باربرا زولنر محاضرة حول سياسات الشرق الأوسط في قسم السياسات في كليّة بيركبيك، لندن. تتركّز أبحاثها على السياسات الإسلامية، والحركات الاجتماعية، والأحزاب في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. زولنر مؤلفة كتاب The Muslim Brotherhood: Hasan al-Hudaybi and Ideology (Routledge, 2008) (جماعة الإخوان المسلمين: حسن الهضيبي والإيديولوجيا). أجرت "ديوان" مقابلة معها في منتصف نيسان/أبريل لمناقشة مقال نشرته في الآونة الأخيرة على موقع كارنيغي بعنوان "البقاء على رغم القمع: كيف استطاعت جماعة الإخوان المسلمين المصرية الصمود والاستمرار؟". نُشر المقال تمامًا قبل أن تبدو إدارة ترامب مستعدة لتصنيف الإخوان المسلمين منظمة إرهابية، ما وفّر سياقًا أوسع لمناقشة قدرة المنظمة على الصمود.

مايكل يونغ: يناقش مقالك الذي نشره مركز كارنيغي مؤخرًا صمود جماعة الإخوان المسلمين المصرية منذ الانقلاب العسكري في 2013. ما التكتيكات التي لجأت إليها الدولة المصرية خلال هذه الفترة في مساعيها لقمع المنظمة؟

باربرا زولنر: تهدف تكتيكات النظام إلى تفكيك خطوط القيادة والاتصال في المنظمة. ونظراً إلى هيكلية جماعة الإخوان المسلمين الهرمية، استهدف النظام كوادر قيادتها من أجل فصلهم عن باقي المنظمة. لهذا السبب، سارعت الدولة إلى إلقاء القبض على أفراد يشغلون مناصب تنفيذية مختلفة. فتمّ سجن رموز على غرار المرشد الأعلى للإخوان المسلمين محمد بديع والرئيس المصري السابق محمد مرسي، إضافةً إلى العديد من أعضاء مكتب الإرشاد ومجلس الشورى. وهؤلاء لازالوا يقبعون في الجناح ذي الإجراءات الأمنية الأكثر تشدّداً في سجن طرة، حيث يمضون في بعض الأحيان فترات طويلة في السجن الانفرادي. ومن خلال مطاردة الأعضاء المتهمين من فئات المجتمع المصري كافة، زرع النظام بذور الفوضى الداخلية والخوف في أوصال الجماعة.

وهكذا، لجأت الدولة المصرية إلى سياسة شاملة تستهدف البنية الأساسية للجماعة، آخذةً في الحسبان أن الهيكلية التنظيمية لن تكون قادرة على الصمود لفترات طويلة من دون توجيهات واضحة من رأس الهرم، ولاسيما في سياق تصاعد الضغوط على مستوى القاعدة الشعبية.

يونغ: تشددين على أن قدرة الإخوان على الصمود خلال فترات القمع، نابعة في المقام الأول من الهيكلية التنظيمية. هلّا لك أن تشرحي لنا ما الذي تقصدينه بذلك؟

زولنر: ثمة الكثير من العوامل التي تشرح أسباب قدرة الإخوان المسلمين على التصدّي بفعالية للضغوط التي يمارسها النظام. يتمثّل العامل الأول في لامركزية عمليات صنع القرارات التنفيذية، التي تسهّل تنفيذ المسائل الإدارية اليومية بمعزل عن القيادة السجينة. وعليه، يتمّ نقل القيادة التنفيذية إلى دائرة من الأعضاء المؤتمنين من ذوي الرتب العالية والمتوسطة ممن تجنّبوا إلقاء القبض عليهم في مصر. كما يقع مقر القيادة الخارجية البديلة الرئيس في تركيا، أي بعيداً عن متناول السلطات المصرية. غير أن القيادة السجينة لاتزال تمثّل القيادة المركزية للإخوان المسلمين، وتبقى مسؤولة عن التوجيهات الاستراتيجية والإيديولوجية الرئيسة، كما تُعتبر محوراً رمزياً.

ثانياً، يحظى التنوّع على صعيد صنع القرار داخل المنظمة بدعم من شبكات اتصال آخذة في الاتساع. فباستخدام العلاقات الشخصية والحصول على دعم مصادر اتصال ووسائل إعلام جديدة، يمكن للمنظمة خرق قيود جدران السجن. والأهم أن هذه الوسائل تسمح للإخوان بإبقاء الخطوط مفتوحة بين القيادة المنفية وبين أعضاء القاعدة الشعبية داخل مصر.

أما العامل الثالث لصمود المنظمة، فيكمن في تنوّع كادرها الرئيس وشبكاتها الموسّعة ودوام نفوذها في الشؤون السياسية والاجتماعية والدينية. وعلى رغم الجهود التي يبذلها النظام في سبيل تطويع الجماعة، لم تنجح المحاكمات والاعتقالات الجماعية في تفكيكها، لا بل يثبت أن الجماعة لاتزال متماسكة.

العامل الرابع والأهم، المُتعلق بجهود الدعوة التي تبذلها المنظمة، يجمع العوامل الأخرى كافة معاً. فعلى رغم أن جماعة الإخوان المسلمين ليست اليوم في وضع يخوّلها السعي إلى برنامج تدريب واختيار مدروس، آتت نشاطات الجماعة في هذا المجال خلال العقود الماضية من الزمن أُكلها، وأبقت جسماً كبيراً من الأعضاء المتفانين والبارعين. هؤلاء الأعضاء لا يحملون أفكار الجماعة وحسب، بل هم أيضاً المصدر الرئيس الذي يبقيها صامدة في خضم الأزمات.

يونغ: ثمة خلاف في صفوف الجماعة حول كيفية الردّ على استحواذ الجيش على السلطة العام 2013 والقمع الذي مارسه النظام. ما هي الأسس الإيديولوجية وراء هذا الانقسام وكيف تمكّنت الجماعة من تجنّب انشقاق كبير؟

زولنر: الانقلاب في تموز/يوليو من العام 2013 ومجزرة رابعة العدوية وحظر الإخوان المسلمين وموجة الاضطهاد التي تلت ذلك، جميعها عوامل دفعت بالجماعة إلى حافة التفكك. وإضافةً إلى ضغوط النظام الخارجية، دفعت الخلافات بين الإخوان بالجماعة إلى حافة الانهيار. فقد تحدّت مجموعة من الأعضاء الشباب والثوريين سلطة "الحرس القديم" في مكتب الإرشاد وسيطرته على حزب الحرية والعدالة الذي أسسه الإخوان المسلمون للهيمنة على السياسة المصرية في حقبة مابعد الربيع العربي. كما طالب هؤلاء الأعضاء بأشكال أكثر تشدّداً من المعارضة في وجه نظام السيسي. وبالفعل، لجأت بعض الأجنحة في حراك الشباب الراديكالي إلى العنف كخيار استراتيجي.

كما فسّر بعض المُعلقين هذا الجدل في صفوف المنظمة على أنه إشارة إلى تحوّل محتمل نحو التطرف السلفي- الجهادي وربما حتى التحالف مع تنظيم الدولة الإسلامية. غير أن وجهة النظر هذه كانت غير دقيقة على أصعدة عدّة. فالحافز لحراك الشباب ضمن الإخوان المسلمين، لم يتأتَ صراحةً من إيديولوجي الجماعة سيد قطب – الذي طرح في كتابه "معالم في الطريق" الصادر العام 1964 أفكاراً يمكن تفسيرها على أنها دعوات إلى العنف والثورة – ولم يدفعه (الحراك) بالتأكيد تفسير حرفي وسلفي للدين. بدلاً من ذلك، جاءت خلفيته الثورية وفهمه للتحرك الثوري من الانتفاضة التي شهدتها مصر عام 2011. وعليه، يتشاطر حراك الشباب في صفوف الإخوان المسلمين نقاطاً مشتركة مع أهداف حراك الشباب الثوري المصري ورؤيته لديمقراطية مباشرة، أكثر مما يفعل مع المتطرفين السلفيين الجهاديين.

فضلاً عن ذلك، وفي حين زعزعت مقاومة حراك الشباب في الإخوان المسلمين بالفعل بنية الجماعة، لم تشكّك بالأسس الإيديولوجية الجوهرية للمنظمة التي لاتزال مستندة إلى أفكار مؤسس الإخوان حسن البنا وإرشادات الجيل التالي من المرشدين العامين الداعية إلى رفض التطرف الديني. أخيراً، يبدو أن حراك الشباب أعيد إلى كنف الإخوان المسلمين، وساهمت خطوط القيادة والاتصال اللامركزية للجماعة في هذه العملية، على رغم أنه لازال يتعيّن الانتظار لمعرفة ما إذا كان الشباب سيتمكّنون من التأثير في الهيكلية التنظيمية على نحو جوهري.

يونغ: في المرحلة المقبلة، ما الذي يشكّل برأيك المخاطر الأبرز على شرعية النظام المصري الحالي ومسألة استقراره؟

زولنر: يبدو أن الرئيس عبد الفتاح السيسي في أوج حكمه. كما يبدو أنه يحظى بدعم شعبي من الجماهير المصرية ومن النخبة الاقتصادية، إضافةً إلى الجيش. وقد وعد المصريين بالازدهار الاقتصادي وبالأمن قبل كل شيء. لكن وراء هذه الواجهة، يكمن واقع دولة تعيش أزمة اقتصادية واجتماعية وسياسية. كما أن معارضة السيسي، سواء جاءت من الإخوان المسلمين أو من الحركات اليسارية أو الليبرالية، ضعيفة للغاية حالياً ومُفككة بحيث يتعذّر عليها أن تشكّل تحدياً حقيقياً لنظامه. لكن الآمال المُحبطة وعمليات القمع المتواصلة تقوّض شرعية السيسي. وطالما بقيت جماعة الإخوان المسلمين غير مُحطّمة، يوفر ذلك فرصة أمام بروز معارضة يلهمها الإخوان.