اعتبر عدد كبير من المصريين أن خروج المنتخب الوطني باكراً من بطولة كأس الأمم الأفريقية التي أُجريت في مصر، هو خسارة مزدوجة للبلاد؛ فهي خسارة على المستوى الرياضي بعد إقصاء الفريق المصري على يد المنتخب الجنوب أفريقي في السادس من تموز/يوليو، وخسارة أيضاً على المستوى الأخلاقي، بسبب الحنق الشديد الذي أحاط بالاتهامات الموجَّهة إلى لاعب كرة القدم المصري عمرو وردة حول التحرّش جنسياً بنساء عدّة.

وفي حين أثارت الواقعتان مجتمعتَين تململاً في مصر، كانت لهما نتائج مشجِّعة في مايتعلق بطريقة التعاطي مع اتهامات التحرّش الجنسي. فمعاملة النساء كانت، ولاتزال، في صلب السجال حول الأخلاقيات في مصر منذ ماقبل اندلاع الانتفاضة العام 2011. غير أن ماتبدّل هو الطريقة التي يُناقَش بها الموضوع في العلن والإدراك المتزايد بأن المرأة تتعرّض إلى سوء المعاملة وتُحرَم من حقوقها في المجتمع الذي يُعتبَر ذكورياً إلى حد كبير.

طوال سنوات، كان هناك ترابطٌ بين النزعة الوطنية والاعتزاز الأخلاقي في الحياة العامة. بيد أن الاتهامات الموجّهة إلى وردة أحدثت شرخاً بين الأمرَين. فقد طالب الوطنيون بمسامحة وردة على أفعاله، وذلك بعدما أنكر في البداية تحرّشه بالنساء وبعدما وُجِّهت اتّهامات التجنّي إلى إحدى السيدات اللواتي اتّهمنه بالتحرّش بهن. ثم سادت حالة من التشوّش والإرباك عندما قامت عارضة أزياء مكسيكية بتسريب شريط فيديو زعمت أن اللاعب أرسله إليها، ويظهر فيه وهو يقوم بعمل مخلٍّ بالأخلاق.

كلّ هذا أطلق عاصفة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث وجّه فريقٌ انتقادات شديدة إلى وردة، في حين شدّد الفريق الثاني على الحاجة إلى إعادة تعريف التحرّش الجنسي. وفي أواخر حزيران/يونيو الماضي، قرّر الاتحاد المصري لكرة القدم اتّخاذ موقف وطرد وردة من المنتخب الوطني. لكن، عندما عبّر عدد من زملائه في المنتخب، ومنهم النجم المصري محمد صلاح، لاعب فريق ليفربول، عن تضامنهم معه، تراجع الاتحاد عن قراره وأعاده إلى المنتخب، وبالتالي اقتصر إبعاده على مباراتَين فقط.

لكن الأمر لم ينتهِ عند هذا الحد. فقد استمر عدد كبير من المصريين في انتقاد اللاعب وزملائه في الفريق. وندّدوا بالمنتخب واصفين إياه بمنتخب المتحرّشين. وقد تحوّلت هذه التسمية إلى هاشتاغ تصدّر قائمة الهاشتاغات الأكثر تداولاً عبر موقع تويتر. والمفاجأة الأكبر أن اللاعب المحبوب صلاح وجد نفسه في مواجهة انتقادات لاذعة بسبب وقوفه إلى جانب وردة. ففي هذا الزمن حيث من الشائع الاحتفاء بنجوم الرياضة وتجاهل عيوبهم الشخصية، قرّر عدد كبير من المصريين، في خطوة لافتة جداً، التخلّي عن هذه العادة.

ما يُفاجئ أكثر من هذا أن هناك مصريين هلّلوا لهزيمة المنتخب الوطني وخروجه باكراً من كأس الأمم الأفريقية. وفي إطار السعي لفهم العوامل التي تقف خلف الاحتفاء بهزيمة المنتخب المصري، من المهم التوقّف عند بعدٍ سياسي واضح كشفت عنه الأحداث الأخيرة. فالدعوات لمسامحة وردة أطلقتها بصورة أساسية جهاتٌ يُنظَر إليها بأنها مقرّبة من النظام، وتعتبر أن فوز المنتخب الوطني يصب في إطار إنجازات النظام نفسه.

وقد أثار تحويل المنتخب المصري إلى ورقة في يد النظام ردود فعل غاضبة لدى منتقدي وردة، الذين اعتبروا أن الدعوات إلى التساهل مع اللاعب هي بمثابة نداءات مؤيّدة للإفلات من العقاب. وكان هذا السلوك شبيهاً جداً بالأساليب المعهودة التي يلجأ إليها النظام، حيث يسامح مَن يوافقونه الرأي فيما يعاقب الباقين، ولذلك لم يكن مستساغاً لمَن اعتبروا أنه لايجوز أن ينجو وردة بفعلته.

وفي هذا السياق، هتف المشجِّعون، خلال المباريات التي خاضها المنتخب المصري، باسم اللاعب المتقاعد محمد أبو تريكة في الدقيقة الثانية والعشرين من المباريات، علماً بأن 22 هو رقمه في الفريق. يُشار إلى أن أبو تريكة يعيش في المنفى في قطر منذ ثلاث سنوات، بعدما اتهمه النظام بالانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين. وهو لايزال محط إعجاب من المشجّعين، لأنه ساهم في فوز المنتخب المصري في كأس الأمم الأفريقية في العام 2006 ثم في العام 2008. لكن أحداً لم ينبرِ للمطالبة بمسامحته. وكان أبو تريكة من معارضي عودة وردة إلى المنتخب الوطني.

اعتبر النظام المصري أن بطولة كأس الأمم الأفريقية هي احتفالٌ قائم بذاته. ولكن تبيّن أنها ليست كذلك على الإطلاق. فالانتقادات التي وُجِّهت إلى المنتخب الوطني، شأنها في ذلك شأن الابتهاج بالهزيمة التي مُني بها، أظهرت أن الموقف السديد أخلاقياً هو، في نظر عدد كبير من المصريين، أكثر أهمية من تحقيق فوز كان ليُشبع الغرائز الوطنية في البلاد، فيما يصب في الوقت نفسه في مصلحة النظام.