شكّلت محطات البث ومواقع التواصل الاجتماعي في العالم العربي عاملاً أساسياً في تحويل الانتفاضات التي اندلعت في تونس ومصر في العام 2011 إلى انتفاضات عربية أوسع نطاقاً. لقد أتاحت وسائل الإعلام للعرب في مختلف أنحاء المنطقة النظر إلى الأحداث في البلدَين بأنها جزءٌ من روايتهم الخاصة. وفي مايتعلق بالأعداد الصغيرة نسبياً إنما المؤثِّرة من الشباب المتّصلين بشبكة الإنترنت في المدن، ساهمت مواقع التواصل الاجتماعي في الربط بين الاحتجاجات من خلال هاشتاغات مشتركة ونشر صور وأشرطة فيديو وشعارات ذات وقع قوي. غير أن محطات البث، وعلى رأسها قناة "الجزيرة" الفضائية العربية في قطر، أدّت دوراً أساسياً في نقل هذه السردية الاحتجاجية إلى جمهور واسع.

في الآونة الأخيرة، طالبت احتجاجات حاشدة برحيل الرئيسَين الجزائري والسوداني القابعَين في الحكم منذ فترة طويلة. وقد بدا أن القرار الذي اتخذه الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، يوم الاثنين، بالعزوف عن الترشح لولاية خامسة يعكس نجاح التظاهرات في الجزائر. وفي العامَين الماضيين، اندلعت احتجاجات كبرى أيضاً في تونس والعراق والأردن والمغرب والسودان، إذ تتوافر راهناً الظروف المؤاتية لتطفو مجدّداً على السطح سردية "الانتفاضة العربية". وقد حاول عدد كبير من النشطاء عبر الإنترنت، مرةً أخرى، استنباط روايةٍ مبنيّة على التضامن بين مجتمعات عربية مختلفة. لكن حتى تاريخه، تجنّبت القنوات الفضائية العربية الأساسية إلى حد كبير الإقدام على الخطوة نفسها. فما أسباب ذلك؟

مايجري بالتحديد ليس تجاهلاً من القنوات العربية الكبرى للجزائر والسودان. فالنشرات الإخبارية وكذلك بعض البرامج الحوارية تتناول التطورات الأساسية. وقد عبّرت بعض الشخصيات الإعلامية، على مستوى فردي، عن حماستها عبر الإنترنت. إنما اللافت أن هذه المحطات لم تدخل حالة من التعبئة الشاملة كما حصل في العام 2011، عندما غطّت الاحتجاجات وتعاملت معها باعتبارها التطوّر الأهم في السياسة الإقليمية. اليوم، وبدلاً من الربط بين الاحتجاجات في إطار رواية عربية واحدة، تُظهِرها التغطية الإعلامية، إلى حد كبير، على أنها أحداث وطنية معزولة. ولم تُسجَّل زيادة لافتة في تأطير الأحداث في سياق الربيع العربي سوى خلال الأسبوع المنصرم، بعدما دفعت الاحتجاجات في الجزائر بوتفليقة إلى إعلان عدم ترشحه لولاية جديدة.

لقد أشار عددٌ كبير من النشطاء والمراقبين إلى ضعف الدعم العربي نسبياً لهذه الانتفاضات. وبغية التدقيق في هذا الاستنتاج، استخدمتُ أداةً طوّرها زميلي دين فريلون لمتابعة آخر 3200 تغريدة عبر الحساب الأساسي للمحطتَين الفضائيتين الرئيستين، العربية والجزيرة، على موقع تويتر. فالمحطتان تمثّلان المعسكرَين المتنازعين الأساسيين في السياسة العربية: إذ لطالما رفعت قناة الجزيرة راية الشعبوية العربية، وهي الآن أكثر اصطفافاً من السابق إلى جانب السياسة الخارجية القطرية؛ وقناة العربية هي الناطقة باسم الكتلة السعودية-الإماراتية المضادّة للثورات. تعود التغريدات، التي تتشابه على الأقل مع مضمون البث في كل من المحطتَين، إلى شهر كانون الثاني/يناير وتنتهي قبل الأحداث الدراماتيكية التي شهدتها الجزائر هذا الأسبوع.

نحو 7 في المئة من تغريدات الجزيرة تمحورت حول الجزائر بعد اندلاع الاحتجاجات الأولى في 22 شباط/فبراير؛ وخُصِّصت نسبة 4 في المئة للأحداث في السودان بعد بدء الاحتجاجات هناك. وبلغت نسبة تغريدات العربية عن الجزائر نحو 7 في المئة أيضاً منذ 22 شباط/فبراير، ونسبة التغريدات عن السودان حوالى 3 في المئة. حتى لو كانت الأجندة الإخبارية مكتظّة بالمواضيع والأخبار، تبدو تلك النسب المئوية متدنّية مقارنةً مع أهمية الاحتجاجات واهتمام الرأي العام بها.

دقّقتُ أيضاً بالتغريدات التي أُعيدت مشاركتها حول المواضيع المتعلقة بالجزائر والسودان لقياس اهتمام الجمهور بها. في حالة الجزيرة، بلغت نسبة إعادة مشاركة التغريدات عن الجزائر أكثر بقليل من نصف المعدّل الإجمالي للتغريدات التي أعيدَت مشاركتها، فيما بلغت حصة السودان نحو ضعف المعدّل الإجمالي. وفي حالة العربية، نالت إعادة مشاركة التغريدات عن الجزائر 15 في المئة من إجمالي معدّل التغريدات التي أُعيدت مشاركتها، في حين بلغت حصة السودان 30 في المئة. بعبارة أخرى، وحدها تغريدات الجزيرة التي أُعيدت مشاركتها عن السودان كانت أكثر شعبية من معدل التغريدات التي أُعيدَت مشاركتها.

ربما يُعزى سبب التدنّي النسبي في مستوى الاهتمام إلى الأسلوب المستخدَم في التغطية. فالمحطتان تعاملتا، في الغالب، مع الأحداث في الجزائر والسودان على أنها شؤون محلية، بدلاً من اعتبارها جزءاً من نزعة إقليمية أوسع نطاقاً. وكانت الهاشتاغات المشتركة (حيث يتم الربط بين بلدين أو أكثر في تغريدة واحدة) شبه معدومة. اللافت في هذا الصدد أن تغريدة الجزيرة (حول الجزائر أو السودان) التي نالت الحصة الأكبر من إعادة المشاركة خلال هذه المرحلة، كانت لشريط فيديو جمعَ بين السودان والجزائر، طارحاً السؤال حول ما إذا كانت الأحداث في البلدَين تُنبئ بربيعٍ عربي جديد.

لماذا لاتتبنّى وسائل الإعلام العربية هاتَين الانتفاضتين مثلما فعلت خلال انتفاضات العام 2011؟ بالطبع، للمسألة تفسيراتٌ تتعلق بحسابات العمل الإعلامي. فالأجندة الإخبارية في العالم العربي مكتظّة بالأحداث والمواضيع. والسودان والجزائر بعيدان عن أولويات معظم مشاهدي المحطات الفضائية العربية. إنما يمكن قول الشيء نفسه عن تونس في العام 2011، ناهيك عن أن الاحتجاجات تشكّل عادةً مادّةٌ ممتازة للتلفزيون.

مما لاشك فيه أن السياسة تُحدّد معالم التغطية. ليس باستطاعة كبريات المحطات العربية أن تتجاهل كلياً تطورات سياسية ذات أهمية مثل الاحتجاجات في السودان والجزائر، لكنها تفتقر في هاتَين القضيتين إلى الحوافز القويّة لخوض حملة دعائية شاملة. فالنظام الإقليمي يرزح تحت وطأة القبضة المحكمة التي يفرضها رد الفعل السلطوي المستمر منذ سنوات للحؤول دون اندلاع موجة جديدة من الاحتجاجات العامة. وقد اشتدّت تلك القبضة مع اندلاع الاحتجاجات على نحو متكرر. فجميع الأنظمة العربية تقريباً ينتابها اليوم قلقٌ شديد من نشوب انتفاضة إقليمية جديدة. وهي تتذكّر جيداً أن شرارة الانتفاضة الأولى انطلقت من تونس البعيدة والهامشية. وحتى الاحتمال الأكثر ضآلةً بأن يتكرر الشيء نفسه في حالة الجزائر أو السودان يُثير قلق الأنظمة المسكونة بهاجس الأمن. وهكذا، ترافقَ نجاح الاحتجاجات الجزائرية مع تحذيرات أطلقها قادةٌ على غرار الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، نبّهوا فيها من "أعمال الشغب". وقد صوّرت التعليقات في الخليج الاحتجاجات بأنها مشكلةٌ تعاني منها الجمهوريات العربية، لا الأنظمة الملكية.

قد تشعر القوى العربية بحافزٍ لتشجيع الانتفاضات ضد الأنظمة المعادية، غير أن السودان والجزائر هما دولتان متأرجحتان في الساحة الإقليمية التي تشهد استقطاباً شديداً في الوقت الراهن. لقد حافظت الجزائر على حيادها في النزاع بين قطر والمحور السعودي-الإماراتي. ولم يرَ الطرفان فائدةً في استعداء الجيش الجزائري، أو في دفع الجزائر نحو الجانب الآخر من الانقسام الإقليمي والذي قد يأتي بمثابة رد فعل على أي تغطية مناوئة للنظام الجزائري في وسائلهما الإعلامية. وسوف يحرص الفريقان على ألا يؤدّي التغيير المحتمل في القيادة الجزائرية إلى جرّ البلاد نحو المعسكر الآخر.

بالمثل، تستثمر قطر والسعودية في بقاء الرئيس السوداني عمر البشير، لابل تُبديان حماسةً لبقائه. مؤخراً، أعاد السودان بناء علاقاته مع السعودية عبر النأي بنفسه عن إيران وإرسال جنود للمشاركة في حرب اليمن. في المقابل، سعت السعودية إلى إعادة تأهيل صورة البشير، على الرغم من إصدار المحكمة الجنائية الدولية قراراً اتهامياً بحقه بارتكاب جرائم حرب. غير أن السودان أبقى أيضاً على علاقات جيدة مع قطر. فقد زار البشير الدوحة في كانون الثاني/يناير الماضي، حيث لاقى دعماً عاماً، لكنه لم يحصل على مساعدات اقتصادية جديدة. فقطر تخشى أن يؤدّي أي تغيير رئاسي في السودان إلى اصطفاف البلاد إلى جانب مصر والإمارات، الأمر الذي من شأنه أن يُشكّل انتكاسة استراتيجية للدوحة.

على ضوء العلاقات الملتبسة مع النظامَين السوداني والجزائري، لن تفرض قطر والسعودية على الأرجح تعتيماً إعلامياً كليّاً على تظاهرات البلدين، مثلما قد تفعلان في حال اندلاع تظاهرات ضد حلفاء مقرّبين منهما، إلا أنهما في الوقت نفسه لا يملكان حوافز لتشجيع المظاهرات في البلدين. لكن هذا الوضع قد يتغيّر بعدما نجحت الاحتجاجات في الجزائر بدفع بوتفليقة إلى العدول عن الترشّح لولاية جديدة. عندما يسقط القادة العرب، تجد الفضائيات التلفزيونية، في سياق تغطيتها للأحداث، صعوبةً في تجنّب الإطار العام لـ"الربيع العربي" الذي لايزال يتمتع بوقعٍ قوي. غير أن أسلوبها في التغطية يختلف أثناء سعيها إلى رسم معالم الأنظمة التي ستخلف سابقاتها.