يمكن وصف مصر في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي على الشكل التالي: حكومة منقسمة مع موازنات دفاعية متضخِّمة وأجندة قومية تعمل على تطبيقها. ورئيسٌ يردّ على انعدام الثقة المتنامي لدى الرأي العام عبر إحاطة نفسه بالشرعية الشعبية التي يتمتع بها الجيش. وعسكرةُ المناصب العليا في هرمية صنع القرار.

وينطبق هذا الوصف أيضاً على الولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترامب.

بالنسبة إلى إدارة ترامب التي لاتراعي المعايير المؤسسية، يُعتبر الجيش – وهو المؤسسة العامة الأكثر موثوقية في الولايات المتحدة – أداةً مغرية لتسجيل نقاط سياسية رخيصة. لنأخذ على سبيل المثال نشر 6000 جندي أميركي مؤخراً عند الحدود مع المكسيك. تطورت الفكرة خلال التجمّعات التي أقامها الرئيس في إطار حملته الانتخابية على مدى الأسابيع التي سبقت الانتخابات في تشرين الثاني/نوفمبر، ردّاً على قافلة المهاجرين الآتين من أميركا الوسطى، والتي أُطلِق عليها اسم "اجتياح".

لايهم أن المجموعة كانت على بعد أكثر من 1400 كيلومتر من الحدود، وكان أفرادها يعبرون سيراً على الأقدام. أو أن قانون بوس كوميتاتوس لعام 1878 يحظّر على الجيش فرض تطبيق القوانين الداخلية، وهكذا اقتضى الانتشار من الجيش تأدية دورٍ داعِم يُعتبَر مؤاتياً أكثر لوحدات الحرس الوطني المحلية. ولايهمّ أن تقريراً مسرَّباً أصدره البنتاغون حول تقييم المخاطر خَلُص إلى أن القافلة لاتُمثّل خطراً داهماً على الولايات المتحدة، أو أن كلفة الانتشار تفوق 70 مليون دولار أميركي.

في آذار/مارس، طرح ترامب فكرة إنشاء "قوة فضائية" في تعبيرٍ مرتجل وغير مترابط عن أفكاره وفق مادرَج عليه. وسرعان ماتحوّلت القوة الفضائية إلى لازمة رائجة تتكرّر في تجمّعات ترامب. وبعد شهرَين، أصدر، خلال اجتماع في البيت الأبيض، أمراً للجيش بـ"المباشرة فوراً بالعملية الضرورية لإنشاء قوة فضائية كي تكون الفرع السادس في القوات المسلحة". فوجئ البنتاغون إذ لم تكن هناك خطة لإنشاء القوة، ولم يتحقق أي تقدّم يُذكَر منذ ذلك الوقت.

في تموز/يوليو 2017، كتب ترامب في تغريدة عبر "تويتر" أنه "بعد مشاورات مع جنرالاتي والخبراء العسكريين"، سوف تمنع الولايات المتحدة الأشخاص العابرين جنسياً من أداء الخدمة العسكرية. وفي اليوم التالي، قام رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال جوزيف دونفورد، بإبلاغ القادة العسكريين بأنه لن يكون هناك تغيير في السياسة إلى حين صدور توجيه رسمي بهذا الخصوص. (بعد تسعة أشهر، وقّع ترامب حظر الخدمة العسكرية للعابرين جنسياً، بناءً على توصية من وزير الدفاع جيمس ماتيس، ولايزال الحظر غير مطبَّق بسبب القرارات الصادرة عن المحكمة الفيدرالية بتعليقه).

لماذا يُعتبَر ذلك مدعاةً للقلق؟ يحمل تورّط الجيش في السياسة تبعات سلبية للاستقرار والديمقراطية، والتجارب المصرية خير دليل على ذلك. لقد صنع الجيش المصري لنفسه صورةً تُظهره بأنه خط الدفاع الأخير ضد التطرّف الإسلامي وعدم الكفاءة المدنية. فهو يتدخّل لتغيير مسار الحوكمة في مصر، وآخر تدخّل له في هذا المجال كان في العام 2013، من خلال عزل الرئيس محمد مرسي المنتمي إلى الإخوان المسلمين.

في تدخلاته الدراماتيكية، يفيد الجيش المصري من تأثير عميق وأشدّ هدوءاً بكثير على المجتمع، على الرغم من الأمثلة عن القمع الهمجي الذي تلجأ إليه القوى الأمنية. وعبر الانخراط في أنشطة اقتصادية متنوّعة جدّاً، مثل امتلاك منتجعات فخمة، ومصانع للأسمدة، ومشاريع البنى التحتية، يكشف الجيش عن مظهر من مظاهر القدرة والفعالية التنظيمية، وذلك على النقيض من الفساد والفوضى في صفوف السياسيين المنتخَبين. وفي حين أن القوات المسلحة تتدخّل في السياسة في المحطات الحاسمة، تُفضّل البقاء بعيداً عن الأضواء السياسية حفاظاً على سمعتها غير المسيَّسة.

أحاط السيسي نفسه، منذ تسلّمه السلطة، بمستشارين عسكريين. وقد عمد إلى توسيع دور الجيش في الاقتصاد، عبر ترسية عقود مربحة ومنح إعفاءات مالية للشركات المملوكة من الجيش. وليس مفاجئاً أن تشدّد التغطية الإخبارية في وسائل الإعلام الموالية للنظام على دور الجيش في مشاريع للدولة، مثل القضاء على التهاب الكبد سي وبناء مزارع للأسماك، كي تُظهر أنه يعمل دعماً للقائد المنتخَب في مصر ورفيق السلاح السابق.

الولايات المتحدة بعيدةٌ كل البعد عن الانقلابات العسكرية. إنما ثمّة مؤشّراتٌ على وجود تشنّجات مدنية-عسكرية في النظام الأميركي أيضاً.

لطالما أدّى مسؤولون عسكريون أدواراً بارزة في الحكومة الأميركية. فقد عمل جنرالات، سواءً كانوا في الخدمة الفعلية أم متقاعدين، مستشارين في مجال الأمن القومي في عهد كل من الرؤساء رونالد ريغان وجورج بوش الأب وباراك أوباما. إنما نادراً مابرزت شخصيات عسكرية في المناصب العليا كما هو الحال في إدارة ترامب، وذلك في تناقض واضح مع مايُسمّيه ترامب "دولة الظلّ الإجرامية".

اقتضى تعيين ماتيس، وهو أول جنرال سابق يتسلّم منصب وزير الدفاع منذ نحو 70 عاماً، إقرار تشريع في الكونغرس لإبطال البند الذي يفرض أن يكون الوزير قد غادر الخدمة العسكرية منذ مالايقل عن سبع سنوات. وهو ينظَر إليه، عن حق، على أنه من آخر الأشخاص البالغين المتبقّين في سيرك ترامب. إنما ثمة مخاوف من أن الأدوار التي يضطلع بها المدنيون في السياسة العامة داخل البنتاعون تتقلّص، لصالح العسكريين الذين كان ماتيس نفسه واحداً منهم حتى العام 2013.

في هذا الإطار، سلّط كتاب بوب وودوارد، الذي لاقى إقبالاً واسعاً، والذي يتحدث فيه عن إدارة ترامب ويحمل عنواناً مناسباً "الخوف"، الضوء على جانب آخر من جوانب تأكُّل المعايير العسكرية. ويروي وودوارد واقعةً عن إصدار ترامب أمراً باغتيال الديكتاتور السوري بشار الأسد في نيسان/أبريل 2017 بعد وقوع هجوم بالأسلحة الكيميائية على بلدة خان شيخون. وردّ ماتيس بأنه سيعمل على الأمر، لكنه قال لمساعده لاحقاً: "لن نقوم بأي شيء من هذا القبيل".

إذا وضعنا حذر ماتيس جانباً، تُقدِّم هذه الواقعة مثالاً عن شخصية عسكرية غير منتخَبة اختارت أن تقف بصرامة في وجه أوامر رئيس منتخَب، في خطوة هي بمثابة "انقلاب إداري"، وفق مايُسمّيها وودوارد. خلال الأسبوع الفائت، لفت وزير الخارجية السابق ريكس تيلرسون، في أول مقابلة علنية له منذ أقاله ترامب في آذار/مارس الماضي من منصبه، إلى أنه غالباً ماتُشكّل أوامر ترامب انتهاكاً للقانون.

الجيش هو أحد الحصون الأخيرة ضد الاستقطاب الكامل في المجتمع الأميركي. يُشير استطلاع آراء أُجري مؤخراً إلى أن 80 في المئة من الأميركيين واثقون من أن الجيش يتصرف من أجل تحقيق المصلحة الفضلى للشعب الأميركي، بالمقارنة مع 32 في المئة فقط أعربوا عن ثقتهم بالمسؤولين المنتخبين في هذا المجال. إذاً ليس مفاجئاً أن السياسيين قد ينساقون وراء إغراء استخدام الجيش لتلميع سمعتهم، ومنحه مزيداً من النفوذ.

لكن ربما تخسر البزّة العسكرية هيبتها في نظر ترامب. ففي غضون أقل من عامَين، أقدم هذا الأخير على إقالة ثلاثة من كبار الجنرالات – مستشارَي الأمن القومي مايكل فلين وأتش آر ماكماستر، وكبير موظفي البيت الأبيض جون كيلي. وتتردّد شائعات باستمرار أن ماتيس قد يلحق بهم.

لكن وفق مايظهره التاريخ الحديث في مصر، ثمة خطرٌ آخر يترافق مع وجود جيش شعبي إنما مسيَّس في أوقات الأزمات المؤسسية. قبل أكثر من قرنَين، كتب إدوارد جيبون أن ظهور الحرس الإمبراطوري وتدخّلاته في تغيير الأباطرة الرومان كان "العارض الأول من عوارض أفول الإمبراطورية الرومانية، والمسبّب الأول له". اليوم، لم يعد مستحيلاً أن نتخيّل ترامب يرفض الإقرار بشرعية انتخابات 2020، وكبار الضباط العسكريين يؤدّون دوراً قيادياً في إيجاد حل للأزمة الدستورية التي ستترتّب عن ذلك.