كان اليوم العالمي لحقوق الإنسان للعام 2018 أقرب إلى جنازة منه إلى احتفال في الشرق الأوسط. فالتداعيات الناجمة عن الحملات التي شنّتها الأنظمة السلطوية على الانتفاضات العربية في العام 2011 أسفرت عن بيئة إقليمية هي ربما الأسوأ لحقوق الإنسان منذ الثمانينيات. لكن، في حين أنّ قلّة قليلة ممّن يعملون في الشرق الأوسط، أو على مسائل متعلّقة بهذه المنطقة، يمكنهم التحلّي بالتفاؤل هذه الأيام، إلا أن ثمة أسباباً تدعو إلى الاعتقاد بأنّ معايير حقوق الإنسان قد تشهد عملية إعادة إحياء في المستقبل المنظور.

يوفّر الوضع الراهن بعض المؤشرات على ذلك. فقد تصدّرت السعودية عناوين الصحف على مدى الشهرين الماضيين منذ مقتل جمال خاشقجي. كما تجدر الإشارة إلى أن السجون السعودية مُكتظّة بناشطي المجتمع المدني، والناشطين في مجال حقوق الإنسان، والشخصيات الدينية المستقلة، ومُعارضين مُحتملين لولي العهد محمد بن سلمان. وترتبط شراسة القمع مباشرةً بعدم شعور الأمير بالأمان في الداخل من جهة، وفشل سياساته في الخارج من جهة أخرى.

مع ذلك، فإنّ كارثة حقوق الإنسان لا تقتصر على السعودية. إذ لا تزال البحرين غير نادمة على حملتها الهمجية والطائفية على انتفاضة العام 2011. ولا تزال الإمارات العربية المتحدة تحكم قبضتها الحديدية على المجال العام، فيما مصر غارقة بدورها في لُجج بيئةٍ هي الأكثر قمعية ربما منذ عهد الرئيس جمال عبد الناصر. فعشرات آلاف المعتقلين السياسيين يقبعون في السجون المصرية، فيما تعمد أجهزة الأمن اليقظة والمتقلّبة على نحو مفرط على اعتقال الأصوات المستقلة بشكل منتظم بسبب انتقادات ثانوية في الكثير من الأحيان. كما قلّصت القوانين الجديدة القاسية التي تحكم وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية آفاق الحياة المدنية.

تركيا أيضاً تعيش إحدى أسوأ أزمات حقوق الإنسان في العصر الحديث. فمنذ الانقلاب الفاشل ضد رجب طيب أردوغان في العام 2016، خضعت الدولة التركية لتطهير منظّم من مناصرين مزعومين لفتح الله غولن، وأكاديميين، وصحافيين، وغيرهم من الأصوات الناقدة. ويعاني الفلسطينيون في غزة والضفة الغربية من انتهاكات على أيدي جميع الأطراف، بما في ذلك حركة حماس والسلطة الفلسطينية وإسرائيل. كما بلغت معاناة اليمن بسبب الحصار السعودي-الإماراتي والحكم الحوثي الصارم مستويات كارثية، على الرغم من حقيقة أنّ الأحزاب اليمنية توصّلت إلى اتفاق بشأن ميناء الحديدة هذا الأسبوع، ما قد يحسّن الوضع. ولا يزال السوريون يعانون من الحرب والنزوح حتى في الوقت الذي يستعيد فيه نظام الرئيس بشار الأسد السيطرة على البلاد، في ظل غياب مؤشرات تُذكر على أنّ العدالة بشأن جرائمه المرتكبة خلال النزاع ستتحقق في أي وقت قريب.

حتى في الدول العربية الأقل تعسّفاً على نحو صريح، تضاءلت آفاق المشاركة السياسية، وانحسر التدقيق في انتهاكات حقوق الإنسان. والأمر الأكثر مدعاة للقلق هو أنّه كانت هناك حملات مفتوحة لصالح الإفلات من العقاب، تسعى إلى إضفاء الشرعية وحتى الاحتفاء بالممارسات المسيئة بدلاً من مجرّد الانخراط فيها. لقد أصبحت الأنظمة ماهرة في استخدام وسائل الإعلام والتلاعب الإلكتروني لتوليد دعم شعبي لسياساتها وحرف الانتقادات الخارجية.

كيف يمكن لأي شخص رؤية بصيص أمل لحقوق الإنسان في هذه البيئة؟ لا شك أنّ المسار المأساوي للمنطقة منذ تلك اللحظات الحماسية المليئة بالأمل في العام 2011 يكبح جماح كل شخص يجرؤ على التفاؤل. لكن العديد من الأحداث الأخيرة تشير إلى أنّ الإفلات من العقاب يقترب ربما من نهايته. فقد حدت الحملة الرامية إلى تحقيق العدالة لجمال خاشقجي بمجموعة واسعة من وسائل الإعلام الغربية إلى إعادة اكتشاف النمط المتصاعد لانتهاكات حقوق الإنسان السعودية منذ صعود محمد بن سلمان. كما أنّ النطاق الواسع والقوة اللافتة التي تميّزت بهما حملة الضغط على السعودية، وحصولها على دعمٍ في صفوف الحزبَيْن الأميركيين (ما أدى إلى تصويتٍ في مجلس الشيوخ في 13 كانون الأول/ديسمبر يرمي إلى إنهاء مشاركة الولايات المتحدة في الصراع الدائر في اليمن)، وعجز الدعاية السعودية على منع الانتقاد، هي كلّها أمور جديدة.

ولم يأت إفراج الإمارات عن طالب الدكتوراه البريطاني ماثيو هيدجز، الذي تمّ إلقاء القبض عليه بالاستناد إلى اتّهامات تجسّس غير مقنعة، إلا بعدما هدّدت حملة عامة فعّالة غير اعتيادية ضدّ القرار بإحداث ضرر حقيقي بالسمعة. وهذا يدل على أنّه في بعض الأحيان، وفي ظل ظروف مؤاتية غير اعتيادية، يمكن لحملات الضغط العامة أن تقف في وجه أكثر الأهداف تحصيناً.

ثمة العديد من العوامل التي تشير إلى أنّ حقوق الإنسان قد تعود قريباً كقوّة معيارية قابلة للتطبيق في المنطقة، والأهم هو التغيير الوشيك في السياسة الأميركية. فمن المحتمل إلى حدّ كبير أن يعيد مَنْ سيأتي خلفاً لدونالد ترامب كرئيس للولايات المتحدة ترتيب الأولويات المتعلقة بحقوق الإنسان. وسيكون رد الفعل المضاد للمقاربة "الترامبية" سريعاً وغاضباً، وسيسعى الرئيس القادم- أكان جمهورياً أو ديمقراطياً- بكل تأكيد إلى تمييز نفسه قدر الإمكان عن الإدارة الحالية. لقد سمح السلطويون في الشرق الأوسط، الذين استفادوا بشكل كامل من تجاهل ترامب لحقوق الإنسان، لأنفسهم بأن يتم النظر إليهم عبر عدسة حزبية، وهم ليسوا مستعدّين لردود الفعل التي قد يواجهونها قريباً.

يُعدّ ازدراء حقوق الإنسان من الصفات الأساسية للمقاربة "الترامبية"، والتي يرفضها مجتمع السياسة الخارجية ذو الثنائية الحزبية في الولايات المتحدة بالإجماع تقريباً. وبشكل متزايد، كذا الأمر بالنسبة إلى دعم ترامب للسعودية ومحمد بن سلمان على نحو غير نقدي. فمنذ مقتل خاشقجي، شكّل هذا تحدّياً بالنسبة إلى جمهوريين معارضين لترامب، أمثال السيناتورين ليندسي غراهام وبوب كوركر. ويمكن رؤية الخطوط العريضة لمسعى القيادة الأميركية إلى إعادة تبني هذه القيم مرحلة ما بعد ترامب في مواقف كل مرشح رئاسي معقول تقريباً، وفي الازدياد السريع في عدد أعضاء مجلس الشيوخ اليافعين الذين ينتقدون الحرب السعودية على اليمن، كالديمقراطي كريس مورفي والجمهوري تود يونغ.

من المرجّح إلى حدّ كبير أن يركّز شكل وطبيعة هذه العودة إلى خطاب القيم الأميركية في مرحلة ما بعد ترامب على حقوق الإنسان أكثر منه على تعزيز الديمقراطية. وفي حين أنّ الرئيس القادم قد يرغب في أن يُنظر إليه على أنّه أكثر التزاماً بالقيادة الأخلاقية، لم يتبقَ سوى رغبة طفيفة (إذا كانت موجودة أساساً) لدى الولايات المتحدة لتعزيز عملية دمقرطة حقيقية في الشرق الأوسط. الجدير ذكره هنا أن التركيز على حقوق الإنسان يوفر طريقة لإعادة توجيه السياسة الأميركية من دون الدخول في جدالات حول تعزيز الديمقراطية أو تغيير النظام. ويمكن أن يتفق الجميع على مطالبة الأنظمة الحليفة بالحدّ من عمليات الاعتقال والتعذيب التي تمارسها بحق الناشطين، وإرخاء قبضتها الحديدية عن الإعلام والمجتمع المدني، والسماح بهامش أوسع من المعارضة السياسية.

بالطبع، ستقاوم الأنظمة بقوّة أي ضغوط من هذا القبيل، لكنّ مجموعة كبيرة منها ستجد نفسها عاجزة فيما تواجه واقع المأزق السياسي الذي خلقته من خلال سياساتها بعد العام 2011. فمصر، منذ انقلاب العام 2013، ليست سوى الحالة الأكثر تطرّفاً ضمن منحى أوسع في المنطقة، حيث ترك تفريغ المؤسسات السياسية مجالاً ضيّقاً أمام إدارة الاستياء. وفي غياب أي قيود داخلية أو خارجية جادة، تعمل معظم الأنظمة على توسيع قمعها بلا هوادة انطلاقاً من شعور عميق بانعدام الأمن. لكن كل ارتفاع تدريجي في أعمال القمع لا يؤدِ سوى إلى زيادة احتمال اندلاع أزمات سياسية جديدة تشمل التعبئة الشعبية مع تصاعد الصعوبات الاقتصادية، فيما يقوم المجتمع المدني بتطوير أشكال جديدة من التعبئة، وبينما تصبح الساحة الدولية أقل دعماً. ولم تنفكّ المشاكل الكامنة التي كشفتها الانتفاضات العربية تتفاقم، وستسعى قوّة الشباب العربي المضطرب والمبدع وغير الراضي إلى الحصول حتماً على منفذ لإحباطاتها.

يمكن أن تظهر حقوق الإنسان كحلّ وسط مفيد، باعتبارها مجموعة قيم معيارية إيجابية مع مؤشرات يمكن للإدارة الأميركية المقبلة أن تدعمها. وقد يستمر السلطويون على مضض في ذلك لتجنّب بروز مطالب أقوى. وقد يظلّ اليوم العالمي لحقوق الإنسان حقيقة كئيبة في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة، لكن آفاق حدوث شيء أفضل قد تكون أقرب مما نعتقد.