عماد الدين بادي | باحث غير مقيم في معهد الشرق الأوسط في واشنطن العاصمة

في أحسن الأحوال، سيكون خليفة حفتر نسخة بائسة من معمر القذافي، ولفترة قصيرة من الزمن. وفي حين أنه ربما يسعى إلى استنساخ نظام دولة القذافي التي يتولى تحريك دفّتها فرد واحد، إلا أن الافتراض بأنه قادر على إرساء مستوى الاستقرار نفسه (هذا إن تمكّن من تحقيق أي استقرار على الإطلاق)، لايبدو ممكناً. في الواقع، بينما تمّت إطاحة القذافي بعد 42 عاماً من حكمه الصارم على ليبيا، كانت محاولات حفتر لتعزيز سلطته خلال السنوات القليلة الماضية أساساً محط اعتراض شديد، على رغم وجود دعم أجنبي كبير.

تتمثّل إحدى الأمثلة على ذلك في التعبئة واسعة النطاق ضد استيلاء حفتر على طرابلس. وفي حين لايمكن النظر إلى النزاع الراهن على أنه معركة ضد الحكم السلطوي حصراً ، إلا أنه يبيّن أن رؤية حفتر لـ"قذافية جديدة" في ليبيا تُعتبر تهديداً وجودياً. وبالتالي، فرضية أن حفتر قد يعيد ببساطة ليبيا إلى الحكم السلطوي، مع حفاظه على تماسك المجتمع، ليس سوى تصوّر مخطئ.


 

إلهام السعودي | مدير منظمة "محامون من أجل العدالة" في ليبيا، لندن وطرابلس

هل لذلك أي أهمية؟ التفكير في مستقبل ليبيا من منظور معمر القذافي يجازف بإغفال التهديد الذي يواجهه هذا البلد. فبدلاً من التمعّن في قصة القذافي، يجب أن نركّز على قصة حفتر: إذ خلال العقود الخمسة التي قضاها في المشهد السياسي – بدءاً من دوره في ثورة العام 1969 مروراً بدوره في الحرب في تشاد وصولاً إلى عودته إلى ليبيا في العام 2011 ثم مرة أخرى في العام 2014 – ما بقي متسقاً هو عدم احترامه لسيادة القانون، والبحث عن حلول عسكرية لمعالجة المشاكل السياسية.

قوات حفتر متورّطة في جرائم حرب، بما فيها استهداف المدنيين وعمليات القتل خارج نطاق القانون. نذكر هنا، على سبيل المثال، أحد أعضاء قواته، محمود الورفلي، الذي أصدرت المحكمة الجنائية الدولية بحقه مذكرتيْ اعتقال. باختصار، ماتحتاجه ليبيا بشدّة اليوم هو إرساء حكم القانون والقضاء على ثقافة الإفلات من العقاب المتفشّية في جميع أنحاء البلاد.

فهل يمتلك حفتر القدرة؟ يأمل العديد من مؤيديه ذلك. كما أن أفعاله – أي القيود المفروضة على حرية التعبير والقمع المُمارس ضدّ المجتمع المدني - وكذلك تصريحاته، تشي بأنه يطمح أن يكون القذافي الجديد. بيد أن سردية الرجل القوي الذي ينقذ البلاد ويوحّدها، لاتتلاءم سوى مع الأهداف قصيرة الأمد لبعض الجهات الفاعلة الدولية، لكنها لن تؤدي إلى تأسيس دولة مستقرة حقاً تقوم على قواعد سيادة القانون.


 

أرتورو فارفيلي | زميل أبحاث بارز في المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية، ورئيس مشارك لمركز الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المعهد نفسه

كلا، لا يستطيع خليفة حفتر أن يكون قذافي جديد، فقصصهما مختلفة في أزمنة مختلفة، فضلاً عن وجود دعم شعبي مختلف لكل منهما. حفتر كان يهدف إلى الاستيلاء على طرابلس بسرعة، من خلال حثّ بعض الميليشيات المحلية على تغيير الجهة التي تدعمها. كان يسعى إلى الفوز بدعم السكان، لكنه أصيب بخيبة أمل هناك. والآن، يبدو أنه بالكاد يستطيع التراجع، لأن ذلك سيكون بمثابة انتكاسة سياسية كبيرة. من ناحية أخرى، ربما يواجه حفتر معركة أطول أمداً، وسيكون دعم أو وساطة الأطراف الدولية الراعية له حاسماً. كما ستتواصل الحملات الدعائية التي تصوّر حفتر على أنه "محرّر" يقاتل الإرهابيين، لكنه أشبه بأمراء الحرب الذين لديهم مؤيدين دوليين أقوياء. وفي حال بقيت ردود فعل المجتمع الدولي على حملاته خجولة، كما هي حتى الآن، قد يجد حفتر الطريق أمامه معبّداً لمواصلة خطواته العسكرية، ربما بمزيد من التعنّت والعنف.

لا بدّ أخيراً من الإشارة إلى اعتبار أخير وهو أن حفتر يبلغ من العمر 75 عاماً (معمر القذافي كان يبلغ 27 عاماً فقط عند قيامه بالانقلاب العسكري)، كما أنه أمضى فترة في مستشفى في باريس قبل عام. ولايبدو أنه في أحسن حالاته الصحية. وحتى لو بدا أنه قادر على الاستيلاء على طرابلس قريباً، وإحكام قبضته على السلطة في ليبيا وسط غياب المؤسسات الحكومية، وإذا ما افترضنا أنه قادر على إرساء بعض الاستقرار، لا بدّ من التساؤل هنا إلى متى قد يدوم هذا الاستقرار؟


 

فريدريك ويري | باحث أول في برنامج الشرق الأوسط في مؤسّسة كارنيغي للسلام الدولي، ومؤلّف كتاب The Burning Shores: Inside the Battle for the New Libya (Farrar, Straus and Giroux, 2018)

قد تكون تطلعات خليفة حفتر لتولي الحكم في ليبيا قد حظيت بزخم رمزي، بعد أن اتصل به الرئيس دونالد ترامب في 15 نيسان/أبريل، وأيّد بشكل فعّال هجومه ضد الحكومة المعترف بها دولياً في طرابلس. مع ذلك، قد لايُترجم ذلك إلى نوع من الفوائد الملموسة التي توقّعها حفتر. ومع توسّع خطوط إمدادهم، اصطدمت قوات حفتر بالمقاومة. وعمدت مختلف الفصائل في طرابلس، التي ربما رحّبت به ذات مرة في صفقة لتقاسم السلطة، إلى توحيد قواها الآن لمحاربته.

كانت المساعدات التي حظي بها حفتر، في معاركه الماضية في شرق ووسط ليبيا، من فرنسا والإمارات العربية المتحدة ومصر – على شكل غارات جوية دقيقة ودعم استخباراتي - حاسمة لتحقيق إنجازاته على أرض المعركة. ويأتي تصريح ترامب ليسهّل على هذه الدول، خاصةً الإمارات ومصر، التدخّل مرة أخرى. بيد أن هذه المساعدات حتى قد لاتكون كافية للتغلّب على المعارضة المسلّحة التي يواجهها أو لتجاوز العوامل الديموغرافية في غرب ليبيا التي تمنعه من فرض سيطرة دائمة. وإذا تمكّن إلى حد ما من تسنّم السلطة، سيواجه تمرداً طويل الأمد.