شيلا كارابيكو | استاذة العلوم السياسية والدراسات الدولية في جامعة ريتشموند، ومؤلفة كتاب: Civil Society in Yemen: The Political Economy of Activism in Modern Arabia (Cambridge University Press, 1998) ، ومحررة كتاب: Arabia Incognita: Dispatches From Yemen and the Gulf (Just World Books, 2016)

بعد أن اجتاح الحوثيون، بمعيّة خصمهم القديم الرئيس اليمني المعزول علي عبد الله صالح، صنعاء، في العام 2014 ازدادت الرحلات الجوية التي قالت إيران أنها تحمل مساعدات إنسانية. بيد أن هذه الرحلات فجّرت حنق الرياض، التي خشيت من أن تتمكّن طهران من كسب موطىء قدم في شبه الجزيرة العربية، فقصفت مدارج مطار صنعاء. وهذا حدّ من مداخل إيران، ومعها في الواقع كل مداخل الإجانب، إلى معظم أنحاء اليمن.

عدا ذلك، كان لهوس السعوديين بالتدخّل الإيراني، والقصف العشوائي الذي قام به التحالف جنباً إلى جنب مع الحصار القاسي الذي فرضه على مرافىء البحر الأحمر، نتائج عكسية. قبلها، لم يكن الزيديون اليمنيون يتماهون مع الشيعة، والإيرانيون لايزورون اليمن، والعديد من اليمنيين لايزورون إيران. لا بل كانت حتى الاتصالات بين هؤلاء عبر الهاتف والانترنت وغيرهما محدودة، ولاتزال كذلك حتى الآن. لكن، أربع سنوات من القصف والغارات بقيادة السعودية بحجة مكافحة إيران، دفع العديد من اليمنيين إلى اعتبار إيران حليفا.


 

أحمد صلاح هاشم | استاذ مساعد في برنامج الدراسات العسكرية في مؤسسة الدفاع والدراسات الاستراتيجية في كلية راجاراتنام للدراسات الدولية/ سنغافورة

كلا. الاحتواء لم ينجح. وهذا ببساطة لأنه لم يكن يوجد، ولا يوجد الآن، سوى نفوذ إيراني ضئيل في اليمن. لكن، يبدو أنه بات من الضرورات بالنسبة إلى الولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط إنحاء اللائمة على إيران في كل مايحدث في المنطقة. والواقع أن غزو اليمن الذي قام بها التحالف العربي العام 2015 (وهي الخطوة التي نفّذتها السعودية ودولة الإمارات بثقة كبيرة) فاقم النفوذ والوجود الإيرانيّين في ذلك البلد التعيس. لقد جرى تحويل الكثير من الأساطير وأنصاف الحقائق إلى حقيقة مقبولة. بيد ان إيران، لم يكن لها تقليدياً سوى نفوذ أو تأثير ضئيل في اليمن، لأنه بالنسبة إليها ليس لهذا البلد أهمية العراق وسورية ولبنان. ثم أن علاقات طهران مع الحوثيين ليست عميقة، كما أنها ليست إديولوجية ولا فقهية. والقول أن الزيديين الحوثيين شيعة محض خرافة. علاوة على ذلك، لاتدعم إيران الجماعات "الشيعية" فقط خلال ممارستها للسياسة الخارجية والقومية، بل هي تساند أيضاً الجماعات السنّية المتشددة على غرار حماس وطالبان.

في الواقع، الحرب في اليمن، التي شنّت تحت بيارق مروحة من الأسباب ليس أقلها حقيقة الانتصارات الحوثية الجامحة، اسفرت عن تمكين إيران من دعم حرب قليلة التكلفة ضد إثنتين من خصومها الألداء: السعودية ودولة الإمارات. الحوثيون مقاتلون أشداء، وهم اتعبوا السعوديين في الشمال. والإيرانيون، وعلى رغم أنهم لن يحوّلوا اليمن إلى محكِ لأمنهم القومي في المنطقة، لن يتجاهلوا موقع اليمن الاستراتيجي. كما انهم لايعتقدون أن السعوديين والإمارتيين سيفيدون من مغامرتهم هذه، لأن اليمن سيبقى دولة فاشلة تعج بمجموعات كثيفة من الميليشيات والمتطرفين والفصائل الإقليمية المتنافسة والمتصارعة.


 

دينا اسفندياري | زميلة في برنامج الأمن الدولي في مركز بلفر للدراسات العلمية والأمنية. وهي زميلة ايضاً في مركز "سنتشري فاونداشن"

باختصار،لا. لم يتم الاستيعاب. فانخراط إيران في النزاع في اليمن مشروع خفيض الكلفة ومرتفع الفائدة، ويُعتبر وسيلة سهلة لازعاج السعودية خصمها الإقليمي. في بداية النزاع، كان لطهران علاقة محدودة بالحوثيين، الذين لديهم تظلمات حقيقية وشرعية، ومحلية للغاية. مع تقدّم النزاع، ازدادت مساندة إيران للحوثيين، لكنها مع ذلك لم تنشر قوات النخبة في اليمن كما فعلت في العراق وسورية، وهذا لأن هذا البلد ليس أولوية استراتيجية لها. العراق، وبفعل المصالح الاقتصادية والسياسية والدينية والحدود الطويلة بين البلدين، هو الذي يشكّل الأولوية الأولى لطهران. أما سورية ولبنان فتسمحان لها بمد نفوذها حتى البحر المتوسط ويوفران مداخل إلى أتباعها الإقليميين. أكثر من ذلك، استثمرت إيران بكثافة في الحرب في سورية، ولاتستطيع ببساطة الخروج منها من دون قطف ثمار بعض عطايا إعادة البناء في مرحلة مابعد الحرب.

بكلمة، اليمن قضية هامشية بالنسبة إلى إيران. وهي تفيد من الانخراط في معمعتها ببساطة لأن هذا البلد يحظى بأولوية قصوى لدى جيرانها الخليجيين، كما أنه ورقة ضغط سهلة يمكن لطهران استخدامها لإضعاف خصومها الإقليميين. وكلما كثّف التحالف بقيادة السعودية جهوده في اليمن، كلما زادت إيران نفوذها هناك وشعرت بأنها تحقق الظَفَر.


 

ياسيمن فاروق | باحثة زائرة في برنامج كارنيغي للشرق الأوسط

الإحتواء لم يحدث في الواقع. صحيح أن التحالف بقيادة السعودية ربما عقّد الدعم العسكري الإيراني للحوثيين، إلا أن سياسته (التحالف) في اليمن ضخّمت أيضاً النفوذ السياسي الإيراني هناك عبر ثلاثة مستويات: أولاً، لم تستطع السعودية منع نفوذ إيران من التمدد، لأنها محضت الأولوية لتقويض النفوذ الإيراني على حساب معالجة جذور الأزمة اليمنية، الأمر الذي سمحت للحوثيين في المقام الأول بتحقيق الانجازات. ثانيا، ساعد التحالف على تعزيز روابط الحوثيين مع إيران ومع أتباعها من الشيعة العرب، من خلال تشكيل تحالف طائفي وعسكري متين، بدلاً من التحالف الاستراتيجي والسياسي. ثالثا وأخيرا، أدّت المضاعفات الإنسانية للحملة العسكرية، والتي تلاها قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي وما سببّه هذا الحدث من تبعات، إلى تصاعد الإدانات الدولية للسعودية، فيما كانت إيران في وضع مريح بسبب الإبهام الذي يحيط بسياستها في اليمن.

لكن، ومع ذلك، يمكن تخفيف وطأة كل هذه المضاعفات الثلاثة لأن إيران لاتسيطر على الحوثيين. هذا إضافة إلى أن التحالف يمتلك وسائل لممارسة النفوذ أكثر مما لدى إيران. وهو لايزال قادراً على استخدامها.