سماء الهمداني | زميلة زائرة في مركز الدراسات العربية المعاصرة في جامعة جورجتاون، متخصّصة في الشؤون اليمنية

من شأن إجابةٍ معمّمة أن تعزّز الاعتقاد المخطئ بأن العالم العربي هو على نسقٍ واحد وخالٍ من الاختلافات العقائدية والسياسية. لكن عند التمعّن في القيادة التي تمارسها السلالات الحاكِمة في المنطقة، يُلاحَظ أن القادة الشباب يتعاملون جميعهم مع السلطة وكأنها حقٌّ منزَل من عند الله، بدلاً من أن تكون مسؤولية قائمة على الجدارة، وهذا منطق عزّزه أسلافهم.

في حالة اليمن، الطرفان المتناحران الأساسيان، أي الزعيم الحوثي عبد الملك الحوثي وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، هما من القادة الأصغر سناً في المنطقة. فالأمير محمد هو بمثابة ملك الأمر الواقع في السعودية ويبلغ من العمر الثالثة والثلاثين. وقد استثمر الشابان بقوّة في توجيه الرسائل السياسية والإعلامية التي يسعيان إلى تحقيقها، بدلاً من الإنجازات التي حقّقاها.

ومن خلال سوء حساباتهما لمناوراتهما السياسية في اليمن، تخطّيا أسلافهما في مستوى العنف والقسوة. لقد تغاضى كلاهما، ولايزالان، عن سقوط ضحايا وإصابات في صفوف المدنيين، معتبرَين أنها نتيجة طبيعية من نتائج صعودهما إلى السلطة. وفي حالة محمد بن سلمان، جاء الرجل مسلّحاً باستراتيجية في العلاقات العامة قدّمته في صورة قائد "حازم". وقد أتاح له اليمن فرصة مضاعَفة: حربٌ تُحوِّل أنظار السعوديين عن التوترات السياسية والمذهبية عبر خلق عدوٍّ مشترك عند الحدود؛ وإمكانية "إلحاق هزيمة علنية بإيران" في بلدٍ كانت فيه هذه الأخيرة ضعيفة. كانت الفكرة ذكيّة، لكنها تسبّبت أيضاً بالأزمة الإنسانية الأشد كارثية في العالم، كان أسلاف كل من الحوثي وبن سلمان، ليعرفوا كيف يمكن تجنّبها.

اليوم، فيما تواجه السعودية ومحمد بن سلمان تحدّيات كثيرة، السبيل الوحيد كي يكشف الأمير الشاب عن حنكة في القيادة هو وقف الحرب في اليمن.


 

صبحي حديدي | ناقد أدبي ومعلّق ومترجم سوري، شارك مؤخراً مع فاروق مردم بك وزياد ماجد في تأليف كتاب بعنوان " Dans la tête de Bachar al-Assad" (داخل رأس بشار الأسد) (Actes Sud)

ورث بشار الأسد الرئاسة في سورية بالصدفة. فالخيار الأول كان شقيقه باسل الذي لقي مصرعه في حادث سير في العام 1994. وعندما استدعى الوالد حافظ نجله بشار من لندن، اجتاح الأخير خليطٌ معقّد من المشاعر. فمن جهة، كان مذعوراً من فكرة الحلول مكان والده واسع النفوذ، إذ كان يدرك أن المعركة ستكون ضارية جداً بين مراكز القوة الكبرى في النظام. ومن جهة أخرى، كان تعطّشه للسلطة كبيراً وملحّاً، وهذا مادفعه إلى الولوج سريعاً في اللعبة.

ومنذ أيلول/سبتمبر 2000، أطلق بشار جملته التي كشفت الكثير: "الرئيس الأسد يحكمنا من قبره". ربما عكسَ ذلك رغبةً في جعل الوالد خالداً وفي قتله في آن. وفي الواقع، لم يكن بشار استمراراً لوالده في موقع الديكتاتور الهمجي ومجرم الحرب وحسب، بل ارتكب مُمارسات أسوأ بكثير، ولاسيما بعد الانتفاضة الشعبية في العام 2011. نتيجةً لذلك، الجيل الشاب من القادة سيئٌ أقلّه كما آباؤه.


 

ياسمين فاروق | باحثة زائرة في برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي

عرفت المنطقة ثلاث فئات من القادة الجدد منذ العام 2000. تتضمن الفئة الأولى القادة الشباب الذين خلفوا أو سوف يخلفون آباءهم، مثل القادة في سورية وقطر والسعودية، وكذلك في المغرب منذ ماقبل القرن الجديد. هؤلاء طبّقوا جميعهم تدابير للتحرير الاجتماعي والتحديث الاقتصادي أُريد لها أن تتم بمعزل عن التحرير السياسي. وقد أدّى الفشل في تحقيق هذا الفصل بين السياسة والاقتصاد إلى اللجوء إلى القمع والعنف بدرجات مختلفة.

تتضمن الفئة الثانية القادة الجدد الذين هم من نتاج المنظومات السياسية والاقتصادية الاجتماعية القديمة، كما في مصر وتونس. لقد أظهر هؤلاء ميلاً إلى الاعتماد المفرط على مراكز القوة القديمة والتقليدية في النظام، وذلك على النقيض من أسلافهم الذين اعتمدوا على عدد كبير من مراكز القوة.

أما الفئة الثالثة فتضمّ قادة العراق، وربما قادة المستقبل في ليبيا واليمن. إنهم يجسّدون القطيعة مع هيكلية النفوذ السياسي السابقة، لكنهم لايزالون عاجزين عن فرض مركزية السلطة، واحتكار الإكراه، وإسباغ الوطنية على السياسة الداخلية.

القاسم المشترك بين القادة في الفئات الثلاث أعلاه هو أنهم عمدوا إلى التنويع في شبكة حلفائهم الدولية بدلاً من الاعتماد التقليدي على جهة راعية واحدة.


 

لي سميث | زميل أول في معهد هادسون، ومؤلف كتاب "The Strong Horse: Power, Politics, and the Clash of Arab Civilizations" (الحصان القوي: السلطة والسياسة وصِدام الحضارات العربية) (2010)

حتى فيما لانزال نعقد الآمال على جيل صاعد من القادة العرب الموجّهين نحو الإصلاح، كانت هناك أدلّة، حتى قبل مقتل جمال خاشقجي، بأنها آمال مبالَغ بها. فحجم اختلاف الجيل الصاعد عن الأجيال السابقة سوف تُحدّده، جزئياً، عوامل خارجية.

على سبيل المثال، لابد من أن الجيل الحالي يدرك أن جميع القادة العرب الذين أُطيح بهم خلال الأعوام الخمسة عشر الأخيرة – صدام حسين، حسني مبارك، زين العابدين بن علي، معمر القذافي – انتهى بهم الأمر بالوقوف في الجهة المعاكِسة لصنّاع السياسات في الولايات المتحدة، لسببٍ أو لآخر. المفارقة أنه في الوقت الذي تُسوَّق فيه الولايات المتحدة بأنها القوة التي تُبقي على الوضع القائم، يبدو المنافِسون الذين قد يحلّون مكانها في موقع القوة المهيمنة في المنطقة، مثل الصين، أقل نزوعاً نحو التدخل في الديناميكيات العربية الداخلية. أو لعل الولايات المتحدة أصبحت، بعد الحرب في العراق، أكثر اتّضاعاً بشأن قدرتها على تحديد الواقع السياسي للآخرين. وهذه هي المسألة الأساسية الكامنة في النقاش المتواصل الذي يدور في واشنطن حول ولي العهد السعودي محمد بن سلمان.