بعد الخلاف العلني حول قانون الطلاق واللغة الدينية، انتقل الصدام بين الرئاسة المصرية والأزهر الذي يُعَدّ المؤسسة الإسلامية الأولى في البلاد، إلى مستوى أكثر غموضاً إلى حد كبير. فهما اليوم، يختلفان حول حجم التهديد المحدِق بالمجتمع عبر مناقشة صحّة الحديث – أي بيانات وأفعال النبي محمد والمسلمين الأوائل – ودوره في الشريعة الإسلامية.

إذا كان موضوع الخلاف مُلتبساً ومثيراً للحيرة، فإن التشنجات نابعة من صراعٍ مضبوط إنما مقلق على خلفية دور كل من الرئيس ومؤسسة الأزهر في القيادة الأخلاقية للمجتمع المصري. لقد ألقى كلٌّ من الإمام الأكبر شيخ جامع الأزهر، أحمد الطيب، والرئيس عبد الفتاح السيسي، خطاباً رسمياً أمام كبار الشخصيات الذين اجتمعوا لمناسبة عيد المولد النبوي في 19 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي. وقد انتقد الطيب، في كلمته، مَن يُشكّكون في صحة الحديث، نظراً إلى أنه يُشكّل أساس الشريعة الإسلامية في جزء كبير منها. وفي حين يتقّدم القرآن على الحديث، إلا أن الأحكام ذات الطابع القانوني الواضح في القرآن أقل بكثير وأحياناً أكثر عمومية في طبيعتها بالمقارنة مع الحديث، وفق ما أشار إليه الطيب. ليس مفاجئاً أن يقول هذا الكلام، نظراً إلى أن الحديث يشتمل على السنّة، أو ممارسات النبي والمسلمين الأوائل، ومنها استمدّ الإسلام السنّي اسمه. وليس في هذا الكلام مايمكن أن يعترض عليه مصريٌّ مسلم متديّن يحترم القيادة الأخلاقية والدينية التي يمثّلها الأزهر.

لكن السيسي، وأثناء إلقائه كلمته، أضاف تعليقات مرتجَلة إلى النص المُعَدّ مسبقاً، مؤنِّباً الطيب بصورة غير مباشرة إنما بكلام واضح لالبس فيه. هو لم يُشكّك في صحة الحديث (فهذا جسرٌ لم يكترث السيسي لعبوره)، لكنه اعتبر أنه لا أهمية للمشكلة، منبّهاً إلى أن التهديد الحقيقي لايتأتى من التشكيك بالحديث بل من التفسيرات المشوَّهة للدين. فقد قال السيسي: "الإشكالية في عالمنا الإسلامي حالياً ليست في اتباع السنّة النبوية من عدمها، لكن المشكلة هي القراءة المخطئة لأصول ديننا"، قبل أن يسأل: "مَن أساء إلى الإسلام أكثر: الدعوة إلى ترك السنّة النبوية أم الفهم المخطئ؟"

ماذا يجري؟ لماذا اعتبر الرئيس أنه مرغَمٌ على خوض معركة مع شخصية تُقدِّم نفسها بأنها فوق السياسة، وذلك في قضية قد تبدو مبهَمة لمعظم القادة السياسيين؟ الخلاف سياسيٌّ في ناحية من النواحي، وسبق أن خرج إلى العلن في مناسبات عامة، فيما تسعى الرئاسة جاهدةً إلى ترسيخ قبضتها على الدولة والمجتمع في مصر.

باتت الدولة المصرية تخضع اليوم – مهما بلغ مدى نفوذها وامتدادها – للرئاسة والمؤسسات الأمنية. لقد قُصَّت أجنحة مؤسسات الدولة التي كانت تتمتّع باستقلال ذاتي سابقاً، مثل المحاكم الإدارية. وفي المجتمع، أُطبق على جميع الوجوه السياسية البارزة تقريباً، وسُحِبت منها قدرتها على ممارسة أي تأثير. كتبت ميشيل دنّ: "معظم المصريين الذين أدّوا أدواراً مهمة في الحياة العامة بين منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين وانقلاب 2013 ]هم[ في السجن أو في المنفى خارج البلاد في إطار عمليةٍ ]تشكّل[ هجرة عقول واسعة". كذلك فرض النظام سطوته على النقابات العمالية والاتحادات المهنية التي كانت، في مامضى، مصادر للحراك المستقل في البلاد.

بيد أن الأزهر والقطاع الديني احتفظا بصوت مستقل إلى حد ما. وهذا صحيحٌ بمعنى رسمي ما، فقد أحبط قادة المؤسسة الجهود التي بذلتها الدولةللقضاء على الاستقلالية الذاتية التي اكتسبها الأزهر في العام 2011. بيد أن استقلالية الأزهر لاتعتمد فقط على الهرميات القيادية. واقع الحال هو أنه لدى الطيب قواعد شعبية مستعدّة لدعمه. فملايين الخرّيجين من مؤسسات الأزهر التعليمية، وأعضاء الجمعيات الصوفية والقبائل المرتبطة بالإمام الأكبر في جنوب مصر، والرأي العام المتديّن المستاء من العنف الذي لجأ إليه النظام في العام 2013، سوف يرصّون صفوفهم ليس بدافع تحدّي النظام إنما للدفاع عن الطيب ومكانته.

أما النظام فيمتلك، من جهته، أدوات عديدة تتعدّى بكثير المشاحنات العلنية. فهو يُسيطر على جميع وسائل الإعلام، وكذا عندما يُعبّر علماء الأزهر عن آرائهم حول السجالات الدينية عبر إصدار بيانات بهذا الصدد، يمكن أن يُطلَب من وسائل الإعلام تجاهل تغطيتها أو حذف هذه التغطية. هذا ماحدث مؤخراً، بعدما شنّت هيئة كبار علماء الأزهر هجوماً علنياً على مشروع قانون تونسي ينص على المساواة في الميراث بين الرجل والمرأة، مُعتبرةً أنه مخالفٌ للنصوص الدينية الواضحة بهذا الخصوص. وهنا، ربما طُلِب من وسائل الإعلام الموالية للنظام في مصر عدم تغطية البيان الصادر عن الهيئة.

وثمة أدوات أخرى أيضاً. فقد نظّمت القوات المسلحة المصرية مؤخراً ندوتها العاشرة لطلاب الأزهر، وكان الهدف منها، وفق ماأُفيد، "زيادة الوعي لدى طلاب المدارس والجامعات بشأن الأعمال البطولية التي تقوم بها القوات المسلحة للقضاء على الإرهاب". إذاً، في نظر النظام المتأهّب جيداً، قد يكون شيخ الأزهر مزعجاً (والسيسي قال كلاماً بهذا المعنى)، لكنه ليس مصدر تهديد.

إذن هل التشنجات مردّها إلى سياسة النفوذ فقط، وليس إلى المبدأ؟ واقع الحال هو أن الدين يقع في صلب القضية المطروحة، والخلاف الظاهري – حول التشكيك بالحديث – مرتبطٌ بصورة كبيرة بالمسألة، حيث أنّ الرئيس يركّز على التهديدات الأمنية المتصوَّرة، ويطلب الدعم بالتالي في محاربة الأفكار المتشدّدة، معتبراً أن القيود والإلهاءات الناجمة عن التقيُّد بحرفية النصوص تتسبب بتعطيل هذه الجهود.

أما في نظر الطيب فالسنّة أمرٌ أساسي، ويجب إبداء الاحترام والطاعة للأشخاص المتخصصين بتفسير هذا التقليد الفكري الذي يعود إلى أكثر من ألف عام. الإصلاح أمرٌ ضروري جداً، لكن بالنسبة إلى الإمام الأكبر، الوفاء للنصوص هو دليل تقوى وخبرة وصلاح، لادليل ظلامية. ومَن يرغبون في استخلاص تفسيرات جديدة انطلاقاً من ذلك التقليد، لايمكنهم صرف النظر عن النصوص القرآنية الواضحة التي لالبس فيها أو عن الحديث الموثوق بها.

باختصار، الخلاف بين السيسي والطيب دينيٌّ وسياسي على السواء، يتمحور حول القيادة والأدوار النسبية لكل من السلطات المدنية التي تقود المنظومة السياسية، والعلماء الدينيين المدرَّبين على تفسير النصوص. لايخوض الرئيس والإمام الأكبر حرب مناورات دراماتيكية، بل حرباً طاحنة في المواقف من الإشراف على الخطب الدينية في المساجد، إلى إصدار الفتاوى، وإصلاح المنهاج المستخدَم في تدريب الأئمة.

وهذا المجال الأخير – أي مضمون مايُدرَّس – قد يكون، في الواقع، ساحة المعركة الأهم في المدى الطويل، على الرغم من أن السجال أكثر تعقيداً وهدوءاً، فيما يحاول النظام انتزاع المسألة من أيدي الأزهر. وفي هذا الإطار، تدفع وزارة الأوقاف الدينية باتجاه مبادرة لتدريب الأئمة في الأكاديمية الوطنية الملحقة بالرئاسة، بدلاً من تدريبهم في الأزهر. وقد أعلنت الوزارة مؤخراً أنها انتهت من تحضير مناهجها الدراسية، وسوف تبدأ بتدريب الأئمة في الأكاديمية بحلول أواخر كانون الثاني/يناير 2019. ولن تتضمن المناهج، وفق ماأُفيد، علوماً دينية وحسب، إنما أيضاً مواد عن القانون والسياسة وعلم الاجتماع وعلم النفس. والسبب هو أنه غالباً ماانتقد المسؤولون البرامج التدريبية التي يعتمدها الأزهر لاقتصارها فقط على العلوم الدينية التي يقولون إنها لاتُشجّع التفكير المستنير.

في المرحلة المقبلة، قد يكون على النظام مضاعفة محاولاته لإخضاع الأزهر عن طريق وسائل أكثر ليونة، بغية عدم الضغط مباشرةً ضد مؤسسة لاتزال تحظى بتقدير واسع في المجتمع المصري والعالم الإسلامي. كما أن الطيب يتمتع باستقلالية ذاتية وقواعد شعبية مايمنحه صوتاً مستقلاً، وهذا يؤدّي إلى تجدُّد احتمال ظهور نوبات دورية من التشنّجات السياسية في الحياة السياسية والدينية المصرية.