لاتحظى خطة الرئيس دونالد ترامب للسلام الفلسطيني- الإسرائيلي سوى بحفنة ضئيلة من المؤمنين بها، ولاتتضمن أيضاً إلا حفنة ضئيلة أخرى من المضمون حتى الآن. ولذا، غريب حقاً أن تثير الخطة هذا القدر الهائل من التعليقات، فيما الإجماع الوحيد حولها يتمحور حول الفكرة بأن الولايات المتحدة على وشك التخلّي عن حل الدولتين، الذي يحتضنه المجتمع الدولي كجزء من أي عملية سلام.

صحيح أن مقاربة ترامب جذرية وربما تكون لها مضاعفات بعيدة المدى، إلا أن الفهم الذي بدأ يبزغ حيال طبيعتها لايذهب بعيداً بما فيه الكفاية. لماذا؟ لأن مثل هذا الفهم يسيء التعبير عن التاريخ. إذ أن القادة الأميركيين والإسرائيليين لم يبدأوا بالحديث عن دولتين، إلا بعد أن تعرّضت عملية السلام في التسعينيات إلى تحديات العنف الذي أطلقته الانتفاضة الثانية، بعد اندلاعها في أيلول/سبتمبر العام 2000. وحين أقَدَمَ هؤلاء القادة على ذلك، استمر قبولهم اللفظي لحل الدولتين بعد فترة طويلة من تبدّد أسس إمكانية تحقيقه. وبالتالي، وعلى رغم أن جعل صيغة الحل هذه أقل محورية للتسوية يُعتبر تحوّلاً دبلوماسياً ضخما، إلا أن كبار المسؤولين في إدارة ترامب أوضحوا أن ذلك مجرد اعتراف بأمر واقع.

ما يُثير في مقاربة ترامب ليس لاأدريتها إزاء حل الدولتين بل، وهذا الأهم، في القرارات الأميركية الأخيرة التي تعمّق الترتيبات نفسها التي كان يُفترض أن تتغلّب عليها محادثات السلام في الماضي.

هنا، ثمة ثلاثة عناصر أساسية وأكثر راديكالية قيد العمل في سلوكيات الإدارة: أولاً، رفض التعاطي مع الفلسطينيين كجماعة قومية، وتمنّع أكبر عن التعامل مع معظم الفلسطينيين إلا من كان منهم من سكان مناطق في الضفة وغزة. ثانيا، الرفض الضمني للفكرة بأن هناك أي نزاع إسرائيلي – فلسطيني على الإطلاق. وثالثا، بذل الجهود لمنع بروز خيارات أمام القادة الأميركيين مستقبلاً، وربما أيضاً أمام القادة الإسرائيليين والفلسطينيين. مثل هذه المواقف تظهر بوضوح وجلاء في التعليقات التي يُدلي بها الممثل الخاص لترامب في المفاوضات الدولية، جايسون غرينبلات، والسفير الأميركي لدى إسرائيل ديفيد فريدمان.

كان إنكار الوطن الفلسطيني ضمنياً، لكنه فاقع للغاية، في التعليقات الأخيرة لشخصيات قيادية أميركية. فإدارة ترامب لم تغلق ببساطة مكاتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن في أيلول/سبتمبر الماضي وحسب، بل هي أيضاً لم تعد فعلياً تذكر البتة منظمة التحرير الفلسطينية، كما لم تعد تستخدم تعبير "فلسطين" كاسم علم. وحين يخاطب كبار المسؤولين الأميركيين القادة الفلسطينيين، فهم يفعلون ذلك إما لتوبيخهم أو انتقادهم. وحتى إذا ما أشاروا إلى أي مؤسسات فلسطينية على الإطلاق، فإنهم يتحدثون عن السلطة الفلسطينية التي تدير أجزاء من الضفة الغربية. وفي شباط/فبراير الماضي، أرفق غرينبلات إصراره على أن يتحدث إليه شخصيتان من منظمة التحرير الفلسطينية بالزعم أن "بابه مفتوح دوماً أمام السلطة الفلسطينية".

بدوره، تعهّد فريدمان "بالعمل مع الحكومة الإسرائيلية، ومع الفلسطينيين"، مُعترفاً بذلك (ومادحاً في الغالب) القيادة الإسرائيلية، ومتجاوزاً أي قائد أو مؤسسات تتحدّث بإسم الفلسطينيين. والواقع أنه حين لايتبادل كبار مسؤولي إدارة ترامب الشتائم والانتقادات العنيفة مع القادة الفلسطينيين، فإنهم يدلون ببيانات غامضة حول "الفلسطينيين"، ولا يذهبون إلا لماماً وبين الفينة والأخرى إلى الإشارة إليهم على أنهم "شعب". ومن ذا الذي يُعتد به بالنسبة إلى المسؤولين الأميركيين؟

إن إدارة ترامب، بوقفها تمويل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين، والتي تهتم باللاجئين الفلسطينيين، ألمحت إلى أن اللاجئين ليسوا كذلك، أي ليسوا لاجئين. وهذا يعني أن السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة هم الذي سيتم التعاطي معهم، وليس فلسطينيي الشتات، أو الفلسطينيين كشعب يتطلّع إلى دولة مُعترف بها وقابلة للحياة. وهذا يقودنا إلى السمة الراديكالية الثانية في مقاربة إدارة ترامب، وهي إنكارها الضمني بأن هناك نزاعاً إسرائيلياً- فلسطينياً على الإطلاق.

هنا، يبدو أن الاحتقار للقيادات الفلسطينية يتجاوز استخدام الكلمات النابية ليتحوّل إلى إنحاء اللائمة برمتها عليهم. فقد حمل فريدمان وغرينبلات على القادة الفلسطينيين لأنهم دفعوا- أو ضللوا- الفلسطينيين كي يقوموا بالعنف، والإرهاب، وقذفوا بهم إلى لجج الفقر بدل تحبيذ الإزدهار والسلام. هذا في حين أن بديل ترامب، كما يقال، سيوفّر لهم مستقبلاً أفضل ومزدهرا.

بيد أن القادة الفلسطينيين الحاليين- من حماس بالطبع، ولكن أيضاً من منظمة التحرير الفلسطينية وفتح- يقفون حجر عثرة في وجه هذا المستقبل الباهر. ووفق تعبير مسؤولين أميركيين بارزين، فإن السياسة الإسرائيلية، والمستوطنات، والاحتلال، ليسوا عقبة أمام حياة أفضل للفلسطينيين. لا بل يجري بوضوح الإطلالة على المستوطنات على أنها توفّر فرصة للتعاون المستند إلى المصالح المشتركة. وهكذا، تحدث فريدمان في ندوة ضمت مستوطنين وفلسطينيين في شباط/فبراير الماضي بحماسة متّقدة عن "الفرصة لتحقيق مستقبل أفضل لليهود والفلسطينيين في يهودا والسامرة". في تلك الندوة أيضا، فاخر سيناتور أميركي داعم للمستوطنات الإسرائيلية بجهوده التشريعية لتشجيع المشاريع المشتركة بين المستوطنين والفلسطينيين، قائلا: "حيث يتشاطر ويُساعد الجيران جيرانهم، يتعيّن ان نعتبر ذلك أمراً طيبا".

لكن، إذا ما كانت المشكلة تكمن في أن القادة الفلسطينيين يغشّون شعبهم ويخدعونه، وليس في وجود صدام حقيقي بين مجموعتين قوميتين، فأي نزاع تأمل إدارة ترامب بحله؟ في هذه النقطة، يبدو المسؤولون الأميركيون والإسرائيليون صريحين: الخصوم الذين يجب إلحاق الهزيمة بهم هم الأميركيون الذين لايوافقون على أجندة ترامب. ففي خطاب له أمام لجنة العلاقات العامة الأميركية- الإسرائيلية الموالية لتل أبيب، نشر على موقع السفارة الأميركية على رغم طابعه التحزّبي، تساءل فريدمان ببلاغة منمّقة:

"هل في وسعنا ترك < تسوية فلسطينية – إسرائيلية> لإدارة قد لاتفهم حاجة إسرائيل إلى الحفاظ على سيطرتها الأمنية الجوهرية على يهودا والسامرة وعلى موقع دفاعي دائم في وادي الأردن؟ .. هل نستطيع المخاطرة بأنه في يوم ما قد تشعر إسرائيل بالأسى لأنه لم يتم إحراز تقدم حين كانت السياسة الخارجية الأميركية بين يدي الرئيس ترامب، ونائب الرئيس بنس، والوزير بومبيو، والسفير بولتون، وجارد كوشنر وجايسون غرينبلات، وحتى ديفيد فريدمان؟"

القيادة الإسرائيلية متشوّقة بالتأكيد للإمساك بتلابيب هذه الفرصة التاريخية. وقد أعلن رون ديرمر، السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة مؤخراً متحدّثاً باسم إسرائيل والشعب اليهودي: "الرئيس ترامب وإدارة مثل إدارة ترامب، لايحدثان في كل جيل. هذا قد يحدث مرة واحدة في أجيال كثيرة، كثيرة، كثيرة".

لذلك، ومهما كانت طبيعة خطة السلام التي سترى النور، تشي هذه البيانات الفاقعة بأن القيادتين الإسرائيلية والأميركية تسعيان إلى تجذير الاحتلال بطريقة ترقى إلى ضم أشطار واسعة من الضفة الغربية، مع السماح للفلسطينيين بإدارة محلية (وهو ترتيب لطالما وصفه الفلسطينيون بأنه "بانتوستانات"، وهم على حق). لكن القيادتين قد تحاولان تجنّب القيام بذلك بشكل سافر لئلا يثير ذلك الخزي الدولي وإجراءات مضادة.

إن معارضي هذه الجهود، الذين يشيرون إلى قصور في دبلوماسية ترامب، يسمحون لأنفسهم بحرف الانتباه عن التغييرات قيد العمل الآن. وأولئك الذين يركّزون جهودهم على إحياء "عملية السلام"، سيجدون أنفسهم على الأرجح يتنازعون في أفضل الأحوال حول خطوط ومعالم سياسة تفسيرية، بحيث لايجري الإفصاح علناً عن الضم والتمييز العنصري، حتى ولو كان هذا يجري بالفعل على قدم وساق.

في الواقع، ثمة اعتراف أكثر صراحة- الآن وبعد أكثر من عقد من التأخير- وهو أن مسار التغيير اليوم يتم بحفز من قِبَل علمي الاجتماع والديموغرافيا أكثر من الدبلوماسية. والقبول بذلك قد يستأصل في النهاية الأوهام التي لطالما هيمنت طويلاً على العلاقات الفلسطينية – الإسرائيلية. كما أنها أيضاً، وأخيرا، قد تدفع الأطراف الدولية إلى صياغة سياسات بديلة مُصمَّمة ليس للتوصل إلى "اتفاقية وضع نهائي" بل إلى انهاء النزاع بين الإسرائيليين والفلسطينيين، بهدف ضمان أن يكون لدى الأجيال المقبلة أدوات أكثر، لا أقل، لتشكيل مصيرهم بسلام وعدالة.

إن أي خطوات من شأنها الحفاظ على العناصر الليبرالية في المجتمع الإسرائيلي وتخفيف الأجراءات الأمنية القاسية التي تعيق الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية للفلسطينيين، وتُعّزز قدرتهم على تنظيم أنفسهم بطرق غير تلك التي تُحبّذها الفصائل المُتعسكرة، ستكون لها مثل هذه التأثيرات. صحيح أن المكافأة على هذا المنحى لن تكون جائزة نوبل، لكنها ستسفر عن الانبثاق البطيء، أو أعادة الانبثاق، للإمكانات المتوافرة للإسرائيليين والفلسطينيين، والتي ستكون أفضل من إرث تلك التي خلّفها جيل يستعد الآن للرحيل عن مسرح الأحداث.