أبصر الدستور الحالي في مصر النور كي يُعدَّل، وفق ما أوضح بعض مهندسيه عندما وضعوه قبل خمسة أعوام. ومن الواضح تماماً أن إحدى أهم سماته، التي تمثّلت بفرض حدود على عدد الولايات الرئاسية ( وهي ممارسةعميقة التجذّر)، أصبحت في مرمى الاستهداف ما أن تسلّم عبد الفتاح السيسي، الذي كان وزيراً للدفاع عند إقرار الوثيقة، سدّة الرئاسة.

مع صعود السيسي، أصبحت الأسئلة الوحيدة المطروحة: متى سيتم تعديل الدستور، وكيف، وما التعديلات الأخرى التي سيُلقى بها في الخلطة نفسها. فقد درجت العادة لدى الأنظمة المصرية على ضم شتّى التعديلات في رزمة واحدة ثم عرضها على الناخبين كي يصوّتوا عليها بـ"نعم" (مع العلم بأن خيار الـ"كلا" موجودٌ تقنياً على أوراق الاقتراع). حتى دستور 2014 نفسه قُدِّم، في الواقع، في صورة تعديلٍ شامل لدستور 2012.

لم توضَع بعد اللمسات الأخيرة على التفاصيل الصغيرة في تعديلات 2019، علماً بأن المسودات الراهنة تتيح إلى حد كبير إجراء تحليلات مفصَّلة ومستنيرة. ماهو على المحك يبدو أكثر بكثير من مجرد خيبة أمل إضافية لمَن أملوا بحدوث تغيير ثوري في العام 2011. كما أنه من شأن التعديلات أن تقطع شوطاً كبيراً نحو نبذ ثورةٍ أخرى وقعت سابقاً في البلاد، وهي "الثورة التصحيحية" للعام 1971.

ظلّ يوم 15 أيار/مايو، تاريخ انطلاق الثورة التصحيحية، عطلة رسمية لفترة طويلة في مصر، ولم يُسقط من روزنامة العطل إلا بعدما دخلت "ثورة" 1971 نفسها طي النسيان. بيد أن ذلك الحدث حمل معه في الواقع إصلاحاً مهماً للطريقة التي كانت مصر تُحكَم بها، فلم يكن انتقالاً من الديكتاتورية إلى الديمقراطية وحسب، بل أيضاً إعادة تشكيل للسلطوية المصرية. تشهد البلاد راهناً إعادة تشكيل جديدة لهذه السلطوية، في إطار عملية تؤدّي إلى نبذ بعض التغييرات التي أُدخِلت في العام 1971.

تطوّرت المنظومة التي بُنيَت بعد إطاحة النظام الملكي في العام 1952 مُفسِحةً في المجال أمام قيام نشاط سياسي مستقل محدود النطاق. وقد اتّسمت هذه المنظومة برئاسةٍ قوية في عهد جمال عبد الناصر حتى العام 1970، وبسيطرة الأجهزة العسكرية والأمنية. هيمن النظام على معظم أجهزة الدولة واستخدم حزباً سياسياً أحادياً، الاتحاد الاشتراكي العربي، وأيديولوجيا الاشتراكية العربية، بمثابة وسيلتَين للسيطرة على الدولة والمجتمع المصريين وتوجيههما.

غير أن التململ الاجتماعي والسياسي والتحديات الأكثر دهماً، تحديداً الخصومات بين المؤسسات الأساسية وكبار الشخصيات في السلطة، أدّت في العام 1971 إلى إعادة تشكيل تدريجية إنما شاملة للنظام والدولة برمتهما. في 15 أيار/مايو، أُقيل خصوم أنور السادات الذي كان رئيساً للبلاد. وفي الأعوام الخمسة عشر اللاحقة، اتُّخِذت خطوات (بدءاً من إقرار دستور جديد في مرحلة لاحقة من العام 1971) لحلّ الاتحاد الاشتراكي العربي، والابتعاد عن العروبة والاشتراكية، والحد من الدور السياسي للمؤسسات الأمنية والعسكرية، التي بقيت نافذة على الرغم من ذلك، والعمل على بناء "دولة المؤسسات".

في المنظومة التي خرجت إلى العلن، حققت قطاعات عدّة من الدولة المصرية الواسعة درجة كبيرة من الحكم الذاتي. صحيح أنها أُبقيَت عموماً تحت العين الساهرة لأشخاص موالين للرئيس، لكنها مُنِحت أيضاً هامش تحرّك كبيراً في شؤونها الداخلية، وسُمِح لها حتى بالضغط من أجل الحصول على أنواع معيّنة من التنازلات – مثل زيادات على الرواتب، أو ضمانات وظيفية، أو السيطرة على المخصصات والموازنات الداخلية. واقترن ذلك مع تحرير سياسي محدود – متفاوت، ومتبدِّل باستمرار، وغالباً ماكانت مفاعيله تُنقَض – فشهدت العقود الأربعة التي انقضت بعد الثورة التصحيحية في مصر ظهور صنفٍ متمايز من أصناف الدولة السلطوية.

تلك الدولة المصرية يُعاد الآن بناؤها وتثبيت مركزيتها، ومن الواضح أن التعديلات الدستورية للعام 2019 تندرج في إطار ذلك المجهود. التأثير على بعض المؤسسات واضحٌ بصورة عامة، حتى لو لم توضَع بعد اللمسات الأخيرة على التفاصيل.فعلى سبيل المثال، سوف يخضع القضاء إلى إشرافٍ أكثر مباشرةً من قبل السلطة التنفيذية. وبغية تحقيق ذلك، تشتمل الإجراءات على القيام بخطوات لافتة تبدو مستندة عن كثب إلى الخطوات التي اتخذها عبد الناصر في العام 1969 ثم تمّت العودة عنها في عهدَي السادات وحسني مبارك بعد العام 1971. وتشمل هذه الإجراءات إنعاش هيئةٍ خاضعة إلى السلطة التنفيذية مهمتها الإشراف على المؤسسات القضائية، ووضع حد للاستقلالية الذاتية التي تتمتع بها المحكمة الدستورية العليا.

لقد أصبحت عودة الجيش لممارسة سيطرة إجمالية على المنظومة السياسية، والدور البارز للأجهزة الأمنية واضحَين إلى حد كبير في الحياة السياسية المصرية. فبعدما كان دستور 2014 قد وضعَ بصورة أساسية الجيش والأجهزة الأمنية خارج المنظومة الدستورية، قد تأتي تعديلات 2019 لتضعهما فوق هذه المنظومة.

إنما من غير المطروح إعادة العمل بصورة كاملة بالمنظومة التي كانت قائمة قبل العام 1971. فنظام السيسي لم يؤسس حزباً سياسياً، ويبدو أنه ينأى بنفسه عن أي أيديولوجيا ماعدا إعادة فرض هيبة الدولة. كما أنه لايسعى إلى تعبئة المصريين. لاتُكتَب تعديلات 2019 وسط هتافات ابتهاج من تدبير النظام وتنسيقه، بل على العكس يُغلّفها صمتٌ مخيف يُطبِق على النقاشات العامة.

والنظام الذي تتبلور معالمه ليس مختلفاً في سلطويته بل في الكيفية التي ينوي تطبيق هذه السلطوية بها. إنه نظامٌ رئاسي، أمني الطابع، يسيطر عليه ضباط أمنيون وعسكريون، مناوئ للسياسة، مركزي، ومناوئ للأيديولوجيا.

في المدى القصير، تعمل هذه المنظومة بنجاح على تثبيت مرتكزاتها. لكن في المدى الأطول، تصعب الإجابة عن السؤال التالي: هل تُخفي هذه المنظومة هشاشةً خلف واجهة صلابتها؟ يتوقّف ذلك جزئياً على ماإذا كانت الجيوب التي تتمتع باستقلالية ذاتية في الدولة – مثل الأزهر – قادرة على صون نفسها، أو مثلاً، ماإذا كان بإمكان القضاء أن يحافظ بنجاح على هويته في وضعية السبات بانتظار الاستنهاض من جديد، مثلما حصل في السبعينيات. لكن كل ذلك يتوقف بصورة أكبر على مدى القدرة على الإبقاء على الهدوء السياسي في مصر، بدعمٍ من غياب التعبئة في المجتمع.