمد، بالنظر إلى أنّ البلاد تملك مخزوناً مهمّاً من النفط والغاز. ولاتزال موسكو تأمل في أن تتمكن من تعويض الخسائر التي تكبّدتها وتصل قيمتها إلى أربعة مليارات دولار جرّاء عقود التنقيب عن النفط والغاز والبنية التحتية التي تمّ توقيعها قبل سقوط نظام القذافي. وفي المستقبل، يمكن أن يساعد التدخّل الروسي على تعزيز وضع موسكو في أسواق الطاقة، وإبقاء أسعار النفط مرتفعة. ولأنّ روسيا تعتمد بشكل كبير على عائدات النفط والغاز، فقد سعت إلى خفض الإنتاج والحفاظ على ارتفاع الأسعار؛ وهو الهدف الرئيس الذي كان وراء التوصّل إلى اتفاق مع السعودية في كانون الأوّل/ديسمبر العام 2016. وبديهي أن نفوذاً أكبر في أسواق الطاقة، سيعطي روسيا دوراً جيوستراتيجياً أوسع في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مع السماح لها بتطوير مصالحها الاقتصادية وربّما تخفيف تأثير العقوبات.

أخيراً، عندما يحين الوقت لإعادة بناء الدولة الليبية، ومرافق الطاقة المنكوبة بالحرب، والقوّات المسلحة الليبية المنقسمة بشدّة، فإنّ روسيا لاتريد التغيّب عن عملية إعادة الإعمار. إذ يعدّ الدخول في الصراع الليبي ضمانة لروسيا لكي تلعب دوراً في فترة مابعد الحرب. وكما قال أحد الخبراء الروس بإيجاز فيما كان يتحدّث عن حصص في ليبيا وسورية، فإنّ "الكرملين يعتبر أنّ شعار ’من دون روسيا‘ يعني دائماً ’ضدّ روسيا‘".

وفي الوقت الذي تلعب فيه روسيا دوراً متنامياً في ليبيا، فإنّ وجود مصالح اقتصادية وسياسية لديها هناك يكاد لايرقى إلى كونه استراتيجية كبرى في البلاد. فليبيا تشكّل مجرد منطلق لتعزيز طموحات روسيا في أن تكون لاعباً دولياً رئيساً، في ظل فشل الدول الغربية في تطوير جدول أعمال مشترك في هذا البلد. ويوضح السلوك الروسي في ليبيا كيف تمكّنت موسكو من إنهاء سنوات التهميش في العالم العربي، على الرغم من الوسائل المحدودة نسبياً التي استخدمتها.