تعيش إدارة ترامب في وهمٍ من صنعها هي. التجلّي الأحدث لهذا الوهم كان مؤتمر ميونخ للأمن الأسبوع الماضي، عندما تحدّث نائب الرئيس الأميركي مايك بنس عن الرئيس دونالد ترامب، مشيراً إلى أنه يعمل من أجل "تعزيز القيادة [الأميركية] للعالم الحر".

كان بنس يتوقّع أن يُقابَل كلامه بالتصفيق، لكن الصمت أطبق على الحضور بعد سماع خطابه المُفتقِد إلى المضمون وشديد المغالاة. فالأوروبيون يتذكّرون كيف دعمَ ترامب "بريكزيت" (خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي). ربما ساهم هذا الخروج في انهيار هيكلية لطالما اعتبرتها الولايات المتحدة حجر زاوية الأمن الأوروبي، وبالتالي "العالم الحر". يستذكرون أيضاً أن قائد العالم الحر يتصرّف وكأنه لم يلتقِ بحاكم سلطوي لم يرُق له – بدءاً من فلاديمير بوتين، ومروراً بكيم جونغ أون وشي جين بينغ، ووصولاً إلى عبد الفتاح السيسي ومحمد بن سلمان في الشرق الأوسط.

إدارة ترامب ستصمد وتمضي بإصرار في مواجهة الازدراء الأوروبي، مُقنِعةً نفسها، في خضم ذلك كلّه، بأنها على صواب فيما الجميع على خطأ. وهذا ضربٌ من الحماقة. فالنفوذ السياسي لايكمن في الغطرسة، بل في إنجاز الأمور بما يتماشى مع الأهداف. وعلى المستوى الدبلوماسي، تجد الولايات المتحدة اليوم صعوبة في الإيحاء بأنها متماسكة. وحتى الدول التي كان ترامب الأكثر إرضاءً لها، مثل إسرائيل والسعودية، تتحوّط في رهاناتها، فتُبقي على خطوط تواصل مفتوحة مع روسيا.

لقد تحوّل الاتفاق النووي مع إيران إلى اختبار يُجسّد هذا المأزق. لاشك أن الاتفاق أثار علامات استفهام كثيرة، ليس أقلّها الدوافع الحقيقية لإدارة أوباما وراء منح إيران الوسائل التي تُتيح لها إنعاش اقتصادها وتمويل أجندتها الإقليمية. غير أنه أخضع المنشآت النووية الإيرانية إلى التفتيش الدولي، ما أسفر عن تجميد البرنامج النووي الإيراني راهناً؛ وعكسَ كذلك إجماعاً حول أن البرنامج النووي قد يُشكّل تهديداً للسلام والأمن الدوليَّين. وهذا ما أكّدته مصادقة مجلس الأمن الدولي على الاتفاق في قراره الرقم 2231.

رحّب منتقدو أوباما بانسحاب ترامب من الاتفاق. لكن يصعب فهم هذا الموقف لأنهم، عبر السعي إلى الحل المثالي عوضاً عن الحل الجيّد، أفسحوا المجال أمام واحد من بديلَين غير مثاليّين على الإطلاق: إما اللجوء الممكن إلى الحرب في حال استأنفت إيران تخصيب اليورانيوم؛ وإما الإظهار المُحتمل للعجز الأميركي في حال حافظت جميع البلدان الأخرى الموقِّعة على الاتفاق، على بنوده.

أظهر أداء بنس في ميونخ، وقبل ذلك في وارسو، حيث فشلت الإدارة الأميركية في حشد الدعم الدولي ضد إيران، أن البيت الأبيض متوجّسٌ من الخيار الثاني. يسهل فهم السبب. فقد اعتمد الأوروبيون آلية خاصة تُخوّلهم الالتفاف على العقوبات الأميركية في تعاملهم التجاري مع إيران. ربما يشتكي الإيرانيون من أن الآلية غير كافية، لأنها تستثني النفط والغاز، لكن غالب الظن أنهم سيتمسّكون بالاتفاق النووي، وقد تغمرهم البهجة لأن واشنطن تبدو في صورة مَن فقدَ السيطرة على حلفائه.

قد يُبدي ترامب والمحيطون به استهجانهم الشديد للغدر الأوروبي، لكنهم الملامون الوحيدون في ذلك. فالرئيس الأميركي الذي يتبنّى السيادة الوطنية على أنها عنصراً أساسياً في نمط تفكيره، يجد صعوبة في تقبُّل السيادة الوطنية للدول الأوروبية. يبدو أن ترامب يعتقد أن استعادة أميركا عظمتها تمرّ عبر حمل أوروبا على القبول بأن بلاده هي الآمر والناهي. وهكذا عندما وجّه بنس تعليماته إلى الأوروبيين، في ميونخ، للانسحاب من الاتفاق النووي، كتب معلّقٌ ألماني في تغريدة لاذعة أن نائب الرئيس الأميركي يعتبر، على مايبدو، أن القيادة الأميركية "تعني بصورة أساسية فرض إملاءات على الدول الأخرى".

ليس المقصود بذلك أن إدارة ترامب مخطئة في جميع المسائل، وليس الهدف تشجيع عداء سطحي للولايات المتحدة يبدو أن الرئيس الأميركي أعاد إحياءه بطريقة سحرية. لو لم يبدُ بنس للمستمعين إلى خطابه على أنه مجرّد فتى مأمور من ترامب، لربما حصد حماسةً أكبر للقيادة الأميركية لدى الحضور في ميونخ. وهنا تجدر الإشارة إلى أن أوروبيين كثراً شعروا بخيبة أمل من باراك أوباما لأنهم اعتبروا أنه لم يتعامل قط بجدّية مع ذلك المفهوم. يريد الأوروبيون أن تُؤدّي الولايات المتحدة دوراً توجيهياً، لكنهم يجدون صعوبة في التوفيق بين رغبتهم هذه وبين رئيسٍ يُفضّل فرض إملاءاته عليهم، فيما يقضي جزءاً كبيراً من وقته في الحط من قدر الاتحاد الأوروبي والقادة الأوروبيين.

سيكون لذلك تأثيرٌ مهم في الشرق الأوسط، فيما تعمل الولايات المتحدة على فك ارتباطها في المنطقة، لكنه ليس خياراً مطروحاً للدول الأوروبية المجاورة. في ذلك السياق، من المُحتّم أن تصبح العلاقات الأوروبية مع روسيا وإيران ذات جوانب أكثر تعدّداً، وربما قائمة على تعاونٍ أكبر، الأمر الذي قد لايروق للأميركيين. فقد خلّفت واشنطن فراغاً تحاول موسكو وطهران ملأه، ولايستطيع الأميركيون ببساطة إخراج هاتين الدولتَين من المنطقة فقط لأنهم يرغبون في ذلك.

قرّر ترامب أن الولايات المتحدة، في تعاملها مع الشرق الأوسط في مرحلة مابعد أميركا، ستكون أكثر اعتماداً بكثير على حلفائها التقليديين في المنطقة، مثل إسرائيل ودول الخليج. قد يكون هذا الموقف مبرَّراً من وجهة نظر أميركية، لكن إن لم تكن الولايات المتحدة نقطة ارتكاز لائتلافٍ من الدول، فسوف يعني ذلك أيضاً مزيداً من التفكك وعدم الاستقرار في المنطقة. وبالتالي، ستجد الولايات المتحدة وأوروبا صعوبة أكبر من أي وقتٍ مضى في تطبيق سياسة إقليمية موحّدة.

لعل ذلك يُعبّر عن التناقض الجوهري في نظرة ترامب إلى العالم. فمن خلال التشديد على السيادة، يعود الرئيس الأميركي حكماً إلى عالمٍ متعدّد الأقطاب حيث يقوم المبدأ الموجِّه للعلاقات الدولية على تقييمٍ حصري من قبل الدول لمصلحتها القومية، من دون التركيز كثيراً على القيَم المشتركة. وفي الوقت نفسه، يتصرّف ترامب وكأن الولايات المتحدة لاتزال تقود مجموعة من الدول الموحَّدة حول مبادئ مشتركة، مثلما كانت عليه الحال خلال الحرب الباردة. فهو يريد أن تتمتع أميركا بحرّية التصرّف، لكنه لايسمح بأن تكون لحلفائه الحرية نفسها، ويشعر بالإساءة عندما يرفضون اتّباع تعليماته.

سوف يتعيّن على الولايات المتحدة، سواء بقيادة ترامب أو خلفه، أن تجد حلاًّ لهذا التناقض. قد يُنزِل ترامب وبنس لعنةً بأوروبا بسبب وقاحتها، لكن جُلّ مايفعله الأوروبيون هو تطبيق قواعد فرضَتْها واشنطن في عهد ترامب. وهذا درسٌ يبدو أن الشرق الأوسط يتعلّمه بسرعة أكبر من الآخرين.