غسان ديبة | رئيس قسم العلوم الاقتصادية في الجامعة اللبنانية الأميركية، ورئيس تحرير Review of Middle East Economics and Finance (نشرة الشؤون الاقتصادية والمالية في الشرق الأوسط)

حاولت الحكومة اللبنانية إقرار "موازنة تقشّفية"، لكن على مضض، لأن الأحزاب السياسية الطائفية الحاكمة تخشى أن يفقدها ذلك قاعدتها الشعبية. وهكذا، آلت الموازنة بشكلٍ أساسي إلى إقرار بعض التخفيضات على الإنفاق. يُضاف إلى ذلك أن أحد أبرز بنودها لايزال معلّقاً، إذ من غير الواضح بعد الجهة - سواء المصارف التجارية أو مصرف لبنان - التي ستتولّى شراء سندات خزينة بفائدة 1 في المئة، كما هو مطروح، ما يُعتبر خطوة في المسار الصحيح، على الرغم من تحذير صندوق النقد الدولي منها.

الأهم، ونظراً إلى أن الدين العام هو حصيلة تراكم العجوزات المتعاقبة في ميزان المدفوعات، ليس في وسع الحكومة التوصّل إلى حل عبر اتّخاذ إجراء واحد فقط. فارتفاع معدلات الفائدة مؤخراً يزيد آفاق البلاد قتامةً. في هذا الصدد، يُتوقّع أن تبلغ حاجات لبنان المالية في العام 2020 حوالى 25 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. إذن، باختصار، يبدو واضحاً أن الحل لهذه المشكلة المتأصّلة يجب أن يشمل زيادة الضرائب على مداخيل رأس المال والثروات، إضافةً إلى فرض ضرائب على المداخيل العالية وعلى أرباح اللبنانيين العاملين في الخارج.


 

علياء مبيّض | خبيرة اقتصادية لبنانية في مجال السياسة العامة، متخصّصة في شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومقيمة في لندن

موازنة العام 2019 أضعفت مصداقية عدد من الجهات الحكومية والبرلمانية المناط بها صياغة سياسات المالية العامة، في نظر العديد من المواطنين، كما الجهات المانحة والأسواق المالية.

فمن جهة، لم يتم احترام معايير الشفافية أو المساءلة في عملية تحضير ومناقشة مشروع الموازنة، فكانت غير تشاركية. من جهة أخرى، بنيت هذه الموازنة على فرضيات غير واقعية. كما افتقدت توجهاً استراتيجياً يفضي إلى التغيير التدريجي للمنحى غير المستدام للدين العام ويعالج المشاكل الاجتماعية والاقتصادية الوجودية التي تواجه لبنان.

إن الإجراءات الضريبية المفروضة ستعمّق عدم المساواة في الدخل وتؤدي إلى تراجع فرص النمو. كما أن التقاعس عن لجم الإنفاق غير المجدي ووضع إطار واضح لتمويل القطاع العام سيزيد من مخاطر استدامة المديونية عبر تشجيع مراكمة المتأخرات.

هذه الموازنة هي فرصة ضائعة أخرى. قد تساعد في شراء الوقت ولكنها لا تؤشر عن التزام صادق بالإصلاح الهيكلي. لذا تتسارع الدعوات للفت الأنظار إلى موازنة 2020 لعلها تسعفنا!


 

ديفيد باتر | زميل مشارك في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المعهد الملكي للشؤون الدولية (شاتام هاوس)، ومدير إقليمي سابق للشرق الأوسط لدى وحدة المعلومات التابعة لمجلة الإيكونوميست

قد تساهم موازنة العام 2019 في إبطاء وتيرة ارتفاع الدين العام، الذي شكّل ما نسبته 151 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2018، لكن في حال كان الهدف خفض هذا الدين، لا بدّ من اتخاذ المزيد من التدابير الصارمة. وقد كشف تقرير صدر مطلع تموز/يوليو عن بعثة لصندوق النقد الدولي بشكل واضح عن حجم التحدي الذي تواجهه البلاد. أما في ما يتعلق بطرق خفض نسبة الدين العام فتتمثّل في تحقيق فائض أولي كبير (باستثناء مدفوعات الفوائد)، ومعدلات نمو أعلى للناتج المحلي الإجمالي الحقيقي. وأظهرت الحسابات المالية الأولية عجزاً بنسبة 1.4 في المئة من إجمالي الناتج المحلي في 2018، في حين بلغ العجز الإجمالي 11.4 في المئة. وتَمثَّل الهدف الأول من موازنة العام 2019 في خفض العجز الإجمالي إلى 7.6 في المئة، ما من شأنه أن يكون كافياً لتحقيق فائض أوّلي بسيط. مع ذلك، يعتقد صندوق النقد الدولي أن العجز الإجمالي سيبلغ 9.75 في المئة، مع وجود احتمال ضئيل لتحقيق فائض أوّلي في العام 2020.

على المدى المتوسط، من الضروري توفير فوائض أولية مستدامة تكون ضمن نطاق 4.5 في المئة من أجل إحداث تغيير ملحوظ في الدين العام. ولتحقيق ذلك، لابدّ من تثبيت العديد من التدابير التي تمّ اتّخاذها في موازنة العام 2019، مثل رفع معدل الضريبة على إيرادات الفوائد، خارج إطارها الزمني المحدد بثلاث سنوات، ناهيك عن ضرورة بذل جهود أكثر تشدّداً لزيادة الإيرادات الضريبية. في هذا الإطار، يذكر صندوق النقد أمثلة صارخة كإلغاء الإعفاءات الضريبية على اليخوت وعلى الديزل المخصص لمولدات الكهرباء. من شأن خطة مالية متوسطة الأمد وذات مصداقية أن تساهم في تحرير أموال واستثمارات الجهات المانحة ضمن الحزمة التي تبلغ قيمتها 11 مليار دولار والتي وُعد بها لبنان لدعمه في مؤتمر سيدر في نيسان/أبريل 2018، ما سيشكّل حافزاً لتحقيق نمو أعلى في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي.


 

باسم الشاب | نائب سابق في البرلمان اللبناني

أقرّ لبنان موازنة العام 2019 بعد مداولات كثيرة. وتحقق الخفض الحاد في العجز من خلال تقليص الإنفاق وزيادة الإيرادات عبر فرض ضرائب، لكن قد يثبت أن هذه الأخيرة بعيدة المنال نظراً إلى الركود الحاد الذي تعاني منه البلاد. وبالتالي، لن يؤدي فرض ضرائب أعلى ومعدلات فائدة مرتفعة شكلياً سوى إلى مضاعفة الانكماش الاقتصادي، ما يقلّل حجم الإيرادات المتوقّعة. كما من غير الممكن تبرير مثل هذه التدابير شديدة الصرامة إلا على ضوء الضخّ الهائل المتوقّع للنقد، على غرار الأموال الموعود بها في مؤتمر سيدر في نيسان/أبريل 2018، وهو ما لوحِظ أيضاً في الأزمة اليونانية. لكن في ظل غياب هذا الضخّ النقدي، تُعتبر الموازنة وصفة لكساد اقتصادي حاد. كما تتضّح القيود السياسية في محدودية الإصلاحات الهيكلية. أما العامل الأكثر إثارة للقلق فيتمثّل في أن الضغوط التضخمية ستُلغي أي إمكانية للحفاظ على سعر الصرف الحالي وستدفع الاقتصاد الذي يدور في دوامة تنازلية نحو مزيج قاتل من الركود والتضخم. بأي حال، يمكن القول إن موازنة العام 2020 ستكون بمثابة فرضة ثانية. حظاً موفقاً.