شهدت الأشهر الأخيرة صراعاً شديداً في تونس بين الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي يُعتبَر النقابة العمّالية الأساسية في البلاد، وبين الحكومة. ففي وجه تراجع قيمة الدينار التونسي، وارتفاع كلفة المعيشة، يضغط الاتحاد العام التونسي للشغل من أجل زيادة الرواتب وإنهاء الإجراءات التقشفية التي تعتمدها الحكومة.

لقد تعثّرت المفاوضات بين الجانبَين في مناسبات عدة، ما أدّى إلى تنظيم إضرابَين عامّين تسبّبا بشلّ الاقتصاد. وفي موازاة الحملة التي يشنّها الاتحاد العام التونسي للشغل، اندلعت احتجاجات من تنظيم نقابة الأساتذة التابعة له. وقد بلغ التصعيد بين الأساتذة ووزارة التربية ذروته عندما احتلّ أعضاء من النقابة مقرّ الوزارة.

تتعاظم التشنجات الاجتماعية في مختلف أنحاء البلاد. فقد كان من المقرّر تنظيم إضراب ليومَين في 20 و21 شباط/فبراير، إلا أنه أمكن تجنّبه بعد التوصل إلى تسوية قضت بزيادة الرواتب في مختلف فروع القطاع العام، وإبرام اتفاق منفصل لتلبية مطالب الأساتذة. هذه المواجهة على خلفية ظروف العمل ليست بالأمر الجديد. لكن الاتحاد العام التونسي للشغل، وبعيداً من الصورة التي ظهر بها خلال الحوار الوطني في 2013-2014 كمنقذ الديموقراطية في البلاد، بات يُصوَّر اليوم على أنه تهديد فعلي لعملية الانتقال الديموقراطي في البلاد. لقد تغيّر شيءٌ ما، ويستحق الأمر محاولة فهم أبعاد هذا التحوّل.

لم يحاول الاتحاد العام التونسي للشغل أبداً تنفيذ أجندته الخاصة بمعزل عن السياق الاجتماعي أو الاقتصادي الأوسع، كما أنه لم يُعرّف عن نفسه على أنه المدافع الوحيد عن الديموقراطية في تونس، بل تنقّلَ بين المواجهة والتسوية، سعياً إلى الاضطلاع بالنفوذ الكافي للدفاع عن مصالح أعضائه وتعزيزها. يحاول الاتحاد انتزاع تنازلات اقتصادية واجتماعية من الحكومة عبر المشاركة في النظام السياسي واستخدام نفوذه السياسي لتحقيق تسويات، من دون الخضوع إلى إملاءات حكومية أحادية. ومايحفّز هذه المقاربة هو تاريخ الاتحاد، والقيود الاقتصادية والتنظيمية التي تطبع خياراته خلال مرحلة الانتقال الديمقراطي الراهنة.

يُعَدّ الاتحاد لاعباً سياسياً واجتماعياً أساسياً منذ استقلال تونس في العام 1956. فهو يؤدّي دور المحاوِر للحكومات المتعاقبة حول الشؤون الاجتماعية والاقتصادية. فعلى الرغم من أن الاتحاد تعرّض إلى الاختراق، وأحياناً إلى الاستلحاق، من نظامَي الرئيسَين السابقين الحبيب بورقيبة (1957-1987) وزين العابدين بن علي (1987-2011)، إلا أنه احتفظ بقدر كبير نسبياً من الاستقلالية المالية والسياسية والتنظيمية.

أتاح الحوار الوطني الذي أنقذَ التجربة الديمقراطية التونسية من الانهيار، للاتحاد العام التونسي للشغل أداء دورٍ محوري في المساهمة في تطوّر البلاد، وذلك عبر ممارسة ضغوط، من داخل النظام، على حكومات مابعد العام 2014. والدور الأساسي الذي أدّاه الاتحاد صبّ في مصلحته، إذ أتاح له الحد من قدرة الحكومات على ممارسة الحكم بشكل تعسّفي. ونتيجةً لذلك، غالباً ماسعى السياسيون جاهدين للحصول على دعمه كي يتمكّنوا من البقاء في مناصبهم. في المقابل، دعم الاتحاد العام التونسي للشغل حكومات الوحدة الوطنية التي أُنشئت في إطار وثيقة قرطاج. هذه الوثيقة التي وقّعتها في العام 2016 تسعة أحزاب سياسية، إضافةً إلى الاتحاد العام التونسي للشغل، والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية الذي يُعتبَر الممثّل الأساسي لأصحاب العمل، منحت الاتحاد العام التونسي للشغل الصلاحية اللازمة لنقض السياسات الصادرة عن حكومات ما بعد العام 2016، وضمنت حدوث النقاشات عن التقشّف في إطار من المفاوضات والتسويات.

ثم جاء اتفاق الإقراض الذي أُبرِم مع صندوق النقد الدولي في العام 2016، والذي اشترط إعادة هيكلة القطاع العام، ليُلقي بضغوط على الاتحاد العام التونسي للشغل. لقد كان القطاع العام، تاريخياً، الأكثر انخراطاً في النشاط النقابي، وهكذا كان عليه أن يقبل، عبر المشاركة في الإصلاحات التي يفرضها صندوق النقد الدولي، بإجراءات تتعارض مع مصالح جزءٍ من قاعدته الشعبية. وقد تضمّنت هذه الإجراءات تجميد التوظيف في القطاع العام، وتخفيض الدعم الحكومي للمحروقات، وزيادة أسعار الكهرباء والغاز.

أدّى الدعم الذي قدّمه الاتحاد العام التونسي للشغل للحكومات المتعاقبة بعد العام 2016، ولأجنداتها الإصلاحية إلى حدٍّ ما، إلى مفاقمة التشنّجات مع القطاعات والنقابات العمّالية التابعة له، ما دفعها إلى تنظيم احتجاجات بمعزل عنه. فزادت بذلك حدّة الضغوط على الاتحاد، ما دفعه إلى إعادة النظر في موقفه وإعادة التموضع ضد الإجراءات التقشّفية. كان موقف الاتحاد واضحاً: لا يجوز أن يأتي الحفاظ على الانتقال السياسي في تونس على حساب موظّفي القطاع العام الذين يُشكّلون الجزء الأكبر من قاعدته الشعبية.

تُضاف إلى القيود الاقتصادية الملقاة على كاهل الاتحاد العام التونسي للشغل، القيود المفروضة على قدرته على العمل بحرّية. لقد أنهى الانتقال السياسي في تونس احتكار الاتحاد للحركة النقابية في البلاد عبر نشوء نقابات عمالية جديدة شكّلت تحدّياً لوحدة الاتحاد. وبسبب هذه النقابات المتنافِسة، بات من الأصعب على الاتحاد الحفاظ على مكانته كمحاوِر أساسي للحكومة. فضلاً عن ذلك، احتدمت المنافسة على قيادة الاتحاد العام التونسي للشغل منذ انضمام نحو 200000 عضو إضافي إليه بعد انتفاضة 2010-2011، إذ خيضت منافسة بين الأعضاء الأكثر تشدّداً والأعضاء الأكثر اعتدالاً. وقد ولّد ذلك تنافساً بين القطاعات، الأمر الذي يُهدّد بحدوث انقسام في صفوف الاتحاد.

ساعدت استراتيجية المواجهات والتسويات، حتى تاريخه، في الحفاظ على الوفاق داخل الاتحاد العام التونسي للشغل. غير أن احتفاظ الاتحاد بقدرته على الدفاع عن مصالح قاعدته سيكون رهناً بقوته ووحدته. وغالب الظن أن هذين العنصرَين سيواجهان تهديداً أكبر في حال استفحال الأزمة الاقتصادية في تونس.