سارة كيّالي | باحثة في الشؤون السورية في قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة"هيومن رايتس ووتش".

الوضع في إدلب، آخر المعاقل السورية الخاضعة إلى سيطرة المجموعات المناهضة للحكومة، لم يعد يُحتمل. فقد أعربت الحكومة بوضوح عن نيّتها استعادة إدلب مهما كلّف الأمر، لكنها لن تتمكّن من فعل ذلك من دون الحصول على دعم حليفتها الأساسية روسيا. ومع أن موسكو ألقت ظلالاً من الشك على مدى الحاجة إلى شنّ هجوم عسكري كبير في إدلب، لم يمنعها ذلك من القيام، إلى جانب القوات التابعة للنظام، بقصف البنى التحتية المحصّنة واستخدام الأسلحة المحظورة دولياً، بما في ذلك الذخائر العنقودية، ما يشي بعدم اكتراثهما الواضح بحياة المدنيين.

كذلك، أحكمت هيئة تحرير الشام، وهي المجموعة الأساسية المناهضة للحكومة في إدلب، قبضتها على المدنيين، إذ اعتقلت بشكلٍ تعسّفي العديد من الأشخاص وأساءت معاملتهم لسحق المعارضة. ويرتدي الوضع أبعاداً أخطر على ضوء إغلاق تركيا لحدودها، ما يمنع هرب المدنيين من أتون العنف، فيما يلوح في الأفق شبح حدوث كارثة إنسانية، على حدّ تعبير الأمم المتحدة.

الواضح أن روسيا وتركيا تضطلعان بدور أساسي في تقرير مصير إدلب. لذا، طالما أن روسيا تغطّي انتهاكات الحكومة، وتركيا تواصل إغلاق حدودها في وجه الفارّين من الصراع، نتوقّع أن يتكبّد المدنيون المحاصرون في إدلب، والبالغ عددهم 3 ملايين نسمة، أكلاف باهظة.


 

إيما بيلز | باحثة مستقلة في الشؤون السورية، وكاتبة، ومحلّلة سياسية لعددٍ من المنظمات، كالمعهد الأوروبي للسلام والمجلس الأطلسي، وهي محرّرة موقع Syria in Context.

سيتواصل الصراع في إدلب على الأرجح، وسيتفاقم بالتالي تدهور الأوضاع الإنسانية هناك. يُشار إلى أن أعمال العنف الأخيرة أدّت إلى المزيد من موجات الترحيل، إذ إن بعض السكان انتقلوا من مكان إلى آخر من خمس إلى عشر مرات خلال فترة الصراع، بحيث تواجه المنظمات الدولية صعوبة في مواكبة تحرّكهم.

في غضون ذلك، يُعيق وجود هيئة تحرير الشام في إدلب، وهي فصيل مسلّح تصنّفه بعض الدول تنظيماً إرهابياً، وارتفاع الهجمات ضد المنشآت الإنسانية، قدرة القطاع الإنساني المُستنزَف أصلاً على الاستجابة للأزمة المُستفحلة.

استهدف الكثير من الهجمات على المستشفيات مناطق توجد في قطاع خفض التصعيد. والمُقلق أن هذا الأمر لم يخضع إلى أي محاسبة، الأمر الذي يُنذر بالسوء. ومع أن الهجمات على المنشآت الإنسانية في مناطق خفض التصعيد تُعتبر جرائم حرب وخطاً أحمر واضحاً، اقتصر الردّ على بعض التصريحات التي أبدت المخاوف حيال هذا الوضع.

لم ينفد بعد صبر تركيا. صحيح أنها أعربت عن مخاوفها من خلال روسيا ومسار أستانة، لكن فيما يتوالى النزاع فصولاً، قد يظهر أن العملية العسكرية في إدلب تطرح تهديداً للمصالح التركية، ما قد يستدعي دعم حلف شمال الأطلسي (الناتو)، أو يولّد تدفّقاً للاجئين يهدّد حدود الاتحاد الأوروبي. وهذه خطوات ستؤدّي على الأرجح إلى ردّ يكون أكثر حزماً من مجرد "المخاوف" التي تبديها الحكومات الغربية، فيما لاتزال إدلب قابعة تحت وطأة الهجمات.


 

زياد ماجد | أستاذ مشارك في الجامعة الأميركية في باريس، ومؤلّف، صدر له مع فاروق مردم بك وصبحي حديدي كتاب بعنوان "داخل رأس بشار الأسد" (Dans la Tête de Bachar al-Assad )، من منشورات سولين/أكت سود، 2018.

إن كشفت الحملة العسكرية التي أطلقها نظام الأسد وروسيا على إدلب خلال الأشهر القليلة عن شيء، فهو محدودية قدراتهما العسكرية برياً، ويُعزى ذلك في الدرجة الأولى إلى سببين: الأول يتمثّل في أن الميليشيات اللبنانية والعراقية والأفغانية الموالية لإيران، فضلاً عن القوات الإيرانية الخاصة، غير منخرطة في المعارك الدائرة على الأرض؛ والثاني أن الحدود مع تركيا ليست مقفلة، ولذا، تواصل قوات المعارضة الحصول على الذخيرة والدعم اللوجستي خلال العمليات الحربية.

بهذا المعنى، تمكّنت قوّات الرئيس السوري بشار الأسد والقوّات الروسية فقط من إحراز تقدّم بخطى بطيئة في المنطقة الواقعة بين محافظتيْ حماة وإدلب. لكنها مع ذلك، أقدمت على تدمير جزء كبير من البنى التحتية الصحية في إدلب (بما في ذلك مواقع كانت الأمم المتحدة قد أرسلت إحداثياتها للروس لتجنيبها القصف)، كما استهدفت المدارس، وقتلت مئات المدنيين، وهجّرت مئات الآلاف من قراهم ودفعهم إلى التوجّه نحو الحدود التركية.

أما ما قد يحدث في المرحلة المقبلة، فيعتمد إلى حدّ كبير على المحادثات الروسية- التركية والإيرانية- الروسية. بالنسبة إلى الأولى، لن تؤدي الحملة العسكرية الراهنة، طالما أن موسكو وأنقرة لم تتفقا على كيفية إدارة شمال غرب سورية، سوى إلى وقوع المزيد من الإصابات في صفوف المدنيين وتهجيرهم، مع احتمال حدوث بعض التغييرات الطفيفة في جنوب إدلب. أما بالنسبة إلى المحادثات بين إيران وروسيا، فمن الصعب تخيّل أي تغيير جذري في الوضع القائم، إن لم تتم دعوة القوّات الموالية لإيران إلى المشاركة في العمليات العسكرية. وهذا مستبعدٌ راهناً إذ إن روسيا حريصة ألا تستفزّ الولايات المتحدة من جهة، أو تنسف حظوظ أي اتفاق محتمل طويل الأمد مع تركيا، من جهة أخرى.

وفي حال صحّ كل ما سبق، ما يمكن أن نتوقّعه في إدلب هو شنّ مزيد من الهجمات الجوية، وارتكاب نظام الأسد والروس المزيد من الجرائم بحقّ المدنيين، وإجراء مزيد من المحادثات التقنية (بين موسكو وأنقرة) للتوصّل إلى صياغة تفاهمات جديدة متعلقة بشكل أساسي بالمناطق القريبة من قاعدة حميميم الروسية والطريق الذي تربط الساحل بحلب.


 

مهنّد الحاج علي | مدير الاتصالات والإعلام وباحث في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت. ومؤلف كتاب بعنوان Nationalism, Transnationalism, and Political Islam: Hizbullah’s Institutional Identity (Palgrave Macmillan, 2017) (القوميّة والرابطة العابرة للقوميّة والإسلام السياسيّ– هويّة حزب الله المؤسسية). (Palgrave Macmillan, 2017)

شنُّ هجوم شامل على إدلب ليس بسيناريو واقعي. فاندلاع مثل هذا النزاع سيؤدي إلى تدفق موجة من اللاجئين نحو تركيا، الأمر الذي من شأنه أن يُلحق الضرر بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية. من جهته، قد يواصل النظام السوري، بدعم من روسيا، عمليات القصف التي يقوم بها للضغط على أنقرة، بيد أن تركيا قادرة على الردّ بتسليح حلفائها الثوار بشكل أفضل وتحصين مواقعها في المنطقة.

ثمة سبب ثانٍ يضع مثل هذا الهجوم في خانة الشكّ، ويتمثّل في وجود توترات إيرانية – روسية في جميع أنحاء سورية. لذا المشاركة الإيرانية مستبعدة إلى حين التوصّل إلى تفاهم بين طهران وموسكو حول مستقبل الدور الإيراني في سورية ما بعد النزاع. ومن دون دعم قوّات المشاة الإيرانيين، لن يحدث على الأرجح هكذا هجوم.

الجدير ذكره أخيراً، أن ماحدث في شرق سورية، الخاضعة حالياً إلى سيطرة قوات سورية الديمقراطية التي يقودها الأكراد وتحظى بدعم أميركي، يُعتبر محورياً بالنسبة إلى أي تطوّر مهم في الشمال الغربي. ففي حالات سابقة، قامت كل من روسيا وتركيا بتبادل الأراضي في إدلب وعفرين، على التوالي، ماسمح لكل طرف بتطبيق أجندته في المنطقة التي سيطر عليها. لهذا السبب، قد يؤدي انسحاب أميركي من شرق البلاد إلى انهيار الوضع القائم حالياً في شمال سورية.