تمكّن رئيس الحكومة سعد الحريري أخيراً من تشكيل حكومة جديدة، بعد تأخير دام تسعة أشهر عُجاف. وأمام التحديات الاقتصادية والسياسية الكبرى التي يواجهها لبنان، يبدو المجتمع الدولي حريصاً على إستكمال لبُنات هذه العملية.

أجرى موقع "ديوان" مقابلة مع مهى يحيَ ، مديرة مركز كارنيغي للشرق الأوسط، لمناقشة التحديات التي تواجه الحكومة الجديدة.

مايكل يونغ: ما مدى الأهمية التي ترتديها عملية تشكيل حكومة جديدة في لبنان؟

مهى يحيَ: الأهمية كبيرة في الواقع. فتشكيل حكومة، وربما أي حكومة، بعد قرابة تسعة أشهر من التأزم الذي تسبّبت به مروحة من التطورات الإقليمية والطموحات الشخصية لبعض السياسيين اللبنانيين، أطلق إحساساً بتفاؤل حذر. إذ مع اقتصاد يتخبط في لجج المتاعب ودين عام يتنامى باستمرار، فإن غياب الحكومة عنى أن الدعم المالي الذي تم التعهّد به للبنان في مؤتمر سيدر في باريس في نيسان ‘إبريل 2018، قد جُمّد. وفي الوقت نفسه، كانت الثقة في المؤسسات العامة والخاصة في البلاد، بما في ذلك المصارف التي هي حجر زاوية الاقتصاد اللبناني، تتعرّض إلى التآخل خلال فترة غياب الحكومة. لكن الآن، ومع تشكيل الحكومة، تنفّس الناس الصعداء وسرى شعور بأن المؤسسات ستُفعّل مجددا، وبأنه بات في الوسع إطلاق بعض المشاريع التي طُرحت في مؤتمر سيدر.

يونغ: جادل البعض بأن هذه الحكومة لن تستطيع العمل، طالما أنها تتكوّن من القوى نفسها التي خيّبت أمل اللبنانيين في السنوات الأخيرة. هل هذا صحيح؟

يحيَ: نعم، صحيح. فحكومات الوفاق الوطني في لبنان أصبحت تعني منْ سيحصل على ماذا، بدلاً من تبنّي مانحتاجه لوضع البلد على سكّة مُستدامة. أضافة إلى ذلك، هناك شخصيات رئيسة في الحكومة الراهنة تمثّل بعض الفصائل السياسية التي لطالما اتُهمت باستغلال المؤسسات والأصول العامة لمراكمة رأس المال السياسي وحصد الأرباح الخاصة. وفي هذا السياق، من الصعب تخيّل إبرام أي اتفاق بين هؤلاء حول العديد من القضايا، ناهيك بالإصلاحات التي قد تقوّض مصالحهم. الأرجح، تبعاً لذلك وكما في الحكومات السابقة، أن يكون هناك حد أدنى من النقاشات حول التحديات الاستراتيجية التي يواجهها لبنان، وحول الإجراءات المتبادلة الضرورية لمواجهتها.

يونغ: هل لنا أن نعرف طبيعة التحديات الرئيسة أمام الحكومة؟

يحيَ: ستكون هي تحديات سياسية واقتصادية. فالنفوذ الإقليمي، خاصة الإيراني منه، والطموحات الشخصية لبعض الوزراء الحاليين، يعنيان أن الاحتمال سيكون ضعيفاً في إمكان الاتفاق على ماهية المصالح الفضلى للبنان، وعلى كيفية حمايتها من النيران الإقليمية المُستعرّة.

أحد هذه التحديات هي الضغوط التي تمارس لتطبيع العلاقات مع سورية، والتي سيجد رئيس الوزراء سعد الحريري صعوبة مطّردة في التغلّب عليها، في غياب إجماع دولي وإقليمي حول سورية. ثم: بات من الصعب الآن طرح حاجز "النأي بالنفس"عن النزاع في حكومة نصف وزرائها يضغطون للسير قدماً في عملية التطبيع، وحيث ثمة وزير واحد على الأقل له علاقة شخصية مع الرئيس السوري بشار الأسد وعائلته. وعلى أي حال، التدهور الذي قد ينبثق من هذه القضية، كان واضحاً تماماً للعيان خلال التحضير للقمة الاقتصادية والاجتماعية التي عُقدت في بيروت في كانون الثاني/يناير الماضي، والتي اقترح خلالها بعض السياسيين إرجاءها إلى حين عودة سورية إلى عضوية الجامعة العربية.

كل هذه الحيثيات تأتي في لحظة لاتزال تلوح في الأفق مخاطر تحوّل لبنان إلى مسرح لنزاع جديد مع إسرائيل. كما تأتي فيما يُتوقع أن يتم توسيع العقوبات ضد إيران وسورية وحزب الله، ما قد يدفع الجميع إلى البحث عن وسائل جديدة لتخفيف الضغط على لبنان.

وعلى الجبهة الاقتصادية، فإن تصاعد وتائر الدين العام، والتضخم المتنامي، والنمو المتباطىء، كل ذلك يتطلّب من الوزراء إيجاد أرضية مشتركة لتنفيذ ولو بعض الإصلاحات المؤلمة. بيد أن هذا لايعني أن الإصلاحات الهيكلية التي يتوقع أن تترافق مع تمويل سيدر ستُطرح بالضرورة على بساط البحث والتنفيذ. فإصلاح قطاع الكهرباء ، على سبيل المثال، المسؤول الآن عن 40 في المئة من العجز المالي، يتطلب اتفاقاَ شاملاً لتنحية الترتيبات المربحة والمجزية التي يقتنصها منها سياسيون بارزون.

أخيرا، ستكون التحديات الأمنية حاضرة كذلك. ووزيرة الداخلية الجديدة ريا الحسن، وهي أول إمرأة تتقلّد مثل هذا المنصب في لبنان والعالم العربي، تتسلّم وزارة تغشاها وتخترقها الأجهزة الأمنية المتنافسة، في وقت يتفاقم فيه فقدان الأمن الإقليمي. الحسن ستحتاج، كي تنجز ما انتُدبت من أجله وما هي قادرة على فعله، إلى دعم كامل من نخبة سياسية موحّدة تكون حريصة على الحفاظ على استقرار البلاد. لكن، يجب أن ننتظر لنر ما إذا كانت هذه النخبة ستوفّر لها بالفعل ما تحتاجه من دعم.