كما كان متوقعاً، أنتجت قمة اسطنبول حول سورية التي انعقدت في 27 تشرين الأول/أكتوبر، بين تركيا وروسيا وألمانيا وفرنسا، دراما تلفزيونية جيدة. تمّ تصوير القادة الأربعة وهم يطلّون على مضيق البوسفور ويبدو كأنهم يتجاذبون أطراف الحديث، على الرغم من أن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الروسي فلاديمير بوتين وحدهما يمكنهما التحدّث معاً بالألمانية، كما يمكن للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وميركل التواصل باللغة الإنكليزية.

لم يصدر عن القادة سوى التزامات طفيفة بشأن سورية. مع ذلك، يمكن النظر إلى الاجتماع على أنه نقطة تحول في الصراع الدموي والطويل في سورية؛ صراع أكّد أساساً فوز الرئيس السوري بشار الأسد. في ضوء ذلك، يمكننا استخلاص أربعة دروس من هذه القمة:

الدرس الأول: الأسد فاز، لكن روسيا وإيران باقيتان في سورية.

كان التأكيد، الذي تكرّر مرتين في البيان الختامي للقمة، على سيادة سورية وسلامة أراضيها، مؤشراً لالبس فيه على أن جميع المشاركين أقروا بانتصار الأسد، على الرغم من أنه لم يكن موجوداً شخصياً أو أي ممثّل عنه. قد يتطلّب من الجيش السوري وقتاً أطول بعد ليتمكّن من استعادة السيطرة على جميع الأراضي السورية والمعابر الحدودية، لكن فوز الأسد يعني أيضاً فوز روسيا وإيران: فالأولى تمتلك الآن قاعدة جوية بالقرب من اللاذقية وستكون موجودة لعقود مقبلة، والثانية، وعلى الرغم من عدم تواجدها في اسطنبول، ساعدت الأسد على مواصلة سيطرته، وستحافظ على صلاتها الوثيقة بحزب الله عبر سورية، وأغلب الظنّ على منشآتها لإنتاج الصواريخ والطائرات من دون طيار لحزب الله.

كان الالتزام بعملية سياسية تقودها الأمم المتحدة خجولاً للغاية، خاصةً عندما تعلّق الأمر بتشكيل وانعقاد لجنة دستورية. وتُعتبر قلّة حماسة الأسد لعملية سياسية حقيقية أمراً معروفاً إلى حدّ كبير، كما أن مشاركة أفراد من المعارضة السورية الحقيقية في الحكم بعيد المنال، كما اعترف بوتين بنفسه. إشارة هنا إلى أن الكرملين أعلن قبل القمة أنه لاينبغي لأحد أن يتوقّع حدوث اختراق.

لم تكن مصادقة القمة على مذكرة تفاهم سوتشي حول استقرار الوضع في محافظة إدلب بالأمر المفاجئ، لكن الكلمات التي استُخدمت سلّطت الضوء على اختلافات واسعة. فقد شدّد المشاركون "على أهمية وقف مستدام لإطلاق النار [وهو مطلب فرنسي وألماني]، وسط التأكيد في الوقت نفسه على ضرورة مواصلة الحرب ضد الإرهاب... [وهو شرط روسي]". كما أن تصريح وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف قبيل انطلاق القمة القائل بضرورة القضاء على الجهاديين أو إلقاء القبض عليهم، لايترك مجالاً للشك حول وجهات نظر روسيا.

الدرس الثاني: تمكّن رجب طيب أردوغان من تعزيز صورته.

لم يكن انعقاد القمة في اسطنبول وإقناع ماكرون وميركل بالمشاركة بالإنجاز البسيط بالنسبة إلى الرئيس التركي. فعلى الرغم من أنه كان من نواح عدّة مجرد تجمّع لأجندات غير متوافقة، إلا أن القمة منحت أردوغان زخماً سياسياً مُستحباً، في وقت يواجه فيه توترات سياسية محلية، وكارثة اقتصادية وشيكة، وانتقادات دولية واسعة النطاق. وقد باتت تركيا الآن جزءاً من الحل في سورية، كما أفاد الرئيس أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 25 أيلول/سبتمبر، كما أنه نجح في قمة إسطنبول في جمع اثنين من أشدّ منتقديه الأوروبيين حول طاولة الحوار نفسها.

مع ذلك، كانت النتائج متباينة حين تعلّق الأمر بمسألة مهمة للزعيم التركي، ألا وهو مصير وحدات حماية الشعب الكردي السورية المسلحة. فقد اقتصرت الإشارة إلى مكافحة الإرهاب على المنظمات التي حدّدها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وبالتالي تمّ استبعاد وحدات حماية الشعب. بيد أن الإشارة إلى "الأجندات الانفصالية التي تهدف إلى تقويض سيادة سورية وسلامة أراضيها وكذلك الأمن الوطني للدول المجاورة" ستفسَّر من دون شك في أنقرة على أنها تدلّ تحديداً على وحدات حماية الشعب.

أما السؤال التالي الذي يطرح نفسه فهو إذا ما كانت أنقرة ستقوم بأي عمليات عسكرية شرقي نهر الفرات، وستصل إلى الحدود العراقية على نهر دجلة. وبينما تجري الرياح بما تشتهي سفن العادات السياسية لأردوغان (فهو عموماً يفعل ما يُعلن عنه)، أقدم الجيش التركي أساساً على شنّ هجمات ضدّ وحدات حماية الشعب شرق كوباني وفي المناطق المحيطة بها. ومن شأن ذلك أن يولّد مشاكل جديدة مع واشنطن وباريس، قد تؤدي إلى اشتباكات عسكرية مباشرة.

الدرس الثالث: تمّت تنحية دونالد ترامب جانباً.

على إثر موقف واشنطن المتقلّب بشأن سورية وتصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتضاربة حول سحب أو إبقاء القوات في شمال شرق سورية، انتهى المطاف بتهميش الولايات المتحدة، أقلّه في هذه المرحلة. مع ذلك، ينتشر حالياً في المنطقة حوالى 2000 عنصر من القوات الأميركية المقاتلة، فضلاً عن فرق فرنسية وبريطانية أصغر حجماً بكثير. ولايمكن تجاهل دور هذه القوّات المتمثّل في احتواء الجهاديين المتبقين عن الدولة الإسلامية في سورية والقضاء عليهم، ولاسيما أن بيان القمة يشدّد بقوّة على محاربة هذه الجماعات.

على الرغم من أن مغادرة القوات الأميركية لسورية سيكون من دون شك مطلباً روسياً وإيرانياً، إلا أن وجودها يمثّل ورقة قوية في يد فرنسا وألمانيا، على ضوء أي عملية سياسية مستقبلية تحت إشراف الأمم المتحدة. بيد أن الأمر يتطلّب ميلاً شديداً متفائلاً للاعتقاد بأن الانتخابات السورية يمكن أن تُعقد "بما يتوافق مع أعلى معايير الشفافية والمساءلة الدولية". كما لابدّ من أن تتضمن أي تسوية نهائية إحدى القضايا الرئيسة الأخرى المتمثلة في دور الأكراد السوريين.

الدرس الرابع: انضمت فرنسا وألمانيا إلى العملية السياسية في سورية، لكن على حساب الاتحاد الأوروبي.

عادت اثنتان من القوى الأوروبية الكبرى إلى اللعبة، وتمكنتا من إدراج العديد من أولوياتهما في البيان الختامي للقمة – على غرار وقف إطلاق للنار في إدلب، وعملية سياسية بقيادة سورية، والعودة الطوعية للاجئين – من دون الحاجة إلى تقديم أي التزامات مالية مرتبطة بإعادة الإعمار في سورية. علاوةً على ذلك، سيكون التعاون اليومي في مجال مكافحة الإرهاب الذي سيسمح للدول بملاحقة الجهاديين الذين يحاولون العودة إلى تركيا وأوروبا. وهذا قد يفسّر سبب المخاطرة السياسية التي قام بها ماكرون وميركل بقبولهما دعوة أردوغان، على الرغم من سجله السيئ في مجال سيادة القانون داخل تركيا.

داخل الاتحاد الأوروبي، اعتُبر حضور ماكرون وميركل إلى اسطنبول، من دون دعوة الممثلة العليا فيديريكا موغيريني، بمثابة رسالة قوية مفادها أنه في القضايا الحاسمة لايجلس إلى الطاولة سوى "الكبار"، وهي قناعة راسخة في كل من برلين وباريس، وقد كانت كذلك منذ مرحلة الإعداد لمعاهدة لشبونة. وفي هذا الإطار، لايأتي دور الاتحاد الأوروبي إلا على المستوى التقني، سواء كان ذلك في مجال الأنشطة الإنسانية، أو تمويل إعادة الإعمار، أو العقوبات التجارية عند الحاجة.

وحده المستقبل سيكون كفيلاً باطلاعنا عما إذا كان عزل الجوانب السياسية البحتة لعملية السلام السورية عن بقية أدوات الاتحاد الأوروبي - وبالتالي الحدّ من وزن الاتحاد واقتصاره على حجم دفتر شيكاته والتأثير الشخصي لاثنين من قادته – بالفكرة الجيّدة. لكن، على الأقل، بعد سنوات من الغياب، ثمّة وجود من نوع ما للاتحاد الأوروبي في المناقشات الدائرة حول مستقبل سورية.