قدّم مروان المعشّر، نائب الرئيس للدراسات في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، محاضرة في 9 نيسان/أبريل الحالي في حرم الجامعة الأميركية في بيروت، من تنظيم برنامج جامعة الكبار، حول فترة دراسته فيها. نذكر هنا أن المعشّر عضو في مجلس أمناء الجامعة، وكان سابقاً نائباً لرئيس الحكومة ووزير الخارجية في الأردن. وهو مؤّلف كتاب "اليقظة العربية الثانية والنضال من أجل التعددية" (The Second Arab Awakening and the Battle for Pluralism) (منشورات جامعة ييل، 2015)، وأيضاً "الوسط العربي: وعد الاعتدال" (The Arab Center: The Promise of Moderation) (منشورات جامعة ييل، 2009).ينشر "ديوان" نسخة منقّحة ومختصرة من هذه المحاضرة، مع انتقاء بعض الصور التي عرضها المعشّر على الحضور.

جئت من الأردن إلى الجامعة الأميركية في بيروت كطالب جامعي مبتدىء قبل 47 عاماً. كنت غرّ التفكير ومتشوّق لابتلاع كل شيء تقدّمه هذه المؤسسة العظيمة. كان والدي تخرّج من هذه الجامعة العام 1942، كما أن زوجتي، وأقربائي، وعائلتي المُمتدة، كلهم انتسبوا إليها. أستطيع أن أدّعي بفخر أن روح الجامعة الأميركية في بيروت تسري في عروق عائلتي برمتها.

لاتوفّر الجامعة الأميركية في بيروت مستوى تعليم عالمياً وحسب، بل هي أيضاً تُطوّر قدرة الناس على التعاطي مع تعقيدات الحياة اليومية، وعلى التفوّق والإبداع في كل مايختارون القيام به. الأهم أنها تغرس في نفوس المتخرجين الإحساس بالهدف والالتزام بضرورة خدمة المنطقة. ما تعلّمته في هذه الجامعة، على مستوى الثقافة ونُظُم القيم، أفادني في كل خطوة من خطوات مسيرتي المهنية المتنوّعة، كمهندس، وسفير، ووزير، ومسؤول تنمية، وصحافي، وأكاديمي.

إحدى الأشياء التي تعلّمتها في الجامعة هي مدى قوة وأهمية مبدأ التنوّع. إذ أنني، ذلك الشاب الآتي من بيئة محافظة نسبياً، وجدت نفسي أختلط ليس فقط مع طلاب من لبنان، بل أيضاً من سورية، ومنطقة الخليج، وإيران، وتركيا، وقبرص، والولايات المتحدة، وأوروبا وأماكن أخرى. كلٌ من هؤلاء الزملاء كان يحمل رؤى سياسية ودينية مختلفة. وفي الواقع، شكّل الطلاب الأجانب في أوائل السبعينيات نحو نصف الجسم الطالبي. وعلى رغم أن التوترات السياسية في لبنان آنذاك أسفرت أحياناً عن صدامات عنيفة في حرم الجامعة، إلا أننا تعلُمنا احترام وتقدير الخلفيات المختلفة التي نتحدّر منها، كما تعلّمنا الإنصات إلى وجهات النظر مهما تباينت، ثم توجيه هذا التنوّع السياسي والثقافي والديني نحو مسارات بناءة، حتى ولو إن كانت عملية التثقيف هذه تبلورت بالتدريج وتواصلت بعد حقبة طويلة من تخرّجنا.

تعلّم جيلي، والأجيال التي جاءت قبلي وبعدي، أن الحقائق ليست مُطلقة. إنها نسبية، على عكس الحقائق المُطلقة التي تدارسناها في المدرسة والمجتمع. لقد أدركنا في الجامعة الأميركية في بيروت أن ثمة حاجة إلى التفكير النقدي. أنا درست الهندسة الكهربائية، لكني كنت قادراً، بفضل التزام الجامعة بأنموذج القيم الليبرالية، على متابعة مواد اختيارية في قسم العلوم الإنسانية: الفنون والعلوم الاجتماعية. أنا كشاب، كنت مهتماً للغاية بالدين المسيحي، فاخترت مادة اختيارية عنوانها "تاريخ المسيحية" كان أستاذها كاهن سويسري يدعى جون مونتيغو. في الحصّة الأولى، فاجأنا الكاهن جميعاً حين قال: "إذا كنتم هنا لتتعلّموا المسيحية كإيمان، فأقترح أن تتوقفوا عن متابعة هذا الفصل. أنا هنا لأحدثكم عن تاريخ الدين، وليس في مقدوري مساعدتكم في الجانب الإيماني. هذا أمر شخصي يتعلّق بكلٍ واحد منكم".

هذه الكلمات التي نبس بها كاهن، تركت في نفسي بصمة دائمة، ودفعتني إلى مقاربة كل القضايا من منظور نقدي، علاوة على أنها حفزتني على عدم قبول أي أمر على عواهنه، بل العمل دوماً على طرح الأسئلة، والتحقّق والتدقيق، والبحث عن وجهات نظر مختلفة. ما عدد الجامعات في العالم العربي التي يمكنها أن تزعم بثقة أنها تغرس مثل هذه القواعد في أذهان طلابها؟

درست الهندسة الكهربائية إلى حد كبير بفعل ضغوط من والدَّي وزملاء. وحين أدركت متأخراً أني لا أريد هذه المهنة، اتخذت خطوات متعمّدة وتدريجية لانتهاج مسار مختلف مع الوقت. كانت تجربة القيم الليبرالية التي تلقيتها في الجامعة الأميركية في بيروت هي التي أعدتني للقيام بذلك. كنت في موقع يمكنني من التأقلم مع تبدّل الظروف، لا بل في وسعي أن أُرجع هذا التحوّل في توجهاتي إلى السنة الأولى في الجامعة، حين أخذت فصلين باللغة العربية كان يعلمهما البروفسور نديم نعيمة، الذي لايزال يدرّس في الجامعة الأميركية حتى اليوم. كانت المرة الأولى التي أنفتح فيها على تاريخ للمنطقة يجري تدريسه من منظور نقدي وذهنية فلسفية. لم يُقدَّم تاريخ العالم العربي بوصفه قصة أفراد قادة، وهو الأمر الشائع في مناهجنا المدرسية، بل من خلال أفكار طرحها مفكرون عرب. هنا بالتحديد اكتشفت جذوري، ولغتي، وتاريخي. وبفضل هذا المادة الدراسية، انزرعت في نفسي بذور الرغبة الجامحة لخدمة المنطقة.

لم تكن في يوم ما نوعية هذا التعليم، الذي لايُقارع في أي مكان آخر في العالم العربي، أكثر أهمية لمستقبل المنطقة منها الآن، ليس فقط لتبقى هذه المنطقة على قيد الحياة بل أيضاً لتزدهر. وقد أظهرت الانتفاضات العربية التي بدأت العام 2001 بجلاء فاقع أسباب استحالة استمرار الوضع الراهن. فلعقود عدة، لم تُبد الحكومات العربية أدنى اهتمام بالحوكمة الرشيدة، والمساواة الاجتماعية، والإزدهار الاقتصادي، والمعاملة المتساوية للمواطنين. ولذلك، كان لا بد من أن يتداعى الاستقرار الذي فُرِضَ بالقوة العارية بدل المقبولية والرضى من قِبَل المواطنين. وقد تداعى هذا الاستقرار بالفعل.

لكن احتجاجات الشارع في حد ذاتها لاتقود بالضرورة إلى تحقيق أهداف إدماج الجميع، والديمقراطية، والإزدهار. والعالم العربي أمامه الآن مسار طويل قبل الوصول إلى تحقيق هذه الأهداف؛ مسار يجب أن يشمل وفاقاً جديداً حول عقود اجتماعية جديدة، وبناء مؤسسي حقيقي، وتطوير أنظمة فصل وتوازن، تضمن ألا يتمكّن أي ذراع من أذرع الحكومة من سوء استخدام السلطة والعبث بها، ومن الهيمنة على كل مؤسسات الدولة. مثل هذا المستقبل، الذي قد يبدو كلياً مجرد حلم ليلة صيف هذه الأيام، لن يتم الوصول إليه عبر التفكير الرغائبي. فالاعتدال، وإدماج الجميع، واحترام التعددية، ليست كلها قيم يُولد بها الناس. ونحن في حاجة إلى عقود عدة من العمل الشاق، قبل أن تنزرع مثل هذه القيم في قلوب وعقول أجيال المستقبل.

يكمن في صميم هذا الجهد الحاجة إلى نظام تعليمي جديد. هكذا نظام لايجب أن يركّز على الرياضيات والعلوم وحسب، بل أيضا، وربما أكثر، على المواد التي تخلق ذهنية إنسانوية تحتضن وتحصّن الاعتدال، والإدماج للجميع، واحترام التعددية، على أسس يومية في الحياة. وهذا لايمكن تحقيقه ببساطة من خلال تقديم مناهج تعليمية جديدة فقط، بل أيضاً عبر تبنّي أساليب تعليم مختلفة وأكثر إدماجاً للجميع، وتوفير بيئات مدرسية أكثر انفتاحاً وشمولية للجميع.

لأجيال طويلة، كان الأطفال العرب يُعلّمون أن التعددية مصدر ضعف، وأنه يتعيّن قمع الاختلافات خدمة لأهداف أكبر. هذه الأهداف كانت ترتبط عادة بمصالح النخبة الحاكمة وليس بما هو صالح للمجتمع ككل. كان الأطفال يُلقّنون التعليم الأحادي ذا البعد الواحد، أما التفكير النقدي فلم تكن له أدنى قيمة. كان المعلّمون خارج إطار التساؤل، والكتب خارج إطار أي اعتراض. أما الحقائق فكانت مُطلقة لا نسبية في غالب الأحيان. أجيال برمتها تربّت على أن فكرة الولاء لبلد ما تعني الولاء لحزب، أو نظام، أو قائد، فيما تُعتبر التعددية، والتفكير النقدي، والاختلاف في الرأي، بمثابة خيانة موصوفة.

حين كان الشرق الأوسط يشهد أولى حركات التنوير في القرنين التاسع عشر والعشرين، لعبت الجامعة الأميركية في بيروت دوراً مركزياً في المساعدة على على توفير الإطار الثقافي والفكري وتوجيه القادة المستقبليين في المنطقة. كما واصلت الكليات والأسرة التعليمية فيها التقدّم بثبات نحو الخطوط الأمامية في مجال نشر الأفكار حول عالم عربي أفضل وأكثر تقدما. لاتزال الكلمات التالية ترن في أذني:

"المجتمع التقدمي المتّسق والمتناغم هو ذلك الذي يتمتع فيه كل المواطنين بالفرص المتساوية، ولا يحتكر فرد او جماعة السيطرة على لآخرين بحكم المولد، أو الإرث، أو الجنوسة، أو أي اختلافات مُفترضة أخرى. وهذا لأن كل الأفراد هم في جوهرهم متساوون في مواطنيتهم وإنسانيتهم".

هذه كانت كلمات قسطنطين زريق، المفكر العربي المبرّز وبروفسور مادة التاريخ في الجامعة الأميركية في بيروت. خُطّت هذه الكلمات قبل 57 سنة، حين كان زريق يحث العالم العربي على تبنّي البنى المدنية الحديثة وتحرير نفسه من الهيمنة الأجنبية والمجتمعات الراكدة. كان زريق لايزال يعلّم في الجامعة حين انتسبت إليها، وكانت كريمته الراحلة، إلهام، تدرّسني مادة الفيزياء.

لايجب أن تكون المعركة الكبرى حامية الوطيس في العالم العربي اليوم بين الليبراليين والمحافظين، وبين العلمانيين والدينيين. لايجب أيضاً أن تكون ببساطة معركة ضد الحكم الاستبدادي. إنها أساساً وفي العمق معركة من أجل التعددية، التي يكون فيها لكل إمرء حق انتهاج السلوكيات، ونمط الحياة وتبني الأفكار، بشكل سلمي، ولا يستطيع أي كان فرض آرائه/آرائها أو أنماط حياته/حياتها على الآخرين. من دون الالتزام بهذه التعددية، لن يكون ممكناً تحقيق أهداف الحرية، والكرامة، والعدالة الاجتماعية. وخريج الجامعة الأميركية في بيروت لايجب أبداً أن يشيح بنظره قط عن هذا الهدف، ولايجب أبداً أن يُبخس من قدرته/قدرتها على المساعدة لاستيلاده ودفعه إلى دائرة النور.

إذا ما أرادت المنطقة تسريع عملية التغيير، ستكون في حاجة ماسة للغاية إلى توافر عوامل التغيير. لكنها تفتقد هذه الأيام إلى الشخصيات التي في مقدورها طرح هذه الرؤى، وتوفير القيادة، والإعلاء من شأن القيم الأخلاقية الضرورية لترقية هذه القيم الليبرالية. لم تبرز في المنطقة، لمروحة واسعة من الأسباب، شخصيات مثل نلسون مانديلا، والمهاتما غاندي، أو مارتن لوثر كينغ جونيور. ومع ذلك، لانستطيع أن نبقى مكتوفي الأيدي بانتظار بروز مثل هؤلاء القادة، قبل أن نباشر عملية التغيير من أجل عالم عربي أفضل وأكثر تقدما.

هنا تتجلى الأهمية البالغة للجامعة الأميركية في بيروت. فمُثُلها العليا وخريجيها اليوم يشكّلون مستودعاً جماعياً للقوة الأخلاقية والفكرية التي يمكن ان تساعد على وضع الانتفاضات العربية في سياقها المناسب داخل الإطار الفكري- الثقافي. يمكن للجامعة ان توجّه جيلاً جديداً كي يؤمن بهذه المنطقة، كي يبقى فيها، وكي يوفّر لها المهارات الضرورية التي تمكّنها من الانتقال من مرحلة الاحتجاجات إلى مرحلة بناء الأمة. لقد لعبت الجامعة الاميركية في بيروت هذا الدور بالتحديد خلال الحقبة الليبرالية الأولى من التاريخ المعاصر للعالم العربي. والواقع أني لا أرى سوى حفنة من المؤسسات الأخرى القادرة على لعب هذا الدور(هذا إن وجدت أصلا)، خلال اليقظة العربية الثانية. ليس ثمة سبب يحول دون أن تكون الجامعة الأميركية في بيروت هي في آن مانديلا وغاندي وكينغ معاً.

سنتي الأخيرة كطالب في الجامعة كانت صعبة. ففي العام 1975 اندلعت الحرب الأهلية اللبنانية وخسرنا خلالها أساتذة وزملاء دراسة. رأينا المدينة التي وقعنا أسرى حبهّا تتداعى وتنهار أمام أعيننا مباشرة. كان التدريس يتعطّل باستمرار، ولم يتوافر لنا ماء ساخن سوى مرة في الأسبوع. لابل كان من الصعب أحياناً العثور على كسرة خبز. ثم أن اغتيال عميد كلية الهندسة والعمارة، ريمون غصن وعميد الطلبة روبرت نجيمي في حرم الجامعة في شباط/فبراير 1976، قد خلّف ندوباً داكنة ودائمة في ذهني. وبعدها بشهر، في آذار/مارس، قام العميد في الجيش اللبناني عزيز الأحدب بانقلاب قصير الأجل ضد الرئيس آنذاك سليمان فرنجية، فتعطّلت الدروس ثانية. حينها، وبمعية عدد من الأصدقاء، توجّهنا إلى المطار واستقلينا أول طائرة متوافرة متّجهة إلى دمشق. ومن العاصمة السورية انتقلنا براً إلى عمّان. اعتقدنا آنذاك أن الحرب ستكون لفترة قصيرة تُستأنف بعدها الدراسة. لكن بدلاً من ذلك، لم تتسنّ لي العودة إلى بيروت إلا بعد 26 سنة. لقد سُرقت مني فجأة وبشكل دائم براءة سنواتي في الجامعة الأميركية في بيروت.

في العام 2002، حين عُدت إلى بيروت بصفتي وزيراً للخارجية لحضور القمة العربية فيها، قادني السائق إلى طريق مختلف لم أعتده من مطار بيروت، غير ذلك الذي طرقته العام 1976. هناك الآن طريق سريع، وهو بمثابة تذكرة بأن المدينة التي عرفت تغيّرت كليا. بيد أن هذا الشعور تبدّد حين وصلت إلى الجامعة الأميركية. الجامعة ومحيطها لم يتغيرا كثيراً، وهذا ليس على المستوى المادي فقط. فهي لاتزال تجهد وتجاهد. وعلى رغم الضغوط الهائلة عليها إبان الحرب الأهلية (خطف وقتل طلاب وأساتذة وموظفين، بما في ذلك رئيسها مالكوم كير، وتدمير الكوليج هول) إلا أن الجامعة الأميركية في بيروت، جامعتي، الجامعة التي عرفت، كانت لاتزال منتصبة وشامخة. كان واضحاً أن الجامعة خسرت قسطاً من تنوّعها الطالبي، لكنها لاتزال تُطوّر أجيالاً من القادة والمفكرين النقديين. وحين ولجت بوابة الجامعة اجتاحتني مشاعر السكينة وتلك الخواتيم التي لطالما كنت أبحث عنها بكدّ طيلة تلك السنوات العجاف.

الجامعة الأميركية في بيروت لم تنجُ من أتون الحرب وحسب، بل هي أيضاً أزهّرت وتبرعمت ونمت ووسّعت آفاقها الخاصة وآفاق خريجيها.