كان من المتوقّع أن تُحيي فرقة "مشروع ليلى" غير التقليدية والمعروفة عالمياً حفلاً في مدينة جبيل يوم 9 آب/أغسطس،* لكن السجال الناجم عن الديناميكيات الاجتماعية-الثقافية في لبنان أدّى إلى إلغاء هذا الحفل.

فرقة "مشروع ليلى" تتطرّق جهاراً إلى عددٍ من القضايا الاجتماعية، ولها مواقف علنية داعمة لحقوق مجتمع الميم في الشرق الأوسط، كما أنها لا تتوانى عن تضمين أغانيها بالرسائل السياسية، آخرها المقطع المصوّر لأغنيتها الجديدة "معاليك"، الذي هو بمثابة تحية للفلسطينيين الذين يحاربون الاحتلال الإسرائيلي لأراضيهم. منذ عامين، أحيت "مشروع ليلى" حفلاً خاصّاً في بيروت بالتعاون مع منظمة العفو الدولية للتعبير عن تضامنها مع اللاجئين حول العالم. يُشار أيضاً إلى أن الفرقة أحيت حفلتين في جبيل سابقاً، لكن حفلها الذي كان مُزمعاً إحياؤه في أوائل آب/أغسطس لاقى مؤخراً معارضة كبيرة.

هذه المعارضة التي تفاقمت بسبب الحملات التي شُنّت على وسائل التواصل الاجتماعي، بدأت عندما عمدت صفحة على فايسبوك إلى إعادة نشر صور زعمت أن حامد سنّو، المغنّي الأساسي في الفرقة، بثّها على صفحته الخاصة في العام 2015، وتُظهر إحداها أيقونة للمسيح ومريم العذراء جرى استبدال وجهها بوجه مغنية البوب مادونا. كذلك، ندّد المحتجّون على وسائل التواصل بأغنيتَي "جن" و"أصنام" في الألبوم الذي أصدرته "مشروع ليلى" في العام 2015، لأنهم اعتبروهما مهينتين للدين المسيحي بسبب الإشارة إلى الصلب والثالوث الأقدس.

لم تتوقف حملات التنديد عند هذا الحد، فبعض المحتجّين كانوا يعتزمون التظاهر في جبيل يوم الحفل، كما أن المؤسسات الدينية الوطنية طالبت السلطات بمنعه. وأصدرت مطرانية جبيل المارونية بياناً رسمياً لم يكتفِ بالتنديد بمضمون أغاني "مشروع ليلى"، بل وصف أيضاً "أهداف" الفرقة بأنها "تتعرّض للمقدّسات المسيحية".

إن محاولات فرض الرقابة وتبريرها ليست أمراً جديداً في لبنان. فقد منعت مديرية الأمن العام رواية The Da Vinci Code (شيفرة دافينشي) في العام 2004 بعد أن اعتبرها المركز الكاثوليكي للإعلام باسم مديره الأب عبدو أبو كسم، "تسيء إلى الديانة المسيحية". كما مُنع بيع ألبوم Born This Way (هكذا وُلدت) للمغنية لايدي غاغا في العام 2011، عقب تنديدات صدرت عن المركز نفسه. يُشار إلى أن المديرية العامة للأمن العام هي عادةً الجهة المخوّلة فرض الرقابة. لكن غالباً ما تُحيل المديرية الأعمال التي تتضمّن إشارات متعلّقة بالأديان إلى مراكز دينية مثل المركز الكاثوليكي للإعلام أو دار الفتوى الإسلامية أو دار الطائفة الدرزية، حيث يتم التدقيق في مضمونها. وفي 24 تموز/يوليو، تولّى جهاز آخر هو مديرية أمن الدولة التحقيق مع "مشروع ليلى" وطلب من الفرقة أن تحذف عدداً من منشوراتها من وسائل التواصل الاجتماعي، وأن تمحو بعضاً من أغانيها من قنواتها على وسائل التواصل.

قد يكون من الخطأ افتراض أن المطالبة بالرقابة تتعلّق فقط بكلمات الأغاني. فقد قال الأب أبو كسم في مقابلة مع صحيفة "النهار" إن المناشدات لإلغاء الحفل الموسيقي سببها أن الفرقة "تشجّع المثلية الجنسية"، وإن الدولة تعلم "ما يجب عليها القيام به". حامد سنّو مِثلي علناً، و"مشروع ليلى" حُظّرت في مصر في أعقاب اتهامات مماثلة، بعد أن رفع الحضور علم قوس القزح في حفل موسيقي في القاهرة العام 2017. كما ألغت السلطات الأردنية أيضاً حفلتين موسيقيتين في عمّان في العامّين 2016 و2017.

لكن، وعلى الرغم من التهديدات بممارسة العنف ضدها، كانت الفرقة لاتزال تنوي تقديم الحفل الموسيقي في جبيل، مشدّدةً على أن هدفها الرئيس هو "رفع اسم لبنان عالياً في العالم" من خلال فنّها. هذا الحفل هو جزء من المهرجان الدولي السنوي في جبيل، الذي سبق له أن استضاف نجمة البوب لانا دل راي التي تزيّت كمريم العذراء أكثر من مرة، وإلتون جون، وهو مدافع جريء وصريح عن حقوق المِثليين، وأدلى بدلوه في المهرجان في العام 2017. هذه الحفلات مرّت من دون صخب واحتجاجات، الأمر الذي يدفع إلى التساؤل: لماذا "مشروع ليلى"؟ ولماذا الآن؟

قد يقول قائل إن الحملات على وسائل التواصل الاجتماعي ضد الفرقة خرجت عن نطاق السيطرة، وربما أجبرت السلطات الدينية وبعض السياسيين على القيام بردود فعل. لكن، وكما الحال دوماً في لبنان، القضية لها أكثر من بُعد. فواقع أن "مشروع ليلى" فرقة لبنانية تمارس فنّها في لبنان، ساعد على جرّها إلى معمعة الديناميكيات المحلية. علاوةً على ذلك، حامد سنّو مسلم، ما أعطى بعض الشخصيات السياسية المسيحية وجماعات أخرى فرصة لتأجيج مشاعر الضحية الطائفية، إضافةً إلى استعراض عضلاتهم لنيل حظوة في أوساط قواعدهم الشعبية، خاصة حين نأخذ في الاعتبار أن غالبية سكان جبيل هم من المسيحيين.

على الرغم من أن قضية "مشروع ليلى" تدفع إلى الواجهة جهات معادية للحرية في لبنان، إلا أنها مع ذلك تدلّ على إمكانية فتح حوار ثقافي والتفاوض في البلاد. وقد أظهرت معارضة العديد من اللبنانيين للرقابة دفاعاً عن الفرقة، أنه لايزال ثمة حيّز لحرية التعبير، حتى لو كانت هذه الحرية تشهد انحساراً. في المقابل، لم يعد بإمكان "مشروع ليلى" أداء حفلات في مصر والأردن. علاوةً على ذلك، لا يستطيع المرء إلا أن يتوقف أمام حقيقة أنه قبل 10 أو 15 سنة، لم يكن في الإمكان طرح مسائل الحرية الدينية والجنسية في لبنان علناً كما يحدث الآن.

قبل نحو الشهر، وصف سنّو الأغنية المنفردة الجديدة التي أصدرتها الفرقة على أنها "أغنية حول التقدّم إلى معركة تعرف أنك ستخسرها، لكنك تخوضها مع ذلك". وربما يتطلّب نجاح حرية التعبير على المدى الطويل في لبنان عدداً من هذا النوع من المعارك التي ستبدو في مرحلة خوضها أنها خاسرة.

*ملاحظة: منذ نشر هذا المقال، جرى إبلاغ حاملي بطاقات الحفل الموسيقي في جبيل بأن الحفل قد أُلغي.