أسعد العشي | خبير اقتصادي سوري، ومدير تنفيذي لمؤسسة "بيتنا سوريا" المعنية بدعم المجتمع المدني السوري

قد يؤدي توثيق التعاون التركي – الأميركي إلى التخفيف من حدّة التوترات بين منطقة شمال شرق سورية التي تسيطر عليها الولايات المتحدة، ومنطقة الشمال الغربي الخاضعة إلى سيطرة الأتراك، وإلى تقليص احتمال حدوث أي تصعيد عسكري. أما على المدى الأطول، فقد تسمح شراكة أكثر متانةً بين الطرفين بإرساء أسس التعاون، ما يضع حوالى 40 في المئة من الأراضي السورية تحت مظلة واحدة.

مع ذلك، لن يكون أي من هذين السيناريوهين كافياً لإطاحة بشار الأسد. فقد استثمر الروس والإيرانيون بشكل كبير في الأسد وأعوانه، ولن يكونوا مستعدين للتنازل عن هذا الاستثمار مهما بلغت درجة التقارب بين تركيا والولايات المتحدة. علاوةً على ذلك، لن تخاطر تركيا بإلحاق الضرر بعلاقتها مع روسيا (ولاسيما أنها أصلاً شريكاً لا تثق به)، بخاصةٍ مع انطلاق العمليات في خط أنابيب الغاز الطبيعي TurkStream بين روسيا وتركيا، وإمكانية تسليم نظام الدفاع الجوي الروسي "أس-400" إلى القوات المسلحة التركية، وهما حدثان مرتقبان في العام 2019.

وعليه، يمكن أن يدفع تعاون أوثق بين الولايات المتحدة وتركيا الأسد بالتأكيد إلى أخذ المفاوضات على محمل الجدّ والانضمام إلى طاولة الحوار لإطلاق عملية سياسية تتمتّع بالمصداقية. يبقى علينا عندئذٍ انتظار اتّضاح نتائج مثل هذه المفاوضات.


 

دوروثي شميد | زميلة أبحاث بارزة ومديرة برنامج تركيا والشرق الأوسط في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية

تُعدّ تركيا خصماً صريحاً لبشار الأسد منذ اندلاع الأزمة السورية، إذ ما انفكّت تطالب بتنحيته. ومع أن أنقرة تقرّبت من روسيا بعد الانقلاب الفاشل في العام 2016، إلا أن عملية تطبيع العلاقات مع النظام السوري لم تكتمل، ناهيك عن تزايد احتمالات نشوب مواجهة مباشرة في محافظة إدلب. لكن من غير المؤكّد ما إذا كانت القوات المسلحة التركية قد تعمد إلى خوض حرب شاملة مع نظام الأسد من دون دعم حلفائها الغربيين.

خلال العام المقبل، سيكون هدف الولايات المتحدة الأساسي احتواء إيران. لذا، قد يؤدّي تحديد مصير الرئيس السوري إلى تعاون سياسي بين أنقرة وواشنطن. بيد أن العلاقة بين الولايات المتحدة وتركيا متشنّجة، كما أن استراتيجيتيهما في سورية متباينتان حول مسألة أساسية: فالولايات المتحدة تقف بشكلٍ حاسم إلى جانب قوات سورية الديمقراطية التي يغلب عليها الأكراد، لمساعدتها في قتال تنظيم الدولة الإسلامية، فيما الأكراد يشكّلون مدعاة قلق أساسية لتركيا، وحافزاً قد يدفعها إلى شنّ حملة عسكرية خارج حدودها. في غضون ذلك، استعاد الأسد هامشاً من المناورة، لذا قد لايكون من السهل بالضرورة الإطاحة به.


 

توما بييريه | باحث أول في المركز الوطني للبحث العلمي - معهد الأبحاث والدراسات حول العالم العربي والمسلمين

ليس في وسع تركيا فعل الكثير في هذا الصدد، أكثر من تجنّب تقويض موقع واشنطن في شرق سورية؛ وهو الموقع الذي يشكّل مفاتيح الضغط الأميركية على دمشق. هذا هو الإطار الذي يمكن ان يكون التنسيق فيه مفيدا، وإلا فإن أنقرة، وعلى رغم تمنّعها المتواصل عن تطبيع العلاقات مع الرئيس بشار الأسد، لن تضيف الكثير على الشراكة مع الأميركيين في مجال الفعالية والتأثير. صحيح أن تموضعها في شمال سورية يعتبر رصيداً مهما، لكنه في الواقع دفاعي النزعة. فالمناطق التي تحميها تركيا محدودة القيمة الاستراتيجية، بالمقارنة مع الأراضي الغنية بالنفط في شرق سورية. والأهم أن انكشاف أنقرة أمام خطر قيام الأسد وحلفائه بتسليح اللاجئين، يجعلها شريكاً غير محتمل في سياسة تغيير النظام، بما في ذلك حتى عبر الوسائل الدبلوماسية. والواقع أنها أُجبرت بالفعل على التخلي عن أحدى الأدوات القليلة المتوافرة لها ضد دمشق بفعل قبولها، كجزء من اتفاق سوتشي في أيلول/سبتمبر الماضي، بأن يُسلّم متمردو محافظة إدلب نقاط الترانزيت في الأقسام أم-4 وأم-5 في الطرق الرئيسة التي يسيطرون عليها.


 

سولي اوزل | بروفسور العلاقات الدولية في جامعة قادر هاس في اسطنبول، وكاتب مقال في صحيفة "هابرتورك"

تتطلّب المرحلة الراهنة من الحرب السورية ما هو أكثر من التفاؤل كي نتوقع إطاحة بشار الأسد من السلطة، سواء قبل الصفقة أو كجزء منها. فحلفاؤه الإيرانيون على وجه الخصوص سيعملون على عدم حدوث ذلك، وفرص التنسيق التركي- الأميركي لإسقاطه، وعلى رغم انها ممكنة، إلا أنها الآن معدومة، لأن لكلا "الحليفين" تصورات غاية في التباين حول ما يشكّل تهديداً إرهابياً في سورية، كما أنه لم يعد واضحاً ما إذا كانت واشنطن مُصرّة حقاً على رحيل الأسد.

بالنسبة إلى الولايات المتحدة، الأولوية هي لمنازلة تنظيم الدولة الإسلامية. وفي مثل هذا القتال، تُعتبر وحدات حماية الشعب الكردية هي الشريك الأمثل الذي يعتد به للقيام بذلك، حتى ولو كان الهدف الأميركي الأكثر طموحاً هو حمل إيران على التراجع. تركيا هي حليف الاختيار بالطبع، لكن وحدات حماية الشعب، وتنظيمها الأم حزب الاتحاد الديمقراطي، تُعتبر لدى أنقرة الامتداد السوري لحزب العمال الكردستاني، الذي يشكّل الخطر الإرهابي الوجودي الأكبر عليها. وقد عمد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لتّوه إلى وصف الدولة الإسلامية بأنه مجرد تنظيم من الدهماء، وأعاد إلزام نفسه مجدداً بالقضاء على وحدات حماية الشعب- الاتحاد الديمقراطي في المناطق التي تسيطر عليها الولايات المتحدة. ومع وجود مثل هذه المصالح المتضاربة، ليس بمقدور واشنطن وأنقرة العمل بشكل منسّق، ما لم تُحل القضية الكردية.

علاوة على ذلك، إذا ما وضعنا في الاعتبار اعتماد تركيا على حسن النيّة والدعم الروسيين في المناطق التي تُسيطر عليها وفي الأراضي الواقعة تحت هيمنتها في محافظة إدلب، سنصل إلى الاستنتاج ان أنقرة ستمتنع عن اتخاذ أي خطوات جذرية من شأنها وضع روسيا على طرفي نقيض معها.


 

مهنّد الحاج علي | مدير الاتصالات والإعلام في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، ومؤلّف كتاب بعنوان Nationalism, Transnationalism, and Political Islam: Hizbullah’s Institutional Identity (القوميّة والرابطة العابرة للقوميّة والإسلام السياسيّ– هويّة حزب الله المؤسّسيّة) صدر في العام 2017 عن دار "بالغريف ماكميلان"

من المستبعد للغاية حدوث تنسيق بين الطرفين. وحتى لو حدث ذلك، سيسفر التحالف الأميركي-التركي عن ترسّخ التحالف الذي يجمع موسكو بنظام الأسد. يُضاف إلى ذلك أن استراتيجية تركيا حول سورية تشكّل سبباً آخر يدفع إلى استبعاد هذا التحالف ومثل هذه الحصيلة. فأولوية أنقرة اليوم ليست إطاحة بشار الأسد، بل تعزيز الارتباط الثقافي والسياسي والاقتصادي بين تركيا وبين المناطق السورية التي سيطرت عليها خلال عمليّتي درع الفرات وغصن الزيتون العسكريتين. فقد دشّنت جامعة الحرّان التركية فرعاً لها في مدينة الباب، فيما تتلقّى مئات المدارس كتباً مدرسية من وزارة التعليم التركية. كذلك، تُدرّس اللغة التركية في المدارس على نطاق واسع في جميع أنحاء المنطقة. كما تمّ افتتاح مكاتب بريد تركية في كل مدينة، بينما باتت السلطات الدينية التركية الآن تمتلك تأثيراً على مساجد المنطقة والتعليم الديني. ويُعتبر هذا الاستيلاء مماثلاً لما جرى في شمال قبرص، غير أنه يختلف تماماً عن كونه مجرد استثمار في عملية انتقال قيادية سورية. أما السؤال الوحيد الذي يطرح نفسه حول تدخّل تركيا في سورية فهو: كيف ومتى ستتوسّع غرباً باتجاه محافظة إدلب، وشرقاً نحو المناطق الكردية التي تتعاون راهناً مع الولايات المتحدة؟ وعلى أي حال، الحافز الأساسي لتركيا هو استثمارها طويل الأمد في عملية "تتريك" سورية.