كريم باكرافان | أستاذ مشارك في قسم الاقتصاد في جامعة دي بول

لنبدأ بالمسائل الأساسية. في الأشهر الأولى من العام 2018، كانت إيران تصدّر يومياً حوالى 2.6 مليون برميل من النفط الخام وسائر المنتجات النفطية، بقيمة تناهز 4 مليارات دولار شهرياً. بعد 4 تشرين الثاني/نوفمبر، دخلت العقوبات الأميركية ضد إيران حيّز التنفيذ، ما أدّى إلى تقليص صادرات إيران النفطية بمقدار النصف. وفيما كانت هذه العقوبات تهدف إلى وقف الصادرات النفطية الإيرانية تماماً، إلا أن الولايات المتحدة منحت إعفاءات من العقوبات لثمانية من الدول الأساسية المستوردة للنفط الإيراني مدّتها 90 يوماً. ومع فرض العقوبات الأميركية على إيران، من المتوقّع أن تتراجع إيرادات النفط الإيرانية بمقدار النصف بحلول العام 2019، في أفضل الأحوال. واستناداً إلى هذه المعطيات، أقرّت حكومة روحاني موازنة متحفّظة للعام المالي 2019–2020 (الذي يبدأ في 20 آذار/مارس 2019). وتم تحديد مخصّصات الإنفاق في الموازنة بقيمة 103 مليارات دولار، ما يمثّل زيادة اسمية قدرها 12 في المئة (تُقاس بالريـال). ومن المتوقّع أن تغطّي إيرادات النفط التي قدّرتها الحكومة بـ30 مليار دولار (استناداً إلى تصدير 1.5 مليون برميل يومياً بسعر 54 دولاراً للبرميل الواحد) حوالى ربع إجمالي الإنفاق. لكن يبدو أنه تمت المبالغة بتقدير إيرادات النفط بنسبة تصل إلى حوالى 25 في المئة، وقد تكون أقلّ من ذلك بعد في حال امتنعت إدارة ترامب عن تجديد مدة الإعفاءات من العقوبات.

حتى من دون الهبوط الحادّ في حجم الإيرادات، لم تكن إيران تملك الوسائل الاقتصادية اللازمة لتمويل مساعداتها لنظام الأسد وحزب الله – وهما المتلقّيان الأساسيان للتقديمات الإيرانية السخية – التي يُقدّر أنها تكلّف طهران مليارات من الدولارات سنوياً. يُضاف إلى ذلك أن هذا الدعم لا يحظى بالشعبية في إيران إلى حدٍّ بعيد. مع ذلك، يُعتبر دعم الأسد وحزب الله عنصراً أساسياً في الاستراتيجية الإقليمية لعتاة النظام الإيراني. ومع الانسحاب الأميركي من سورية، قد تسعى إيران إلى توسيع رقعة نفوذها، إلا أن ذلك قد يصبح مُكلفاً على نحو مطّرد، فيما المكاسب تقلّ تدريجياً، في وقتٍ تقترب الهموم الاقتصادية المحلية في إيران من نقطة الغليان.


 

جان-فرانسوا سيزنك | باحث في معهد الشرق الأوسط في واشنطن العاصمة وأستاذ مساعد في كليّة الدراسات الدولية المتقدّمة في جامعة جونز هوبكنز

تشمل طموحات إيران في الشرق الأوسط تمويل الميليشيات العراقية وحزب الله في لبنان، ودعم نظام الأسد في سورية، ومساعدة الحوثيين في اليمن. وفي الوقت نفسه، تعمد إيران إلى تسليح الفروع المتعدّدة من قواتها العسكرية والأمنية الضخمة.

كلّ هذه الجهود كلّفتها عشرات المليارات من الدولارات، بيد أن مدخول إيران الذي يعتمد على النفط والغاز آخذٌ في الانخفاض. فالعقوبات الأميركية قد تقلّص حجم الصادرات النفطية الإيرانية إلى حوالى مليون برميل يومياً، ما قد يُفقد إيران أكثر من 32 مليار دولار من مدخولها. إيران، التي تعتزّ بأنها تملك أكبر احتياطيات من الغاز الطبيعي في العالم، تقف عاجزةً عن توفير مايكفي من العرض في السوق المحلّي، بسبب افتقارها إلى التكنولوجيا والاستثمار الأجنبي.

يبدو أن جهود إيران المتواصلة لتوسيع نفوذها في المنطقة تقوّض اقتصادها تماماً. لذا، فطموحاتها الرامية إلى فرض هيمنتها على المنطقة تضمن بقاءها كقوة مُزعجة، إنما قوة من الدرجة الثانية ليس إلا.


 

غارث سميث | كبير المراسلين حول إيران في "فايننشال تايمز" في الفترة بين 2003–2007

تمتعت إيران على مدى آلاف السنين بنفوذ إقليمي، وهذا أمر باقٍ. صحيح أن العقوبات الأميركية قاسية وستقيّد عائدات الحكومة، إلا أنها في الوقت نفسه ستشجّع وتعزز أولئك في طهران الذين يرفعون رايات التبشير بثورة 1979. في هذه الأثناء، وبالمقارنة مع إدارة ترامب، تريد أوروبا إدخال إيران إلى النظام الاقتصاد العالمي وإلى منظومة الترتيبات التعددية، بما في ذلك الحفاظ على الصفقة النووية التي ابرمت العام 2015. كما ان إيران تواصل نسج علاقات مصالح مع تركيا وروسيا والصين وغيرها من الدول.

نفوذ إيران الدولي محدود بسبب الطابع الشيعي للجمهورية الإسلامية التي تقبع بتوتر إلى جانب أغلبيات سنّية في العالمين العربي والإسلامي، هذا على رغم أن خطابها المستند إلى المساواة ودعم المنظمات الفلسطينية يجد صدى في الشرق الأوسط، الأمر الذي يثير قلق الحكام السنّة المُتسلطين. بيد أن المسألة هنا لاعلاقة لها أساساً بالموارد، (إذ أن الانفاق العسكري الإيراني، على سبيل المثال، هو ربما 20 في المئة من إنفاق السعودية ونصف إنفاق دولة الإمارات)، بل هو يتعلّق بالسياسات. وبالتالي، وصف النفوذ الإيراني بأنه "سىء" بطبيعته أو أنه المسؤول عن كل البلايا الإقليمية أمر غير واقعي، وربما يكون أيضاً تعبيراً عن انهزامية ذاتية.