تهتزّ الجزائر، منذ ستة أشهر، على وقع الاحتجاجات السلمية الحاشدة، حيث يتظاهر ملايين الأشخاص كل يوم جمعة للمطالبة برحيل فلول نظام الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة وإصلاح المنظومة السياسية.

بيد أن عاملَين اثنين يحولان دون إحراز تقدّم. فـالجيش الذي يُعتبَر معقل النفوذ الحقيقي في البلاد، يُصرّ على إجراء الانتخابات في ظل الظروف الراهنة، من دون أن ينجح في طمأنة المحتجّين بشأن نيّته تغيير المنظومة. في الوقت نفسه، عجز المحتجّون عن تعيين ممثّلين عنهم أو وسطاء يستطيعون التحدّث باسمهم وإعداد مطالب واقعية.

يبدو أن البلاد وصلت إلى طريق مسدود على الصعيد السياسي، إذ أُلغيَت الانتخابات الرئاسية مرتَين في غضون أربعة أشهر. ويُعتبر هذا التعطيل مُقلقاً على ضوء الأزمة الاقتصادية التي تلوح في الأفق والتي تُضيف مزيداً من التعقيد إلى وضع معقّد أساساً. وعلى الرغم من أن الحركة الاحتجاجية رفعت مطالب سياسية، يبدو تمدّد هذه المطالب نحو الاقتصاد مسألة وقت ليس إلّا. وسيواجه قادة المستقبل تحدّيات مالية خطيرة في البلاد التي تعتمد على الطاقة منذ عقود، وتمتلك منظومة اقتصادية متزعزعة بصورة مطّردة بسبب عدم قدرتها على تنويع الاقتصاد.

إن بنية الاقتصاد الجزائري هشّة بشكل خاص. فهي قائمة على الريع وتعتمد على تصدير المواد الهيدروكربونية، وتحديداً النفط والغاز الطبيعي، التي تشكّل 95 في المئة من إيرادات الصادرات، و40 في المئة من عائدات الموازنة، و30 في المئة من إجمالي الناتج المحلي. وحصّة المواد الهيدروكربونية من الإيرادات الحكومية شديدة التقلُّب. ففي العام 2013، عندما كانت أسعار النفط مرتفعة، بلغ متوسط سعر برميل النفط الجزائري 110.8 دولارات وكانت العائدات النفطية تشكّل 65.4 في المئة من الإيرادات الحكومية. وقد سجّلت هذه الحصة تراجعاً شديداً مع بلوغها 33.6 في المئة في العام 2016، عندما تراجع متوسط سعر برميل النفط إلى 36.60 دولاراً. منذ ذلك الحين، ومع ارتفاع متوسط سعر البرميل إلى 71.50 دولاراً، سجّلت الإيرادات النفطية زيادة مطّردة تجاوزت 40 في المئة من الإيرادات الحكومية في العام 2018. وكي تتمكّن البلاد من إرساء توازن في موازنتها للعام 2019، يجب أن يبلغ سعر برميل النفط 116 دولاراً.

في تشرين الأول/أكتوبر 2017، بدأت الحكومة بسكّ النقود لتمويل عجوزات الموازنة. وأتاح هذا الإجراء غير التقليدي الحصول على مبلغ قدره 56 مليار دولار، منه 8.5 مليارات دولار جُمِعَت في كانون الثاني/يناير 2019، ويُمثّل المبلغ 30 في المئة من إجمالي الناتج المحلي للعام 2018. وهكذا تمكّنت الحكومة من الوفاء بالتزاماتها الداخلية عبر تسديد الأموال لدائنيها، بما في ذلك شركات الإنشاءات والأشغال العامة، ما أتاح الحفاظ على مستوى معيّن من النشاط والعمل. لكن هذا الإجراء تسبّب أيضاً بزيادة التضخم، إذ بلغت نسبته 4.3 في المئة في العام 2018 وفقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي، وتُشير التوقّعات إلى أن هذه النسبة سترتفع إلى 5.6 في المئة في العام 2019.

تجنّباً لذلك، قرّرت الحكومة الجديدة، في حزيران/يونيو 2019، تعليق سك النقود في الفترة المتبقّية من العام الجاري، لكنها احتفظت بإمكانية استخدام هذه الوسيلة وفقاً لمندرجات القانون حتى العام 2022. وقد أخذ بنك الجزائر على عاتقه مهمة تعقيم السيولة، أي سحب السيولة الزائدة الناجمة عن سك النقود، عند الاقتضاء.

ورد في تقرير صادر عن صندوق النقد الدولي في حزيران/يونيو 2018 أن الوضع الاقتصادي في الجزائر يشهد تدهوراً حتمياً. قد يكون النمو إيجابياً في قطاع المواد غير الهيدروكربونية، بيد أنه لم يتجاوز 2.2 في المئة في العام 2017، ويبدو أنه وصل إلى ذروته عندما بلغ 4 في المئة في العام 2018. ويسجّل معدّل نمو إجمالي الناتج المحلي مستوى أدنى نتيجة التراجع في إنتاج المواد الهيدروكربونية. وبلغ متوسّط هذا النمو 3.5 في المئة من 2001 إلى 2017، ثم بلغ أدنى مستوياته في الربع الأخير من العام 2017، عندما سجّل نسبة سلبية هي - 0.4 في المئة، قبل أن يرتفع مجدّداً إلى 1.2 في المئة في الربع الأخير من عام 2018.

ويُشير التقرير نفسه إلى ارتفاع البطالة على نحو مطّرد. ففي أيلول/سبتمبر 2017، قُدِّرت نسبة البطالة بـ11.7 في المئة، مقارنةً بـ10.5 في المئة في الفترة نفسها من العام السابق. وتطال البطالة الشباب بصورة خاصة، مع بلوغها لدى الفئة العمرية 15-24 عاماً نسبة 28.3 في المئة عند الذكور و20.7 في المئة عند الإناث.

ومصدر القلق الأكبر هو التراجع السريع في احتياطي العملات الأجنبية. فقد جمعت الجزائر، بسبب ارتفاع أسعار النفط بين 2003 و2013، احتياطياً كبيراً من العملات الأجنبية، ماجعلها تحتل المرتبة الثامنة عالمياً في هذا المجال، مع بلوغ الاحتياطي 193.6 مليار دولار في العام 2014. ولكن البلاد تلقّت صفعة بفعل تدهور أسعار النفط في منتصف ذلك العام، لذا لم يعد أمام الحكومة سوى خيارات محدودة، فاستخدمت الاحتياطي لتنفيذ مشاريع عامة وتقديم إعانات مالية سخيّة. فوفقاً لبنك الجزائر، بلغ الاحتياطي 79.9 مليار دولار في أواخر كانون الأول/ديسمبر 2018، مقارنةً مع 97.3 مليار دولار في أواخر عام 2017، أي إنه سجّل انخفاضاً سنوياً بواقع 17.4 مليار دولار. تتواصل هذه النزعة مع تراجع الاحتياطي إلى 72.6 مليار دولار بحلول أواخر نيسان/أبريل. وتُشير توقعات صندوق النقد الدولي إلى أنه قد ينخفض إلى 64 مليار دولار في أواخر العام 2019، ليصل في نهاية المطاف إلى 47.8 مليار دولار بحلول أواخر 2020.

نتيجةً لهذا التراجع السريع في احتياطي العملات الأجنبية، غالب الظن أن الاحتياطي المتبقّي في نهاية هذا العام يكفي لتغطية تكاليف الواردات لمدّة ثلاثة عشر شهراً. وبما أن الجزائر تستورد 70 في المئة من المنتجات التي تستهلكها، سوف تترتب عن ذلك تداعيات اجتماعية مهمة.

لقد أظهرت أزمة الديون الجزائرية في العام 1986 ثم في العام 1994، طبيعة الصعوبات التي ستواجهها القيادة. في ذلك الوقت، شكّل تمويل استيراد السلع الأساسية لتلبية حاجات 21 مليون جزائري، تحدّياً عسيراً كاد يتعذّر تخطيه. لذا، السؤال المطروح هو: ماذا سيحدث في العام 2021، مع بلوغ عدد الجزائريين 44 مليون نسمة؟ ينبغي أن يُشكّل تطبيق خطة طوارئ الخطوة الأولى قبل اتخاذ إجراءات هيكلية. وبغية تحقيق ذلك، من الضروري التوصل إلى تسوية للأزمة السياسية الراهنة، وإجراء نقاش مفتوح بشأن التحديات التي ستواجهها البلاد في السنوات المقبلة.

يجب أن تُركّز جميع الجهود الهادفة إلى إعادة توجيه الاقتصاد وزيادة الإنتاجية، على الشباب الذين يُشكّلون المورد الأهم في الجزائر. فالشباب هم الذين يقودون الحراك الاحتجاجي منذ انطلاقته، وإذا لم تتسنَّ لهم فرصة المشاركة في الحياة السياسية ومساعدة البلاد على خوض انتقال ديمقراطي أمتن، فقد يشتدّ امتعاضهم حيال قادتهم ويتسبب بتقويض الاستقرار الوطني.