توفّي الأسبوع الماضي الباجي قايد السبسي، أول رئيس تونسي انتُخب بشكل ديمقراطي في أعقاب ثورة 2010–2011، وكان لايزال في منصبه. بيد أن وفاته لم تشعل جذوة الاضطراب في البلاد، ولم يلفّ الغموض مصير تونس، بل حدث بكل بساطة ما يجب أن يحدث في أي نظام مستقرّ، أي تم تداول سلمي للسلطة، وفقاً للإجراءات المعمول بها والمنصوص عليها في الوثيقة الدستورية التي تحظى بتأييد الغالبية الساحقة من التونسيين.

في الكثير من الدول الغربية، بتنا نعتبر هذا النوع من العمليات الانتقالية من المسلّمات، لكن لا يجب علينا الوقوع في هذا الفخ. فقد شكّل هذا الحدث في العالم العربي خير دليل على أن الثورة التونسية مستمرّة على قدم وساق. لكن فيما تمسي ثورة 2010–2011 شيئاً فشيئاً ذكرى قديمة، في ظل تحدي الحفاظ على الحوكمة الرشيدة، تبرز قضايا أخرى ينبغي أخذها في الاعتبار، من ضمنها مسألة التعددية السياسية وكيفية تطبيقها على الإسلاميين السياسيين.

قبل بضع سنوات، كانت وفاة الرئيس التونسي لتولّد حالة شديدة من اللايقين والارتياب حول مصير الاستقرار في البلاد. فالقضايا البنيوية التي تواجهها تونس تسهم في إرساء نظام عاجز عن مواكبة النمو السكاني المطّرد على نحو فعّال، ولاسيما أن البلاد بحاجة إلى إجراء سلسلة من الإصلاحات من خلال إرخاء القيود التنظيمية والعملاتية، وتعيين مسؤولين يضعون مكافحة الفساد في صُلب أولوياتهم، وتعزيز قدرة المواطنين على الحصول على تمويل، وغيرها من الإجراءات الأخرى. يُشار إلى أن غالبية سكان تونس هم ما دون الـ35 عاماً من العمر، وأن متوسّط الأعمار آخذٌ في التدنّي. وهذا يعني أنه بات من الضروري خلق فرص عمل جديدة على جناح السرعة. في غضون ذلك، لايزال العنف الناجم عن التطرّف الإسلامي يطرح تهديداً على مستقبل البلاد. كل هذه العوامل كانت لتشكّل مدعاة للقلق في السابق، ولاسيما إذا ترافقت مع احتمال نشوب صراع حول من سيتولّى سُدة الحكم في البلاد.

كان سينطوي بعض هذه المخاوف على اعتبارات محلية، فيما يرتبط بعضها الآخر بعوامل خارجية، وهذا مزيجٌ قد يؤثّر ليس في تونس وحسب، بل في دول أخرى أيضاً. فقد شهدت السنوات الأخيرة انخراط أطراف خارجية عدة في المساعي الرامية إلى رسم معالم مستقبل دول غير دولها، من ضمنها دول مجلس التعاون الخليجي، مثل السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة، إضافةً إلى دول أقرب إلى تونس نوعاً ما، مثل تركيا.

لا يكفي إذاً أن تكون تونس دولة "غير سلطوية" كي يُكتب الاستمرار لتجربتها في مجال الحوكمة الرشيدة، بل ينبغي أيضاً أن تكون الجهات الأقوى في البلاد مناهِضة للسلطوية على نحو نَشِط وحازم. وهذا يتطلّب ترسيخ الحوكمة الرشيدة وتحسينها، لأن هذا الطموح لا يمكن أن يكون معزولاً عن محيطه، بل هو قائمٌ على الرغم من المعارضة التي يلقاها داخل تونس وخارجها على حدٍّ سواء.

إنها تجربةٌ شاقّةٌ بالفعل، بيد أنها السبيل الأفضل لتتمكن تونس من المضي قدماً، كما أنها تُعدّ نموذجاً أكثر استقراراً بكثير من أي نموذج سُلطوي قد يُطرح كبديلٍ للبلاد. وهذا ما أظهرته مراسم جنازة السبسي الأسبوع الماضي. ففي ظل نظام سلطوي، أي عملية انتقال للسلطة سيتخلّلها قدرٌ كبير من الخوف والارتياب، إضافةً إلى احتمال زعزعة الاستقرار. أما في النظام التونسي، فلم يحدث أيٌّ من ذلك.

بل ذهب البعض أبعد من ذلك بعد. فقد سار نائب رئيس حركة النهضة الإسلامية عبد الفتّاح مورو خلف جنازة السبسي، مُسلّطاً الضوء من خلال خطوته الحريصة هذه على أهمية احترام كرامة الخصوم السياسيين وصونها في ظل نظام مثل النظام التونسي. كثرٌ في تونس يستحقّون التقدير لالتزامهم بإرساء نظام جديد لاسُلطوي، لكن ينبغي التذكير مجدّداً بأنه لا يجوز اعتبار ذلك من المسلّمات.

يمكن المجادلة بأنه لا يمكن أبداً التسليم بهذا الأمر، لأن القوى الشعبوية على سبيل المثال أثّرت في المؤسسات الديمقراطية وأضعفتها في دول عدة، كما حدث في المملكة المتحدة حيث طرح بعض السياسيين "تأجيل إجراءات البرلمان"، أو بعبارة أخرى إسكاته من أجل تمرير نسخة متطرّفة من اتفاق "بريكزت". وثمة الكثير من الأمثلة الأخرى في الدول الغربية الديمقراطية، ويبدو هذا المنحى مثيراً للقلق في وقتٍ نشهد بروز أقطاب بديلة تستعرض قوّتها في المشهد الدولي، على غرار الصين. ترانا إذاً في خضم عملية إعادة اصطفاف تاريخية تخوض فيها السلطوية تحوّلاً جذرياً. وينبغي أن نعي ما يحدث جيّداً.

على الرغم من ذلك، نجحت تونس في الصمود طيلة تسع سنوات، وأمامها فرصة كبيرة في الحفاظ على صمودها. في غضون ذلك، أفصح الإسلاميون المعتدلون في حركة النهضة أنهم قد يسلكون مساراً جديداً. وقبل بضع سنوات، أعلن الحزب السياسي انفصاله عن الحركة الإسلامية، مصوّراً نفسه على أنه حزبٌ "للمسلمين الديمقراطيين"، شبيهٌ بالمسيحيين الديمقراطيين في ألمانيا، إنما في إطار إسلامي. يُشار إلى أن حركة النهضة هي ربما الأكثر اعتدالاً من بين كل حركات الإسلام السياسي في العالم، ناهيك عن أنها ملتزمة جدّاً في إنجاح الثورة التونسية، أكثر بكثير من نظرائها غير الإسلاميين. مع ذلك، يبقى المعيار الذي تعتمده تقييمها الخاص لما يجيزه الإسلام وما يحرّمه، وبالتالي لايزال الدين مهمّاً بالنسبة إليها. لكن، قد يصبّ هذا الأمر أيضاً في صالح تونس، إذا ما نجحت النهضة في إظهار أن انخراط الدين في السياسة لا يشكّل بالضرورة مسألة خلافية.

لقد أشبعت النهضة المشهد السياسي التي تعمل فيه درساً وتمحيصاً، وحرصت على عدم إحداث صدمة في النظام دُفعة واحدة. وقد تفادت ذلك من خلال وضع قيود على السلطات التي يمكن أن تمارسها في المؤسسات المُنتخبة، إذ آثرت الحفاظ على ديمومة التجربة الديمقراطية في تونس، على حساب مصالحها الحزبية قصيرة الأجل.

لكن الآن، وبعد تسع سنوات، قد تعتبر النهضة أن ديمومة هذه التجربة لم تعد مثار شك، كما كانت سابقاً. فقد أعلن زعيم النهضة راشد الغنوشي في مقابلة مع موقع بلومبرغ أنه (أو أي مسؤول بارز آخر في النهضة) ربما سيترشّح إلى الرئاسة في حال لم يتم التوصّل إلى اتفاق حول تقاسم السلطة مع رئيس الحكومة الحالي. وفي 6 آب/أغسطس، أعلنت حركة النهضة ترشيح عبد الفتّاح مورو لخوض الانتخابات الرئاسية عقب اجتماع لمجلس شورى الحركة. تُعدّ هذه الخطوة تغييراً عن النهج السابق وامتحاناً للتجربة التونسية، ليس لأن تقديم مرشّح من النهضة يضعف في حدّ ذاته التجربة الديمقراطية، بل لأن هذا الترشّح قد يدفع آخرين إلى شنّ هجوم على المنظومة السياسية انطلاقاً من رغبتهم في منع النهضة من الوصول إلى سُدة الرئاسة.

ينبغي ألّا يستخفّ أحدٌ بكل ما حقّقته تونس حتى الآن. صحيحٌ أن البلاد تعاني مشاكل عدة، وأن الوضع ليس مثالياً، لكن التجربة الديمقراطية الراهنة تبقى إنجازاً عظيماً للشعب التونسي، والمنطقة، وأرجاء أخرى من العالم. وحُريٌّ بنا جميعاً استقاء الدروس من التجربة التونسية.