أحمد ناجي، باحث غير مقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، متخصص في الشؤون اليمنية. ونشر مقالاً في آذار/مارس بعنوان "اليمن: الهويّات المتعددة لصعود الحوثيّين". ومؤخراً، عاد ناجي إلى بيروت من رحلة بحثية استغرقت شهراً كاملاً إلى اليمن، بلده الأم، حيث زار عدداً من المحافظات، بما فيها مأرب وجزيرة سقطرى. التقت "ديوان" ناجي مطلع حزيران/يونيو لمناقشة هذه الزيارة وكذلك مقاله الذي نشره مركز كارنيغي.

مايكل يونغ: عدت مؤخراً من اليمن. ما كانت أبرز انطباعاتك خلال هذه الزيارة؟

أحمد ناجي: زرت عدداً من المحافظات ورأيت بأمّ العين المضاعفات العميقة والمدمّرة للنزاع على حياة الناس. وعلى رغم معاناة بعض الأماكن القريبة من الخطوط الأمامية أكثر من مناطق أخرى، وصلت تداعيات الحرب إلى كل زاوية من زوايا اليمن، حتى منها المناطق الطرفية البعيدة عن النزاع. لكن التكلفة الباهظة لاتنعكس على المدنيين وحسب، بل تعيد رسم معالم اليمن، بحيث تستحدث دولة لم تكن قائمة من قبل.

تتمثّل أحد أبرز النتائج في بروز اقتصاد حرب خلال السنوات الأربع الماضية، ما أسفر عن ديناميكيات جلّ ما فعلته هو إدامة النزاع. ويشمل ذلك تفشّي السوق السوداء للوقود وأنشطة التهريب وتجارة الأسلحة وتبييض الأموال، من بين أمور أخرى. وكان هذا الاقتصاد قد توسّع بسبب انخراط الجيش وقادة الميليشيات في مناطق النزاع. فهؤلاء لا يقودون أعمال القتال وحسب، بل يحصدون أيضاً الأرباح الاقتصادية الناجمة عن اقتصاد الحرب. ويعني مثل هذا الوضع أن أمراء الحرب لهم مصلحة في تواصل النزاع. ويتمثل السيناريو الأسوأ بالنسبة إليهم في ما إذا كان القتال قد يتوقف.

أما الانطباع الآخر، فكان الحركة الكبيرة في انتقال السكان من منطقة إلى أخرى، ما أسفر عن مدن جديدة أو أكثر اتساعاً. ففي حالة محافظة مأرب، على سبيل المثال، وهي مركز خصوم الحوثيين، يبلغ عدد السكان حالياً أكثر من 1.5 مليون نسمة مقابل 400 ألف قبل نشوء النزاع. وعلى نحو مماثل، ازداد عدد سكان مدينة إب اليمنية الأخرى بسبب تدفق الكثير من الأشخاص القاطنين في مناطق القتال القريبة إليها نظراً إلى الأمان النسبي الذي تقدّمه.

تشكّل الظروف الإنسانية الكارثية في أرجاء اليمن التحدي الأصعب الذي يواجهه السكان. فقد أصبحت المجاعة وسوء التغذية والأمراض والأوضاع الاقتصادية الصعبة، القوت اليومي للمدنيين. وثمّة كارثة أقل بروزاً هي ارتفاع معدلات الأمّية بين الأطفال. فاستناداً إلى منظمة الأمم المتحدة للطفولة – اليونيسف، ثمة مليونا طفل يمني خارج المدارس. ولن يسهم جيل من البالغين الأميين سوى في إذكاء النزاعات المستقبلية أكثر فأكثر واستحداث فئة من اليمنيين الجاهزين للتجنيد على يد أمراء الحرب.

يونغ: هل من مؤشرات على أن الحملة التي تنفّذها دول الخليج العربي ضد الحوثيين تحقق نجاحاً أو في وسعها النجاح؟

ناجي: هذا يعتمد على الأهداف الحقيقية للتحالف بقيادة السعودية. ففي حال كان الهدف المُعلن إعادة الشرعية إلى الرئيس عبد ربه منصور هادي وإفشال الانقلاب بقيادة الحوثيين، فستكون الإجابة كلا. في المقابل، هادي الذي أعطى الضوء الأخضر للتحالف من أجل التدخّل في اليمن، غير قادر على العودة إلى البلاد، وقد تراجعت شعبيته بشكل كبير في الجنوب حيث تقدّم الإمارات العربية المتحدة، وهي عضو بارز في التحالف العربي، الدعم إلى حركة انفصالية. في موازاة ذلك، وعلى رغم خسارة بعض المناطق، لايزال الحوثيون يحكمون السيطرة على معظم المناطق الشمالية في اليمن.

تجدر الملاحظة هنا أن الشعور السائد بين العامة عند بداية الحملة، صبّ عموماً في مصلحة حكومة هادي ودعم التحالف بقيادة السعودية. لكن الناس سئموا الآن ممارسات التحالف والدمار الذي تسبّب به. لقد شاب الفشل استراتيجية التحالف خلال السنوات الأربع الماضية أكثر مما اتسمت بالنجاح.

يونغ: في موضوع الحوثيين، كتبت مؤخراً مقالاً لكارنيغي وصفت فيه قدرتهم على استخدام مجموعة من الهويات سعياً إلى تحقيق أجندتهم السياسية. ماذا عنيت بذلك؟

ناجي: انتشرت حجة شائعة بأن صعود الحوثيين كانت نتيجة الدعم الإيراني. وفي حين أن ذلك صحيح جزئياً، لكنه ليس السبب الرئيس. ما حاولت تسليط الضوء عليه في المقال كان قدرة الحوثيين على تكييف هويتهم أو تغييرها بانتظام، بطريقة تسمح لهم باستغلال التظلمات القائمة منذ مدة طويلة في اليمن وكذلك الإفادة من الشرخ بين الأحزاب السياسية أو النزاعات الإقليمية. وقد مكّن هذا الأمر الحوثيين من تجنيد مقاتلين وهزيمة المعارضين وبناء التحالفات. كما لعبت ديناميكيات مماثلة دوراً مهماً في تحويل الحركة الحوثية من جماعة صغيرة في بعض قرى محافظة صعدة إلى سلطة أمر واقع تُسيطر على معظم المناطق الشمالية في اليمن.

يونغ: ما الخطوات التي اتخذتها الحركة حوثية من أجل ترسيخ سيطرتها على مؤسسات الدولة والمناطق الخاضعة إلى سيطرتها؟

ناجي: منذ استيلائهم على العاصمة صنعاء في أيلول/سبتمبر 2014، فرض الحوثيون قبضة حديدية على مؤسسات الدولة، من خلال تعيين مُشرفين حوثيين، معظمهم أوفياء لزعيم الحركة عبد الملك الحوثي شخصياً. لايراقب المشرفون هؤلاء أداء مؤسسات الدولة وحسب، بل يضمنون أيضاً أنها تعمل بما يصبّ في مصالح الحركة. أودّ التنويه هنا أن شبكة المشرفين هي هيئة هرمية وترتبط بمكتب الزعيم الحوثي. فضلاً عن ذلك، استبدل الحوثيون موظفين رفيعي المستوى في مؤسسات الدولة بأفراد من بينهم لضمان سيطرتهم الكاملة على أجهزة الدولة في المناطق الخاضعة لهم.

سمح هذا الأمر للحوثيين بإقامة نظامهم الاقتصادي الخاص. فقد تمكّنوا من فرض سيطرة اقتصادية كاملة على مؤسسات الدولة، مستنزفين مواردها، كما حققوا إيرادات من السوق السوداء وغيرها من الأعمال التي أفادت من الحرب. لكن، على رغم هذه المداخيل، رفض الحوثيون دفع رواتب موظفي القطاع العام لأنهم ينفقون الأموال على مقاتليهم في الجبهات. وبالتالي، باتت حركة مؤسسات الدولة مشلولة بالكامل.

يونغ: حصد الحوثيون مؤخراً بعض الاعتراف الدولي من خلال مشاركتهم في محادثات السلام التي ترعاها الأمم المتحدة. ما قد تكون أبرز مطالبات الحركة في أي تسوية سياسية لإنهاء الحرب في اليمن؟

ناجي: هدف الحوثيين الأسمى هو إحياء الإمامة الزيدية التي أطاحت بها الثورة الجمهورية في العام 1962. لكن الحركة اعتمدت مطالب مؤقتة في كل مرحلة انخرطت فيها، لتعود وتصعّد دائماً مطالبها في وقت لاحق. وبخلاف مطالبها في العام 2014 حين استولى الحوثيون على صنعاء، فهم الآن يعتبرون أنفسهم سلطةً شرعيةً، أقلّه في المناطق التي يسيطرون عليها، ويسعون إلى اعتراف إقليمي ودولي بهذا الواقع من خلال أي صفقة. لكن حتى هذا الأمر يبدو وكأنه مطلب مؤقت، إذ إن إحياء الإمامة الزيدية هو هدفهم الأول والأخير.