أمل بوبكر | باحثة في the Ecole des Hautes Etudes en Sciences Sociales، كلية الدراسات المتقدمة في العلوم الاجتماعية، باريس

الأمر لايتعلق ببوتفليقة، بل بالجزائريين. إذ أن احتجاجاتهم لم تظهر كصاعقة في سماء صافية في سياق ثورة ضد الرجل القوي الذي كانوا يخشون. إنهم بالأحرى يقومون بجهد جماعي لاستعادة السيطرة على الحياة السياسية التي أُقصُوا منها منذ العام 1962. هذا الإعلان عن الاستقلال السياسي يهدف إلى التخلّص من الخيارات الإصطناعية التي فرضها النظام على الجزائريين لشل مطالبهم في التغيير؛ وهي (الخيارات) تشمل أن يكونوا مع أو ضد "استقرار" بلادهم، وأن يقبلوا فتات الريع النفطي بدلاً من العدالة الاجتماعية، وكذلك أن يقبلوا مفاوضات لاسياسية لمنع نشوب "حرب أهلية"، وانتخابات صورية مزوّرة لتجنّب ديكتاتورية عسكرية.

صحيح أن المظاهرات لن تمنع الجيش من توكيد سيطرته على المرحلة الانتقالية المُقبلة، لكنها بعثت وانعشت من جديد شيئاً أساسياً في قلوب الجزائريين: الإيمان بأنه يمكن ثانية أن يكونوا جزءاً من المجتمع السياسي نفسه، وأن يحلموا بدولة ستكون لهم.


 

يحيى هـ. زبير | بروفسور العلاقات الدولية والإدارة الدولية في كلية كيدج للأعمال في فرنسا

نادراً ما ظهر عبد العزيز بوتفليقة العليل منذ العام 2013 علناً، وكانت قدرته على ممارسة الحكم موضع شكوك. وهو يواصل مخاطبة الجزائريين عبر مساعديه المقربين. وبالتالي يشك الجزائريون في ما إذا كانت هذه البيانات له أم لا. وفي الوقت نفسه، لم تعد ظروف الحياة في البلاد أكثر صعوبة وحسب، بل وصل الفساد أيضاً إلى ذرى عالية، وبات انهيار العقد الاجتماعي واضحاً للعيان. بالتالي، حين أعلن في 10 شباط/فبراير أن رئيسهم المعاق سيخوض الانتخابات، بشكل غيرقانوني، وللمرة الخامسة، شعر الجزائريون بطعنة في كرامتهم، وامتعضوا من الإذلال وهم يرون الإعلام الخارجين خاصة في فرنسا، يسخر من رئيسهم، أو (وهنا الأسوأ) يشاهدون أزلامه وهم يعرضون صوره في الاحتفالات بدلاً من وجوده هو شخصياً فيها، أو يقدّمون هذه الصور كهدايا! يدرك الجزائريون أن الأزلام يريدون ولاية خامسة كي يواصلوا نهمهم الافتراسي الضاري، وهم واثقون بأن من شأن ولاية خامسة أن تعني استمرار خضوعهم إلى نظام فاسد. وهذا يوضح أسباب الانتفاضة الجماهيرية الراهنة.


 

رشيد تلمساني | بروفسور في جامعة الجزائر

لم يعد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، الذي ظهر "بشكل خفي" ثماني مرات خلال سبع سنوات، في حالة جسدية وعقلية تمكّنه من الحكم. بدلاً من ذلك، استولت مجموعة غير دستورية يرئسها شقيقه سعيد على عملية صنع القرار. ومنذ إعلان ترشّحه لولاية خامسة، بدأت الجزائر تتفاعل وترد. كما أن الجزائريين في كل أنحاء العالم، بما في ذلك النساء والأطفال، نزلوا إلى الشوارع مطالبين بتغيير النظام بالطرق السلمية. الملايين عارضوا بشكل غير متوقّع ولاية ثانية لسعيد. كما أن الجزائريين، بوصفهم جزءاً من أمة ودولة، يشعرون بالذل بعمق في مجال الشؤون الدولية. والإذلال، كما هو معروف، قوة دافعة للتاريخ، وغالباً ما كان حاسماً أكثر من العوامل الاقتصادية. كفى تعسفاً وجورا. لم يعد الجزائريون خائفين من قمع الدولة. الاحتجاجات المتواصلة تتحدى أيضاً تهديدات رأس الدولة بتحويل الجزائر إلى سورية ثانية. يجب أن يبدّل الخوف موقعه. الجزائريون يريدون منع ولاية خامسة لبوتفليقة، كي تستطيع البلاد استعادة كرامتها، وعزتها الوطنية، ودورها الإقليمي النافذ، كما كانت في الماضي. لقد بدأت مرحلة جديدة من الحركة الاجتماعية في المنطقة.


 

داليا غانم | باحثة مقيمة في مركز كارنيغي للشرق الأوسط

بعد الشعارات التي سمعتْ والمقابلات التي أجريتْ خلال التظاهرات في الجزائر، يمكن أن أقول أن مايزعج الجزائريين أكثر من غيره في هذه الولاية الخامسة هو أن السلطة تعتبرهم "نصف مواطنين" أو نصف بشر". لقد طفح كيل الجزائريين من أن يكون ممثلهم رئيساً سقيماً للغاية وغير قادر على المشي أو مخاطبة الشعب لأكثر من ست سنوات، هذا ناهيك عن العجز عن ممارسة السلطة. ولذا، وبالنسبة إلى ملايين الجزائريين، هذه الولاية الخامسة باطلة، وغير منطقية، ومثيرة للحنق. إنها آخر صفعة على وجوههم، وهم يحتجَون لاستعادة كرامتهم المسروقة. الشعور الآن هو أن عشيرة بوتفليقة وأسياده وأنصاره كانوا يديرون وينهبون البلاد لأكثر من 20 سنة، فكفى. أحد الشعارات المعبّرة كان:"لانريد لا بوتفليقة ولا سعيد"، وهذا الاخير هو شقيق الرئيس الذي يعتبر الكثيرون أنه الشخص الذي يحاول تأليف وتلحين ولاية جديدة كي يفيد هو منها.


 

هواري عدي | بروفسور متقاعد في علم الاجتماع في كلية الدراسات السياسية في ليون، ومؤلف كتاب "القومية العربية الراديكالية والإسلام السياسي( جورجتاون برس، 2017)

مئات آلاف الجزائريين يتظاهرون في الشوارع ضد ترشيح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة. لكن، وإلى جانب كون إرثه موضع شكوك، فإنه مريض ولم يلق خطاباً عاماً طيلة ست سنوات. إنه لايستطيع حضور مؤتمرات دولية مثله مثل باقي رؤساء الدول، ولا يستقبل الموفدين الأجانب. وهذا ما مسّ العزة الوطنية لدى المواطنين وهم يرون رئيسهم معاقاً وغير قادر على النطق.

بالنسبة إلى الرأي العام، المؤسسة العسكرية هي التي اتخذت قرار المضي قدماً في الولاية الخامسة، لتفيد من ضعف الرئيس. إنها بالفعل سمة مميّزة للنظام الجزائري تكون فيها السلطة الرسمية منوطة بالرئيس والحكومة، فيما السلطة الفعلية في يد القيادة العسكرية. الشارع يثور الآن ضد سيطرة العسكر على المؤسسات، لكن من سيربح؟

مستقبل الديمقراطية وحكم القانون هو الآن على المحك في الجزائر.