ميشيل دنّ هي مديرة برنامج كارنيغي للشرق الأوسط وباحثة أولى فيه. تتركّز أبحاثها على التغييرات السياسية والاقتصادية في البلدان العربية، وخصوصاً في مصر، وعلى السياسة الأميركية في الشرق الأوسط. مؤخراً، نشرت ميشيل دراسة في مؤسسة كارنيغي بالتعاون مع الباحث الأول غير المقيم في كارنيغي عمرو حمزاوي تحت عنوان : "Egypt’s Political Exiles: Going Anywhere but Home."

أجرت "ديوان" مقابلة مع دنّ في أوائل نيسان/أبريل لمناقشة هذه الدراسة واستطلاع المضاعفات الأوسع للظاهرة، خاصة منذ الإنقلاب العسكري في تموز/يوليو 2013.

مايكل يونغ: ما الفكرة الرئيسة في الدراسة التي نشرتها للتو بالاشتراك مع عمرو حمزاوي؟

ميشيل دنّ: الفكرة الرئيسة هي أن ثمة موجة ضخمة من المنفيين السياسيين من مصر برزت منذ انتفاضة أوائل 2011، وإلى درجة أكبر منذ الانقلاب العسكري في تموز/يوليو 2013. بالطبع، من الصعب جمع معلومات شاملة عن أولئك الذين غادروا لأسباب سياسية (على غرار الملاحقة القانونية المُسيّسة أو إجراءات خارج نطاق القانون كالتهديدات أو المضايقات)، وليس لدواعٍ اقتصادية. ومع ذلك، في وسع أي كان على صلة مُنتظمة مع المصريين أن يرى مايحدث. ونحن قادرون على طرح أمثلة توضيحية تثبت ذلك، مثل الارتفاع الشاهق والمفاجىء في طلبات اللجوء السياسي وتأشيرات الهجرة إلى بلدان معينة.

يونغ: ما التماثل أو التباين بين الموجة الحالية من المنفيين وبين موجات المنفيين المصريين سابقاً؟

دنّ: يبدو أن الموجة الجديدة أكثر كثافة عدديا، وهي تضم شباباً وفئات متنوّعة سياسياً وأيضاً اجتماعيا- اقتصاديا حين تقارن بالموجات السابقة التي حدثت بين الخمسينيات والسبعينيات. وهذا يمكن أن يعود إلى الحقيقة بأن القمع السياسي الذي يمارسه النظام المصري الراهن لايقتصر على مجموعة سياسية واحدة بعينها أو مجموعتين، بل يمتد ليطال العديد من الفئات السياسية والاجتماعية.

يونغ: لكن، من عدا عناصر جماعة الإخوان المسلمين يُغادر مصر؟

دنّ: نستطيع أن نعاين ثلاث موجات متداخلة من المصريين الذين يغادورن نحو المنفى الطوعي أو الإجباري. ففي الفترة بين 2011 و2013، غادرت إلى المنفى مجموعة صغيرة من رجال الأعمال الأغنياء المرتبطين بنظام مبارك السابق، تلتها أعداد كبيرة من المسيحيين الأقباط الذين تخوّفوا من الصعود السياسي للإسلاميين. وبعد الانقلاب العسكري العام 2013، غادرت أعداد ضخمة من أعضاء جماعة الإخوان وأنصارها وإسلاميون آخرون البلاد. هذه المجموعات بدت متنوّعة للغاية من حيث السن والوضعية الاجتماعية- الاقتصادية. وبدءاً من العام 2014 فصاعداً، بدأ ناشطون سياسيون علمانيون، ومدافعون عن حقوق الإنسان، ومثقفون، وصحافيون، وفنانون، يغادرون مصر زرافات ووحدانا مع تفاقم القمع ضدهم. وهذا لايزال يحدث الآن وعلى قدم وساق ، كما يمكن من نرى من خلال خروج شخصيات بارزة كالممثلَين خالد أبو النجا وعمرو واكد.

يونغ: هل تفرض مثل هذه الظاهرة مخاطر بعيدة المدى على مصر، أم أنها لن تسفر سوى عن تعزيز نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي؟

دنّ: أولاً، هناك حتماً مخاطر على مصر في مجال نزف الأدمغة والكفاءات، إذ لايقتصر الأمر على مغادرة شخصيات معروفة وأخرى بارزة سابقا في العديد من الحقول، بل ثمة أيضاً العديد من الفئات التي تعتبر أن بيئة مابعد الانقلاب لم تعد ملائمة، وستخرج حين تسنح لها الفرصة. مصر تعاني حالياً من جسم أكاديمي ومجتمع مدني مُفقرين وبيئة إعلامية مُغلقة، كما كان الأمر قبل 15 إلى 20 سنة. وهذا لايوفّر للبلاد سوى قلة من الكفاءات التي يجب أن تعالج القضايا الاقتصادية والاجتماعية الخطيرة. ثانيا، بعض المنفيين نشطون في مجال الأعلام وحقوق الإنسان، وهذا يفرض تحديات على النظام، فيما هو يحاول التفرّد بسرديته التبريرية داخل البلاد وأمام الأسرة الدولية.

ما لم يفعله المنفيون حتى الآن هو إطلاق أي نوع من المعارضة السياسية الجديّة، وهذا لأنهم يعانون من حالة الاستقطاب نفسها كما باقي المصريين في داخل البلاد، ويفتقدون إلى الثقة المتبادلة. وعلينا أن ننتظر الآن لنرى ما إذا كان هذا الوضع سيتغيّر أم لا. وعلى أي حال، تُظهر التعديلات الدستورية التي يجري إقرارها الآن، والتي ستُعزز سلطة الجيش وتسمح للسيسي بالبقاء في سدة الحكم حتى العام 2034 على الأقل، أن فرص وأقنية العمل السياسي تُغلق كلياً هذه الأيام. وهذا ما قد يدفع قدماً احتمال بروز نشاط سياسي مصري أكبر في المنفى.