أثارت القمة التي انعقدت هذا الأسبوع بين الاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية، وهي الأولى من نوعها، في شرم الشيخ في مصر، آمالاً بانطلاقة جديدة من التعاون بين المنطقتَين. وجسّدت القمة محاولةً مثيرة للإعجاب يبذلها الاتحاد الأوروبي لتحسين سياسته الشرق أوسطية عبر الانخراط مع المنطقة العربية ككل – وهو أمرٌ تسعى إليه جامعة الدول العربية بإلحاح منذ فترة طويلة. إنما من غير المرجّح أن تظهر شراكةٌ أقوى وأكثر جوهرية بين أوروبا والعالم العربي في أعقاب هذه القمة.

يبدو الاتحاد الأوروبي مهمَّشاً بصورة مطردة من الجهود الهادفة إلى تسوية النزاع السوري، وبالتالي من المعطيات الجيوسياسية الأوسع في المنطقة. وليس واضحاً أن التزام القمة بتوطيد التعاون في السياسة الخارجية ستكون له مساهمة كبيرة في تغيير هذا الوضع. ففيما تتهيّأ الولايات المتحدة للانسحاب من سورية، لاتبدو الحكومات الأوروبية مستعدّة أو قادرة على التقدّم لملء الفراغ. وكانت قمة شرم الشيخ في الواقع محاولة لوقف التباعد الأخير بين أوروبا، من جهة، ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، من جهة أخرى.

شدّد الاتحاد الأوروبي، خلال القمة، على أهمية الهيئات العابرة الإقليمية ووضع استراتيجية تتعاطى مع الشرق الأوسط بصورة متكاملة لا مجزّأة. بيد أن معظم عناصر السياسة التي ينتهجها الاتحاد انكفأت عن الهدف المتمثّل بالعمل على تنفيذ خطط إقليمية كبرى. فمعظم الجوانب العملية لاستراتيجية الاتحاد الأوروبي تُنفَّذ من خلال مايُسمّى بسياسة "الجوار" والاتحاد من أجل المتوسط اللذين فصلا المغرب والمشرق العربيَّين عن باقي أجزاء المنطقة.

فضلاً عن ذلك، ركّز الاتحاد الأوروبي بصورة مطّردة على العلاقات مع الدول على حدة، مع تعمُّق التشظي الجيوسياسي الإقليمي في مختلف أرجاء الشرق الأوسط. الآن، يُركّز الاتحاد الأوروبي على دول عربية معيّنة، وعلى مسائل في السياسات، مثل ضبط الهجرة والتعاون الأمني، بما يتماشى مع مصالحه الأكثر إلحاحاً. لقد احتفل الاتحاد من أجل المتوسط بالذكرى العاشرة لتأسيسه في أواخر العام 2018، وقطع وعداً بإعادة إحياء طابعه السياسي. لكنه تحوّل في الواقع إلى أداة متواضعة للمشاريع الإنمائية عبر المتوسط، مثل التجارة البحرية، والطاقة القابلة للتجديد، والتدريب المهني. جميعها مفيدة وقيّمة، لكنها لاترقى إلى المستوى نفسه كما المقاربات الجيوسياسية لكل من روسيا أو الولايات المتحدة أو تركيا.

يسود انطباعٌ أن علاقات الاتحاد الأوروبي مع الدول العربية تراجعت في الأعوام الأخيرة. على سبيل المثال، قطعت بلدانٌ عدّة منضوية في الشراكة الشرقية للاتحاد الأوروبي، أشواطاً متقدّمة في تطبيق اتفاقات بعيدة المدى في مجال التجارة الحرة، حتى إنها تضغط لتنفيذ خطوات مقبلة ممكنة مثل الانضمام إلى المنطقة الاقتصادية الأوروبية. على النقيض، تراجعت آفاق تحقيق اندماج عميق أو "وحدة قيَم" ذات جدوى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وحلّت مكانها مقاربة أكثر محدودية تستند بصورة أكبر إلى الصفقات للتعاون مع الاتحاد الأوروبي.

يصعب أن نرى كيف يمكن أن تساهم نتائج القمة في إحداث تغيير كبير في هذه المعطيات. ففي حين تحدّثَ القادة في القمة عن الشراكة على قدم من المساواة والأولويات المشتركة بين المنطقتَين، يؤدّي تركيز الاتحاد الأوروبي الشديد على الهجرة، في الممارسة، إلى وضع تعقيدات أمام التعاون الأوسع نطاقاً. تشتكي الأنظمة العربية باطراد من أن الاتحاد الأوروبي لايتعامل معها من منطلق أنها شريكة جيوسياسية له، بل يكتفي ببساطة بعرض المال عليها لإبعاد المهاجرين عن الشواطئ الأوروبية. وتتسبّب طريقة تعاطي الاتحاد الأوروبي مع قضية الهجرة بتقويض الخطاب الذي ورد في القمة عن شراكة جديدة ومتوازنة بين أوروبا والعالم العربي في التحديات الأمنية السياسية الكبرى والمشتركة.

وليس واضحاً أيضاً كيف يمكن أن تجد القمة ووما سيليها مكاناً في الأحجية المعقّدة للمبادرات الدبلوماسية الأخرى. ويبدو، على وجه التحديد، أن القمة تحجز لنفسها مقعداً غير مريح إلى جانب القمة العالمية عن الشرق الأوسط التي انعقدت بقيادة الولايات المتحدة في بولندا في وقت سابق من الشهر الجاري، والتي اندرجت في إطار الجهود التي تبذلها واشنطن لتشكيل تحالف إقليمي ضد إيران. وبغية تحقيق هذا الهدف، عملت الولايات المتحدة على تطوير تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي، عبر عرض الدعم الأمني على الأنظمة العربية السنّية. مما لاشك فيه أن المقاربة المعروفة التي يعتمدها الاتحاد الأوروبي تستند بصورة أكبر إلى الحوار مع إيران، وخصوصاً إلى مواصلة العمل بالاتفاق النووي مع النظام الإيراني.  بيد أن القمة لم تتطرق القمة بوضوح إلى سبل دمج هذه المسألة التي تُعتبَر أولويةً للاتحاد الأوروبي مع هدف  بناء شراكة أعمق مع جامعة الدول العربية بما يمنح هذه الأخيرة دوراً فعلياً في تحديد جدول الأعمال.

قد يقرر الاتحاد الأوروبي أن بصمته المتمايزة في المنطقة تتمثّل بعدم حصر تعاونه مع الحكومات فقط، بل جَعل هذا التعاون يمتد أيضاً إلى الأفرقاء المدنيين الذين قادوا الربيع العربي. لقد تراجعت الولايات المتحدة عن دعم إصلاحات الحوكمة، وتعمل روسيا علناً لمنع الاختراقات الديمقراطية. وتُظهر استطلاعات الرأي أن معظم العرب لازالوا يريدون حكومات أكثر خضوعاً إلى المساءلة، على الرغم من فشل الثورات العربية قبل ثمانية أعوام في دفع عجلة الديمقراطية نحو الأمام في الشرق الأوسط. بيد أن الاتحاد الأوروبي تخلى عن التركيز على الديمقراطية وحقوق الإنسان، واتّجه نحو مقاربة أكثر عمليةً قائمة على السياسة الواقعية.

والقمة مع الجامعة العربية، التي استضافتها مصر التي تزداد سلطوية، كانت شاهداً على هذه النزعة. فقد تطرقت إلى مسألتَي الأمن والهجرة، لكنها تركت جانباً القضايا الحسّاسة للإصلاح السياسي. إنه أمرٌ مؤسف للغاية بالنسبة إلى عدد كبير من المواطنين العرب الذين يتطلعون إلى الاتحاد الأوروبي للحصول على الدعم، وبحثاً عن نوع مختلف من النفوذ الدولي لإرساء ثقل موازِن في مقابل الولايات المتحدة وروسيا والصين.

يُقحِم ذلك كله الاتحاد الأوروبي في حالة من الالتباس المحرج، فهو لايُقدّم للعالم العربي نفوذاً حقيقياً متمحوراً حول الشعب، كما أنه عاجز عن التنافس مع النفوذ الجيوسياسي الصلب للولايات المتحدة وروسيا. على الرغم من كل الكلام الكبير الذي قيل في شرم الشيخ، لن تتمكّن على الأرجح القمة وما سيليها،  من تصويب مسار الانحراف السلبي في العلاقات بين المنطقتَين.