قرار الرئيس دونالد ترامب الأخير الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان، ذكّرني بطرفة قديمة تدور كالتالي: "قررت أن أتزوج من عارضة الأزياء كلوديا شيفر. صمّمت أن أُقدم على هذه الخطوة، وكان والدي ووالدتي موافقين كلياً. والآن، كل ما أحتاجه هو إقناع كلوديا بذلك."

بالمثل، إسرائيل والولايات المتحدة قررتا وحدهما أن مرتفعات الجولان إسرائيلية، وهما قد يفعلا ذلك قريباً حيال أجزاء شاسعة من الضفة الغربية أيضا، لكن، عليهما أن يقنعا بقية العالم بهذا. وهذا أمر لايبدو وارداً في ضوء ردود الفعل الأوّلية في العديد من البلدان. ولنتذكّر هنا أنه بعد أن ضمّت إسرائيل الجولان العام 1981، وصف قرار مجلس الأمن الدولي الرقم 497 هذه الخطوة بالإجماع بأنها "باطلة ولاغية"، وطالب إسرائيل بـ"إبطال ونقض" قرارها. ويوم الإثنين الماضي، أعلن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس أنه يواصل الالتزام بكل قرارات مجلس الأمن حول الجولان.

حشد كلٌ من أنصار هذا القرار ومنتقديه نصوص القانون الدولي، وفي الواقع حتى التاريخ نفسه، للمحاججة بصحة او لاصحة الاعتراف الأميركي بقرار الضم . بيد أن الحقيقة هي أن قرار ترامب يسعى في المقام الأول إلى المضي قدماً في فرض إطار جديد للعلاقات العربية- الإسرائيلية. فإدارته تريد استبدال صيغة "الأرض مقابل السلام"، (التي تعني أنه يتعيّن على إسرائيل الانسحاب من أراض عربية محتلة مقابل السلام مع العرب)، بصيغة تتضمن القبول بالمقولة أن إسرائيل قوية بما فيه الكفاية لترفض تقديم أي تنازل.

وفي هذا السياق، تعتبر جهود إسرائيل لدفع الولايات المتحدة إلى الاعتراف بسيادتها على الجولان، خطوة كبرى نحو دفن "عملية السلام" التي انطلقت في التسعينيات. وهذا يعني أن إسرائيل وداعميها الأميركيين لايحرّكهم حافز التوصّل إلى حصيلة أكثر فعالية في المفاوضات، بل تمزيق فكرة المفاوضات نفسها وبرمتها. إنهم يريدون أن تستخدم إسرائيل تفوّقها العسكري لتفرض واقعاً سياسياً جديداً على الدول العربية.

مثل هذه الذهنية كانت مُتضمنة في الملاحظات التي أدلى بها مدافع أساسي عن قرار ضم الجولان، هو المسؤول السابق في مجلس الأمن القومي الأميركي مايكل دوران. فرداً على سؤال طرحته مدوّنة "ديوان" في تموز/يوليو الماضي، قال: "إن مخاطر إعادة الجولان إلى سورية لاتتعلق فقط بتحالف نظام الأسد مع إيران، بل لأن سورية بطبيعتها ليست كياناً سياسياً مستقرا. ولذا، وحتى لو برز يوماً ما في دمشق نظام موالٍ للولايات المتحدة ومحبذ للإستقرار الإقليمي، فلن نكون قادرين البتة على الرهان على بقائه واستمراره."

ما كان يقصده دوران عملياً هو أن كل مفاوضات السلام مع سورية، أو حتى مع الفلسطينيين الذين يعاينون من حالة لااستقرار مُماثلة، لا معنى لها. بدلاً من ذلك، يتعيّن على إسرائيل ضمان أمنها من خلال الانخراط في عمليات التوسّع الدفاعي. بكلمات أخرى، كي تبقى إسرائيل آمنة حقاً، يجب أن يُسمح لها بالاستيلاء على المزيد من الأراضي العربية. ومثل هذا المنطق يشكّل في الواقع رجع صدى مذهلاً ونسخة طبق الأصل عن الهياج المحموم المُماثل لأعداء إسرائيل من القوميين العرب، الذين كانوا يُدانون آنذاك بكونهم ذهانيين وإيديولوجيين.

مالدينا الآن هو نسخة مُتجددة عن فكرة "الجدار الحديدي" التي كان يدافع عنها المراجِع الصهيوني زئيف جابوتنسكي، الذي جادل في أحد مقالاته العام 1923 بأن الاستيطان اليهودي لفلسطين يجب أن يمضي قدماً خلف "جدار حديدي" من التفوّق العسكري الإسرائيلي الكاسح. وهذا لأن الطريقة الوحيدة التي يمكن أن يوافق بموجبها العرب على الوجود اليهودي في فلسطين،"هي الجدار الحديدي، أي القوة الصلدة في فلسطين التي لاتذعن إلى أي ضغط عربي. بتعابير أخرى، (والكلام لايزال لجابوتنسكي) الوسيلة الوحيدة للوصول إلى اتفاقية في المستقبل، هي التخلي عن كل فكرة تسعى إلى إبرام اتفاقية في المرحلة الراهنة". واليوم، تقوم إسرائيل بتمديد هذا المبدأ ليشمل كل العالم العربي.

والآن، ومع طرحها جانباً الحديث عن المفاوضات حول سلام إقليمي، سيكون هدف القوة العسكرية الإسرائيلية صياغة رد الفعل العربي على إسرائيل بشكل يفيد الإسرائيليين مستقبلا.

بالتأكيد هذا هو التبرير الذي تبنّته إدارة ترامب ونظراؤها الإسرائيليون، وهو يتمثّل بالخطوات التالية: تقويض موقف الفلسطينيين في ما يتعلق بالقدس الشرقية، ووضعيتهم كلاجئين، والاتصالات مع الولايات المتحدة؛ وإقامة علاقات مع الدول العربية للاستدارة على الفلسطينيين وتهميشهم؛ وإلقاء أعباء ثقيلة على كاهل المجتمع الفلسطيني ليصبح أكثر قابلية للانصياع إلى الإملاءات الإسرائيلية. وبهذه الطريقة، في حال تمّ التوصل في نهاية المطاف إلى تسوية مع الفلسطينيين ومعظم الدول العربية، ستكون هذه وفقاً لشروط إسرائيل.

قرار الجولان ليس سوى استكمال لهذا النمط من التنظير. فهو استمرار لخطوات سابقة، مُتضمّناً هذه المرة سورية، بدءاً من الاعتراف الأميركي بالسيادة الإسرائيلية على القدس الشرقية، مروراً بوقف تمويل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين (الأونروا) التي تساعد اللاجئين الفلسطينيين، وكذلك برامج الولايات المتحدة التي تموّل الفلسطينيين، وصولاً إلى إغلاق القنصلية العامة الأميركية في القدس والمكتب التمثيلي لمنظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن العاصمة. وتُظهر أحادية تلك الإجراءات والروح الانتقامية التي تتسم بها، مثلها مثل تداعياتها على المدى الطويل، بأنها لم تكن وليدة ساعتها، بل هي جزء من مقاربة مدروسة بعناية تهدف إلى إعادة رسم معالم أسس العلاقات العربية - الإسرائيلية نفسها.

ثُمّ: يصادف أن هذه الخطوات تتناسب جيداً مع هدف مجموعة من المُشرعين المؤيدين لإسرائيل في الكونغرس الأميركي تُطلق على نفسها اسم "تجمّع نصر إسرائيل في الكونغرس". ويَعتبر هذا التجمّع أنه "حان الوقت للتخلي عن مفاهيم ما بعد الحديثة المتعلقة بالإغناء والعودة إلى المفهوم المُثبت للنصر. ربما حان الوقت كي تنتصر حليفتنا إسرائيل، وحان الوقت لمنح الفلسطينيين فرصة تحسين حياتهم". بعبارة أخرى، يتلخّص الهدف الذي تبنّته إدارة ترامب في إعلان انتصار إسرائيل على الفلسطينيين، والتخلي عن الفكرة بأن صنع السلام يتطلب قيام العرب والإسرائيليين على حدّ السواء بتضحيات متبادلة.

أخيراً، لابدّ من الإشارة إلى أننا على عتبة مرحلة ترفض فيها إسرائيل ببساطة التنازل عن أي أراضٍ مقابل السلام مع الفلسطينيين، أو مع العرب عموماً. لكن على ما يبدو غالباً ما يكون الغموض الدبلوماسي أفضل نهج يمكن اعتماده في معالجة المشاكل المستعصية. بيد أن إسرائيل والولايات المتحدة بإقدامهما على توضيح الأمور، ربما قد ارتكبتا خطأ ستندمان عليه لاحقاً. فإسرائيل ومؤيدوها يوّدون القول إن الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي والنزاع العربي- الإسرائيلي الأوسع لم يعودا يتمتعان بأهمية بالنسبة إلى معظم العرب، بيد أنهم أكّدوا للتو أن العكس هو الصحيح.