إلهان تانير | صحافي مقيم في واشنطن العاصمة، يغطّي السياسات الأميركية والعلاقات الأميركية-التركية لعدد من الصحف الوطنية التركية والمطبوعات الإلكترونية. يشغل منذ العام 2017 منصب مدير تحرير الموقع الإلكتروني "أحوال"

يريد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان شراء صواريخ إس-400 الروسية لتشكّل بصورة أساسية منظومة دفاع جوي ضد الطائرات المعادية، ويُقال إنها ستُنشر في محيط أنقرة. كانت المحاولة الانقلابية في 15 تموز/يوليو 2016 آخر مرة أثارت فيها الطائرات المقاتلة مشكلة لأردوغان. آنذاك، نقلته الطائرة الرئاسية من مدينة مرمريس الساحلية حيث كان يمضي عطلته، إلى اسطنبول. وأُشيع أن طائرته تعرّضت إلى تهديد مقاتلات من طراز إف-16 كان يتحكّم بها مدبّرو الانقلاب، فيما قصفت طائرات أخرى مناطق بالقرب من القصر الرئاسي، ما أسفر عن سقوط العديد من القتلى في صفوف مناصريه. وقد اشتكى أردوغان من أن الغرب لم يساعده تلك الليلة، كما أن حلفاءه المقرّبين، ومسؤولين حكوميين، ووسائل إعلامية موالية له رأت أن المحاولة الانقلابية تحمل بصمات الولايات المتحدة أو الناتو.

هدّدت الولايات المتحدة، وهي الطرف الأهم في حلف الناتو، تركيا بـ"عواقب وخيمة" في حال نفّذت عملية شراء منظومة إس-400. ويمكن توقّع أن يفرض الكونغرس إجراءات قاسية على تركيا، بما في ذلك حظر إرسال مقاتلات إف-35 الخفية الجديدة إليها. وسيتم أيضاً اللجوء إلى قانون مكافحة أعداء الولايات المتحدة من خلال العقوبات. صحيحٌ أنه منذ إنشاء حلف الناتو، لم تنسحب أي دولة من عضويته، لكن ثمة دوماً مرة أولى لكل شيء.

يُعتقد أن منظومة إس-400 ستكلّف تركيا 2.5 مليار دولار، بيد أن الأكلافها الحقيقية ستكون أعلى بكثير على الأرجح، بما في ذلك انسحاب تركيا من الناتو.


 

مارك بييريني | باحث زائر في مركز كارنيغي- أوروبا، بروكسل

الجدل هو في أوجه حول شراء تركيا لمنظومة الدفاع الجوي الروسية من طراز إس-400. فمع تأكيد موسكو تسليم المنظومة إلى أنقرة في العام 2019، وتلويح واشنطن مجدّداً بعواقب وخيمة في حال حدوث ذلك، قد تتحوّل الحرب الكلامية سريعاً إلى أزمة كبرى.

الخلاصة بسيطة: فمع وجود منظومة إس-400 في قلب الدفاع الجوي التركي، سيمسي كامل مخزون الناتو من طائرات إف-16 وإف-35 في دائرة الخطر، لأن روسيا ستتمكن على الأرجح من "قراءة" أداء هذه الطائرات عبر نظام روسي. وهذا أمر يرفضه كلٌّ من الولايات المتحدة والناتو، لأنه ما من طريقة لـ"عزل" الطائرات العسكرية التركية عن رادارات منظومة إس-400.

لننسَ إعلان تركيا أنها تملك "حرية الاختيار" في ما يتعلق بالمشتريات العسكرية، أو ادّعاءها (الذي تنفيه موسكو) بأن روسيا ستكشف لها عن تقنيتها الصاروخية. ما يهم سياسياً هو أنه إذا ما زوّدت موسكو أنقرة بأنظمة رادار من الجيل الأكثر تطوراً، ونشرت عناصر روسية في القوات الجوية وشبكة الدفاع الجوي في تركيا، فسيفقد الناتو بالكامل ثقته في قدرة تركيا على أن تكون طرفاً يُعتدّ به في حال اندلاع أزمة عسكرية. وسيشكّل هذا الأمر إنجازاً كبيراً لروسيا، بيد أنه سيُحدث تغييرات عميقة في سياسة الدفاع الجوي لحلف الناتو.


 

سونر كاغابتاي | مدير برنامج الأبحاث التركية في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى. مؤلّف كتاب بعنوان The New Sultan: Erdogan and the Crisis of Modern Turkey (I.B. Tauris, 2017) (السلطان الجديد: أردوغان وأزمة تركيا الحديثة)

لا أعتقد أن الدول الأعضاء في حلف الناتو ستشكّل بالضرورة جبهة موحّدة في موقفها حيال شراء تركيا منظومة إس-400. فبعض الدول الأعضاء في الناتو هي حليفة لروسيا، مثل هنغاريا؛ وفي إيطاليا مثلاً، تقود البلاد حكومة شعبوية ميّالة إلى روسيا. يُضاف إلى ذلك أن الأسرة الأوروبية الأوسع داخل حلف الناتو غير مصطفّة تماماً إلى جانب الولايات المتحدة راهناً بسبب التفاعل بين سياسات واشنطن من جهة والديناميكيات العابرة للأطلسي من جهة أخرى. لذا، لا أتوقع أن يساند كل الأعضاء الأوروبيين في حلف الناتو واشنطن في معارضة قرار تركيا بشراء منظومة الدفاع الجوي الروسية. بل يُرجّح أن يكون الوضع مختلفاً تماماً عن الجبهة الموحّدة التي شكّلها الناتو في العام 2013، عندما أعربت تركيا عن رغبتها في شراء نظام دفاع صاروخي صيني الصنع.

مع ذلك، قد يُحدث شراء أنقرة لمنظومة إس-400 مضاعفات كارثية على العلاقات الثنائية الأميركية-التركية. إذ بات من المؤكد تقريباً أن واشنطن ستفرض عقوبات على أنقرة في حال نفّذت تركيا قرارها. أعتقد في هذا الصدد أن البيت الأبيض استمدّ بعض الدروس من مقتل خاشقجي: فنظراً إلى أن إدارة ترامب أنقذت ولي العهد محمد بن سلمان نوعاً ما من الغرق في وحول هذه الجريمة، اتّخذ الكونغرس خطوات قوّضت فعلياً أسس العلاقات الأميركية-السعودية. ولتفادي وقوع أمر مماثل، سيُضطر البيت الأبيض إلى فرض عقوبات شرسة على أنقرة، تُضاف إليها العقوبات الخاصة بالكونغرس. أنا كنت عموماً متفائلاً نوعاً ما حيال مستقبل العلاقات الأميركية-التركية، لكنني متشائم بحذر هذه المرة.


 

غالب دالاي | باحث زائر في جامعة أكسفورد، وزميل غير مقيم في مركز بروكنغز الدوحة

لم يعد النقاش حول شراء تركيا لمنظومة الدفاع الجوي الروسية إس-400 يتمحور حول قطاع الدفاع وحسب، بل بات يُنظر إلى هذه الصفقة كمرآة لخيارات تركيا الجيوسياسية الجديدة. على نحو أدق، أنقرة تريد أن يبقى النقاش مقتصراً على حاجاتها الدفاعية والأمنية؛ أما واشنطن في المقابل، فتنظر إلى الصفقة من منظور الاصطفاف الجيوسياسي الجديد لتركيا، بغض النظر عما إذا كان هذا الاصطفاف حقيقياً أم لا. لذا، تحاول تركيا ألا يظهر شراؤها للمنظومة الروسية كمؤشّر على أنها تفضّل توطيد علاقاتها مع روسيا، على حساب روابطها التاريخية والمؤسسية مع الناتو والغرب عموماً. لكن القرار التركي يبدو كذلك بالفعل من منظور الولايات المتحدة والناتو.

التصريحات الأخيرة التي أدلى بها الجنرال كورتيس سكاباروتي، القائد الأعلى للقوات الحليفة في الناتو، ورئيس القيادة الأوروبية للقوات المسلحة الأميركية - ومفادها أن تركيا لا يمكنها أن تملك معاً منظومة صواريخ إس-400 ومقاتلات إف-35 الخفية الأميركية الصنع - تسلّط الضوء على المزاج السائد في دوائر القرار داخل الناتو. يُشار هنا إلى أن هوية مبلّغ الرسالة هي التي منحت التصريح قدراً كبيراً من الأهمية، لا فحوى الرسالة في حدّ ذاتها.

على الرغم من مناشدات وتحذيرات الغرب المتكرّرة، من غير المرجّح أن تتراجع تركيا عن هذه الصفقة، لأن ذلك قد يضرّ بعلاقاتها مع روسيا، ولاسيما في سورية. نحن مُقبلون على أزمة كُبرى جديدة في العلاقات الأميركية-التركية، يُرجّح أن تتمظهر على جبهات عدة:

أولاً، ستتجلّى التداعيات المباشرة على صعيد التعاون الأمني والدفاعي بين تركيا والناتو. ثانياً، ستؤدّي الأزمة إلى مضاعفات جيوسياسية، حيث ستتعمّق الهوة بين تركيا والولايات المتحدة حول مناطق تشهد أزمات كُبرى، كما هي الحال في شمال شرق سورية. ويُرجّح أن يصبح التعاون والتنسيق بينهما أكثر تعقيداً حتى. ثالثاً، يُحتمل أن تفرض واشنطن عقوبات على القطاعَين المالي والدفاعي في تركيا، بما في ذلك وقف تسليم طائرات إف-35 إلى أنقرة. وهذا سيفتح في المقابل مزيداً من النقاشات داخل تركيا وخارجها حول هوية البلاد الجيوسياسية وتوجّهها. وكل هذا سيحدث في وقتٍ يتم فيه تحدّي الافتراضات والمسلّمات السابقة حول الناتو والتحالف عبر الأطلسي، من قِبل الدول الأعضاء في الناتو وخصومها على السواء.