بدأ الجدل المحيط بشراء تركيا لمنظومة الدفاع الصاروخية الروسية من طراز إس-400 يغلي منذ أشهر وقد يبلغ قريبًا ذروته. وقد تمّ توثيق الجوانب الاستراتيجية والفنية لهذه الخطوة، إلى جانب سياقها الجيوسياسي الإقليمي الأشمل، بشكل مفصّل. لكن ما هي التداعيات العسكرية والسياسية بعيدة المدى التي ستترتب على نشر صواريخ إس-400 الروسية؟

لجأت تركيا إلى حجتين لتبرير شراء المنظومة الصاروخية من روسيا وليس من الولايات المتحدة: أولًا، أشارت إلى أن واشنطن لم تكن مستعدةً لنقل التكنولوجيا إلى تركيا – على رغم أن موسكو نفت أن تتضمن عملية بيع صواريخ إس-400 في طياتها أي نقل للتكنولوجيا. ثانيًا، لاتريد تركيا أن تكون مشترياتها العسكرية مرتبطة حصرًا بشركائها الغربيين.

ثم هناك مسألة مقاتلات إف-35 الخفية التي يُفترض بالولايات المتحدة تزويد تركيا بها. فبالنسبة إلى الأميركيين، تمامًا كالعديد من الدول الأخرى الأعضاء في حلف الناتو التي طلبت شراء هذا الطراز من الطائرات، يُعتبر الحفاظ على سلامة مقاتلات إف-35 جوهرياً، بما أنها ستكون المقاتلات المعيارية التي ستستخدمها هذه الدول لعقود من الزمن. وبالتالي، فإن نفاذ روسيا إلى "التوقيع" الإلكتروني الخاص بها عبر رادارات إس-400 هو ببساطة أمر محظور. فالحجتان المعاكستان اللتان قدمتهما تركيا بأنها ستقوم بتشغيل منظومة إس-400 من دون مساعدة فنية من روسيا (على رغم تأكيد موسكو على إرسال طاقم عمل روسي مع المنظومة) أو بأنها ستقوم باستخدامها بمعزل عن هندستها للدفاع الجوي، غير مقنعتين.

وقد توقّع العديد من المعلقين احتمال أن تلغي تركيا صفقة شراء منظومة إس-400 بعد الانتخابات البلدية التي ستشهدها البلاد في 31 آذار/مارس. لكن ذلك قد يعني أن أنقرة توجّه ضربةً عنيفة لعلاقتها الناشئة مع موسكو. في المقابل، في حال تسليم منظومة إس-400 وتفعيلها، يمكن أن تفرض واشنطن عقوبات عليها – بدءًا بتأخير تسليم مقاتلات إف-35 وصولًا إلى إقصاء تركيا من سلسلة جدولها الإنتاجي. وناهيك عن حالات عدم اليقين هذه، من شأن نشر هذه المنظومة أن يسفر عن انعكاسات عسكرية وسياسية عميقة.

إذا ما افترضنا أنه سيتمّ نشر بطاريات إس-400، تتولى عناصر من القوات الجوية التركية تشغيلها بمساعدة "مدربين" روس في أواخر العام 2019 في قاعدتين غير تابعتين لحلف الناتو، على سبيل المثال أحدها بالقرب من أنقرة، والأخرى في شرق الأناضول، فإن هذا سيبلور لدى القيادة السياسية التركية شعوراً بـ"استقلالية استراتيجية" حديثة العهد، وهي حجة استُخدمت أيضًا لتبرير شراء المنظومة. لكن في الواقع، ستكون تركيا قد دخلت مرحلة "التبعية الاستراتيجية" لروسيا، وستصبح أسيرة للوجود الروسي على أرضها – لجهة المعدات والبرمجيات والعناصر. ولن يساهم تزويد موسكو تركيا بمقاتلات سوخوي-57 الخفية، في حال ألغت واشنطن تسليمها مقاتلات إف-35، سوى في تعميق هذه التبعية.

من بين الأسئلة الافتراضية التي تثيرها تطورات مماثلة، نذكر ما يلي: كيف يمكن لتركيا التضامن مع حلف الناتو، في حال اندلاع أزمة في نهاية المطاف مع روسيا في شرق أوكرانيا أو البلطيق، في وقت تملك فيه صواريخ روسية في قاعدين جويتين؟ كيف يمكنها الإبقاء على نشر أصول مهمة أميركية وخاصة بالناتو في ثلاث قواعد تركية رئيسة – وهي إنجرليك وقونية ومَلَطْية، من بين مرافق أخرى – في وقت تنشر فيه أصول روسية في قواعد أخرى؟

تجدر الملاحظة هنا أن إيران تملك إحدى أكبر مخزونات الصواريخ في الشرق الأوسط. فاثنان من صواريخها الأقوى، شهاب وسجيل، قادران على الوصول إلى أراضي اليونان وإسرائيل وتركيا كافة، ومعظم أراضي بلغاريا ورومانيا، والقواعد العسكرية الغربية جميعها في كريت وقبرص وجيبوتي والخليج. وفي حال اندلاع أزمة حادة مع طهران، هل ستتمكّن تركيا من الوفاء بالتزاماتها تجاه الناتو في وقت تملك فيه صواريخ إس-400 الروسية وتقيم فيه شراكة مع روسيا وإيران في سوريا؟ أما في حال تمّ جرّها فجأة إلى الأزمة، هل ستطلب تركيا مساعدة الناتو أو تستخدم صواريخها الروسية الصنع؟ هل يمكن أن تحتفظ موسكو بـ"صلاحية الفيتو" إزاء استخدام صواريخ إس-400 في ظروف مماثلة؟

للذهاب أبعد من ذلك، هل سترغب الولايات المتحدة في نهاية المطاف بإعادة تنظيم وجودها في قاعدة إنجرليك الجوية، التي تضم أساسًا عشرات الرؤوس الحربية النووية الجاهزة؟ هل ستؤثر إعادة هيكلة أنشطة الناتو في قاعدة عملياته المتقدمة في قونية، حيث تساعد طائرات نظام الإنذار والسيطرة المحمول جوًا - "إي 3 إيواكس" في عمليات التحالف ضد تنظيم الدولة الإسلامية؟ وبشكل عام، هل سيتعيّن على الدول الأعضاء في حلف الناتو إعادة التفكير في دور قواعد العمليات المتقدمة في منطقة المتوسط والشرق الأوسط – سواء في دول الاتحاد الأوروبي على غرار قبرص واليونان وإيطاليا أو في تركيا والدول العربية على غرار الإمارات العربية المتحدة والأردن وقطر – بغية أخذ حالات عدم اليقين الناتجة عن نشر منظومة إس-400 في تركيا في الحسبان؟

في نهاية المطاف، هل ستتلاشى ثقة الناتو بالقيادة العسكرية التركية – المتزعزعة أساسًا بسبب التطهير السياسي منذ محاولة الانقلاب في تموز/يوليو 2016 – بما أن البلاد باتت تعتبر متحالفة استراتيجيًا مع روسيا؟ على أقل تقدير، يجب أن تخضع إجراءات الناتو العملياتية إلى التدقيق. ويعتبر بعض المحللين، على غرار محللي "مركز التقدم الأميركي"، أنه على الناتو استكشاف سبل "تحرير تركيا من بعض الأنشطة التي ترمي إلى مواجهة روسيا، على غرار قوة المهام المشتركة ذات الجاهزية العالية للغاية وبعض ترتيبات مشاركة المعلومات الاستخباراتية". وبشكل عام، هل سيبقي الناتو الجنود الأتراك في العمليات التي ينفذها للتصدي لأنشطة روسيا العسكرية في أرجاء أوروبا؟ بعبارة أخرى، هل ستواصل تركيا المشاركة في أنشطة الناتو؟

في حال حصول ذلك، سيكون لنشر الصواريخ الروسية في صميم شبكة الدفاع الجوي التركية تداعيات تتخطى المجال العسكري. فثقة الغرب بتركيا تزعزعت أساسًا، ليس فقط بسبب شراء الصواريخ إنما على خلفية مواضيع مهمة أخرى تشمل الخلافات بشأن التحالف ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" والتنقيب عن الغاز شرق البحر المتوسط ونقل الغاز الروسي عبر تركيا وتدخل روسيا سياسيًا في السياسة المحلية لدول أوروبية، وهي سردية تركية تصف القادة الغربيين بأنهم "أعداء الإسلام"، إلى جانب الخلافات بشأن الخيارات الاجتماعية في تركيا التي لا تتواءم مع معايير الاتحاد الأوروبي ودول الغرب.

وإذا ما تمّ نشر صواريخ إس-400 في نهاية المطاف، سيصبح ابتعاد تركيا عن الغرب حقيقيًا. وقد يترتب على ذلك تبعات دولية غاية في الأهمية. فناهيك عن التغييرات في سياسات الناتو، قد يشكّل هذا الأمر مكسبًا كبيرًا لاستعراض العضلات الذي تقوم به موسكو في أرجاء أوروبا. كما سيؤكد أنه لا يمكن بعد الآن اعتبار دعم تركيا الاستراتيجي والقائم منذ مدة طويلة للأوروبيين والغربيين أمرًا مسلمًا به.

هذا ويشهد شرق المتوسط والشرق الأوسط تغييرات تكتونية. فقد أعرب الرؤساء الأميركيون المتعاقبون عن تراجع الرغبة في أن تواصل الولايات المتحدة الاضطلاع بدور حافظ السلام في هاتين المنطقتين. بدورهما، أعربت روسيا وإيران عن رغبة قوية في أن تصبحا جهتين فاعلتين عسكريتين ثابتتين في هاتين المنطقتين وخارجهما. ولغاية الآن، كانت تركيا جزءًا من الشبكة الدفاعية الخاصة بحلف شمال الأطلسي في المنطقة لحقبتيْ ما بعد الحرب العالمية الثانية وما بعد الحرب الباردة. غير أن قراراتها العتيدة الخاصة بمنظومة الدفاع الصاروخية ستشكل اختبارًا لسياسة إدارة ترامب الخارجية، ولسياسة الاتحاد الأوروبي الخارجية المتعلقة بالدول المجاورة، والأهم لدول الشرق الأوسط كذلك. إنه تطور لا يستهان به.