تحوّلت جريمة القتل الصادمة التي أودت بحياة جمال خاشقجي على يد فريق من العملاء السعوديين في القنصلية السعودية في اسطنبول، إلى نقطة تركيز مخيفة حول التكهنات عن مستقبل العالم العربي، حيث تؤكّد العناوين الرئيسة أن المرحلة المقبلة في الشرق الأوسط تتوقف على ما إذا كان المسؤولون عن مقتله – ويُفترَض أن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في عدادهم – سيمثلون أمام العدالة.

إنه أمرٌ مؤسف، لأن محمد بن سلمان لن يمثل أمام قوس العدالة. فقد ظهر جلياً منذ البداية، ثم اتّضح بصورة مطردة في الأسابيع الأخيرة، أن ولي العهد لن يُواجه أي محاسبة شخصية حتى لو طالت العقوبات مسؤولين آخرين. غالب الظن أن مقتل خاشقجي سيُقدّم مثالاً صارخاً عن الإفلات من العقاب.

فيما نحن قد ننحو إلى إسناد السبب وراء هذا الإفلات من العقاب إلى غرائب إدارة ترامب أو نزوات الأسرة المالكة السعودية في السياسة، واقع الحال أن انتصار الإفلات من العقاب هو من المواضيع الأساسية التي طغت على الأعوام السبعة المنصرمة منذ اندلاع الانتفاضات في العالم العربي. لقد دفعت القوى المضادة للثورة في مختلف أنحاء المنطقة، بأسلوب استراتيجي وحازم، نحو إعادة تثبيت الإفلات من العقاب الذي تتمتع به النخب الحاكمة، والذي كان هدفاً مباشراً لاحتجاجات 2011. وهذا الإفلات من العقاب ضروري من أجل جهودهم الدونكيشوتية الساعية إلى إرساء الاستقرار السلطوي من جديد في شرق أوسط يزداد اضطراباً وفوضى باستمرار.

لقد أحدثت ثورة المعلومات التي مسّت الشؤون العربية خلال العقدَين المنصرمين، أي الانتشار الواسع للقنوات الفضائية والإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، تحوّلاً في الأجواء السائدة في المنطقة، وأفضت إلى تعزيز الشفافية إلى حد كبير؛ كما جرّدت حتى الحكومات الأشد قمعية من القدرة على السيطرة على دفق المعلومات.

بيد أن الإفلات من العقاب يعني غياب المساءلة، بغض النظر عن الأدلة أو إدراك الخطأ. وإذ أدركت الأنظمة أنه ليس بإمكانها أن تمنع بصورة مستمرة أو فعالة الجمهور العام من أن يكون على بيّنة من ممارساتها، مثلما فعلت على امتداد عقود، ردّت عبر تدعيم الإفلات من العقاب، ففصلت بذلك الشفافية عن المساءلة. لقد سعت المطالب التي رُفِعت للدعوة إلى تطبيق إصلاحات ديمقراطية في العقد الأول من القرن، وإلى إطاحة الأنظمة في العام 2011، إلى المطالبة في شكل أساسي بإخضاع القادة للمساءلة. وسواءً تحوّلت هذه الأنظمة إلى ديمقراطيات أم لا، كان يُفترَض بالإصلاحات أن تحدّ بصورة مطّردة من قدرة القادة على الاستغلال المفرط لسلطتهم، وأن تعزّز دعائم دولة القانون.

سعت الأنظمة العربية إلى أن تنأى بنفسها تماماً عن هذه الإصلاحات. وبما أنها لم تتمكّن من تجاوز صعود الشفافية، ركّزت بدلاً من ذلك على العمل كي لاتترافق هذه الشفافية مع مساءلة أكبر. وهي حققت ذلك عن طريق أشكال قديمة وجديدة على السواء من القمع والمناورة السياسية. فقد عمد معظم الأنظمة العربية بعد العام 2011 إلى تشديد قبضته على المجتمع المدني والإعلام المستقل، من خلال أساليب تقليدية مثل الاعتقالات واسعة النطاق أو إقرار قوانين جديدة تقييدية. وتحوّلت هذه الأنظمة بقوة نحو فضاءات الإعلام المرئي والمسموع ومواقع التواصل الاجتماعي التي لم تتمكّن من إغلاقها، فاستخدمت جيوشاً من البرامج الإلكترونية لتلويث سيل المعلومات عن طريق حملات التضليل والمضايقات والتشويش المتطور. واستطاعت على الدوام التعويل على أن ارتكاباتها هذه لن تتسبّب بتهديد جدّي للدعم المستمر من الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية.

الطلقة الأولى في الحملة الهادفة إلى إعادة فرض الإفلات من العقاب كانت في البحرين. فقد أسفر تدخّل مجلس التعاون الخليجي في المملكة في العام 2011 وماأعقبه من قمع مذهبي، عن أول مجهود ناجح لخنق انتفاضة عربية عبر اللجوء إلى القوة. وفي خطوة مفاجئة، وافق النظام الملكي في البحرين على إنشاء اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق برئاسة الراحل شريف بسيوني. ولو أن الملك حمد آل خليفة قبِل بالاستنتاجات والتوصيات التي توصلت إليها اللجنة بعد أبحاث متأنّية، ولو أن هذه الاستنتاجات والتوصيات أدّت إلى محاسبة حقيقية لمرتكبي القمع، لتغيّر ربما مسار المنطقة.

غير أن النظام الملكي تجاهل روحية الاستنتاجات عن التعذيب والتعسّف، وجوهرها. ومهّد الطريق، منذ منتصف العام 2011، لإعادة العمل بالمعايير العربية للإفلات الرسمي من العقاب. فمقاطعة المنامة من قبل عدد كبير من محللي السياسات والفنانين لم تستمر أكثر من عام واحد، وسرعان ماانتهت حالة الدولة المنبوذة التي ربما تكون البحرين قد اختبرتها.

وفي الأعوام اللاحقة، تبنّت أكثرية الأنظمة العربية معايير الإفلات من العقاب، وتصرّفت على هذا الأساس. فقد ارتُكِبت الفظائع والانتهاكات علناً كي يكون واضحاً بأنه ليست هناك أي خشية من العواقب، في حين استهدفت التوقيفات عدداً كبيراً من الوجوه الناشطة البارزة والذائعة الصيت دولياً، ومن شخصيات المجتمع المدني.

على سبيل المثال، لم يؤدِّ الانقلاب العسكري في مصر في تموز/يوليو 2013 إلى عزل الرئيس الإخواني المنتخَب ديمقراطياً وحكومته وحسب، بل ترافق أيضاً مع مجزرة مريعة أودت بحياة نحو 1000 متظاهر إسلامي على الأرجح في وسط القاهرة في وضح النهار. لقد أظهرت مذبحة رابعة العدوية أن النظام العسكري الجديد لن يردعه شيء على الإطلاق، وأنه لن يدفع أي ثمن داخلي أو دولي عن الفظائع التي يرتكب. وأعقبتها حملات اعتقالات تصعيدية طالت مختلف مكوّنات المجتمع والحِراك المدنيين، وتركّزت في شكل أساسي على رفض أي تدقيق في سلوكيات الجيش، وكان الهدف منها ترسيخ هذا الإفلات من العقاب وجعله ضارِب الجذور في الثقافة السياسية. وقد عكس هذا الأمر نمطاً أوسع نطاقاً في المنطقة. وفي هذا الإطار، واصلت هيئة الحقيقة والكرامة في تونس، وهي الاستثناء الوحيد، عملها ببسالة، إنما في مواجهة مقاومة سياسية أشد تعنّتاً.

شكّل الإخفاق الداخلي والدولي في فرض رادع أو مساءلة لكبح العنف في الشرق الأوسط في الأعوام الأخيرة، عاملاً أساسياً إضافياً في إعادة العمل بمعيار الإفلات من العقاب. ففي النزاع السوري، لم يواجه نظام بشار الأسد ولاداعموه الخارجيون احتمالات فعلية بالمثول أمام العدالة بتهمة ارتكاب جرائم حرب، على الرغم من حدوث هذه الجرائم في الحرب الأهلية التي هي على الأرجح الأعمق توثيقاً في التاريخ. وإقدام إسرائيل على إطلاق النار على محتجّين عزّل عند حدود غزة خلال العام الجاري، لم تترتّب عنه أي أكلاف سياسية جدّية، على الرغم من الاهتمام الإعلامي الواسع الذي حظي به الخبر. وقد فرض التحالف الذي تقوده السعودية والإمارات العربية المتحدة معاناة إنسانية تكاد لاتُصدَّق في اليمن من خلال الحصار والقصف، من دون أن يُثير ذلك، حتى فترة غير بعيدة، اهتماماً كبيراً أو ضغوطاً من جانب الرأي العام.

تساعد الاندفاعة للدفاع عن مبدأ الإفلات من العقاب على تفسير الأسباب التي قادت السعوديين إلى عدم توقُّع أي تبعات على سمعتهم جراء مقتل خاشقجي، وجعلتهم يتوقعون في الأغلب تحقيق منافع من اختفائه. تندرج جريمة القتل في إطار السياسات القمعية التي يمارسها النظام السعودي وحلفاؤه منذ سنوات، ولم يكن مقصوداً بالضرورة أن تبقى طي الكتمان. فخلال العام المنصرم، أقدم النظام السعودي بصفاقة على احتجاز رئيس وزراء لبناني رهينة، واعتقل المئات من الشخصيات الأكثر ثراء ونفوذاً في البلاد، وأعدم إماماً شيعياً بارزاً، وأوقف عدداً كبيراً من النشطاء المرموقين في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان وحقوق المرأة. ويُظهر استهداف خاشقجي أن لاأحد في مأمن، وأنه لن يكون هناك عقاب حتى عن أفظع الارتكابات.

لقد فتحت موجة الاستنكار العالمية التي تواصلت بطريقة مفاجئة رداً على مقتل خاشقجي، الباب من جديد على نقاش إقليمي ودولي عن المساءلة. فقد أظهرت الانسحابات التي راحت تتوالى تباعاً من مؤتمر الاستثمار السعودي الذي انعقد في تشرين الأول/أكتوبر، ومواقف الإدانة التي صدرت عن عدد كبير من الحكومات الغربية، ووابل التصريحات الانتقادية في وسائل الإعلام، والمطالبات بإجراء تحقيق جدّي، أنه قد تكون هناك على الأرجح حدود للإفلات من العقاب، حتى في حالة ولي العهد السعودي. وقد تخبّطَ السعوديون، منتقلين من الإنكار إلى التعاقب على الإقرار بالذنب، فيما كانوا يحاولون حماية محمد بن سلمان من المساءلة المباشرة.

لكن في حين أن هذه الحملة العلنية كانت مهمة، سرعان مااتضحت حدودها عندما أشارت إدارة ترامب إلى أنها ستستمر في تقديم الدعم إلى محمد بن سلمان، بغض النظر عن مسؤوليته في مقتل خاشقجي. كذلك صرّح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن الدعم السعودي ضد إيران بالغ الأهمية ولايجب تعريضه إلى الخطر بسبب اغتيال سياسي؛ هذا في حين لم يتخلَّ سوى عدد قليل من الشركات الاستشارية ومجموعات الضغط عن ارتباطاته السعودية. ويبدو مرجّحاً الآن أن محمد بن سلمان سوف يكافئ مَن وقفوا بجانبه ويعاقب مَن تمنّعوا عن القيام بذلك، معزِّزاً مبدأ الإفلات من العقاب.

ربما لم يدفع ترامب بالقادة العرب إلى تبنّي الإفلات من العقاب، لأن رفض المساءلة هو في صلب صيغة نظام الحكم المعاصر في العالم العربي. لكن عبر قولبة الإفلات من العقاب ليصبح جانباً طبيعياً من جوانب رئاسته، جعلَ بلاده تقف إلى جانب ذلك النموذج العربي في الحكم، وساهم في تشريع الإفلات من العقاب. وهذا قد يكون شكلاً مقززاً من أشكال القوة الناعمة، يتعارض مع القيم التي لطالما صدم بها الأميركيون، لكنه يريح تماماً ويناسب تفضيلات القادة في المنطقة.

تؤيّد أميركا في عهد ترامب، إفلات القادة المتحالفين معها من العقاب، والتقليل من شأن انتهاكاتهم لحقوق الإنسان والديمقراطية ودولة القانون. وتؤيّد أيضاً الخطوات القاسية إلى درجة التهوّر التي تُتخَذ بحق الخصوم، بغض النظر عن التبرير. هذا كله هو بالضبط ماتطمح الأنظمة العربية السلطوية إلى رؤيته مجسَّداً في رئيس أميركي. إنما للإفلات من العقاب، وماينجم عنه من فساد وسوء حكم، أكلاف حقيقية. فهو يستنزف الثقة بالمنظومات السياسية، ويتسبّب باتّساع الهوة بين الحكّام والمحكومين، وغالب الظن أنه سيؤدّي إلى التسريع في النزعات المؤدّية إلى الأزمة الإقليمية المقبلة.