جمانة قدور | طالبة دكتوراه في مركز القانون في جامعة جورجتاون، شاركت في تأسيس منظمة "​سوريا للإغاثة والتنمية"

منذ اتّساع نفوذ هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً، وفرع تنظيم القاعدة في سورية) في إدلب في كانون الثاني/يناير 2019، ضعفت بشكل كبير قدرة المعارضة المسلّحة على تقديم قوة بديلة، مثل تعبئة المجتمع المدني ضدّ هذه المجموعة. أسفر القصف المتواصل الذي تتعرّض له إدلب منذ نيسان/أبريل الماضي على يد النظام السوري والقوات الروسية، على الرغم من أن اتفاق سوتشي نصّ على خفض التصعيد، عن تخبُّط المعارضة المسلّحة من أجل البقاء، ما عطّل بشكل إضافي قدرتها على تركيز جهودها لإضعاف هيئة تحرير الشام. مثل هذه الخطوة تبدو مستحيلةً راهناً، ولاسيما في ظل غياب أي مساعدة جديّة من تركيا. فالتصدّي عسكرياً واجتماعياً إلى هيئة تحرير الشام سيكون أشبه بمهمة مستعصية، ما لم يلتزم النظام السوري وروسيا فوراً بوقف إطلاق النار. بيد أن التجارب السابقة تُظهر أن النظام لا يلتزم بأي وقف لإطلاق النار. إضافةً إلى ذلك، لم يتمّ الإعلان عن نتيجة المحادثات المستمرة بين روسيا وتركيا والولايات المتحدة، ومن غير الواضح إلى أي مدى سيواصل النظام، الذي ازداد الآن جرأةً، الضغط شمالاً قبل أن يُجبَر على الالتزام بوقف مؤقت لإطلاق النار.

كذلك، لا يُنذر هذا التصعيد الأخير بالخير لمستقبل المسار السياسي. فالسوريون المعارضون للنظام يشكّكون عن حقّ في أن تشكيل لجنة دستورية سيدفع النظام إلى تقديم أي نوع من التنازلات، فيما يعمد إلى قصف آخر معاقل المعارضة لإلحاق الهزيمة بها. علاوةً على ذلك، بلغ حجم الكارثة الإنسانية أبعاداً غير مسبوقة في سورية. فمنذ نيسان/أبريل، أصبح عدد النازحين داخلياً 600 ألف شخص. تجدر الإشارة هنا إلى أن ما من منظمة إنسانية، بما فيها الأمم المتحدة، قادرة مالياً أو لوجستياً على احتواء الكارثة وسط زحف المدنيين شمالاً. وفي غضون خمسة أشهر، ارتفعت أسعار المساكن النادرة بواقع أربعة أضعاف، لتصل تقريباً إلى 400 دولار أميركي شهرياً للشقة الواحدة. نتيجةً لذلك، يعيش العديد من النازحين تحت الأشجار في فصل الصيف الحار. إضافةً إلى ذلك، تمّ تدمير أكثر من 40 مركزاً صحياً، بما في ذلك المستشفى التابع لمنظمتي في حاس، و50 مدرسة، و29 شبكة مياه، وسُوِّيت 17 قرية بالأرض. أما مرافق المياه الصالحة للشرب والصرف الصحي فشحيحة والأمراض متفشية في كل مكان.


 

صبحي حديدي | ناقد أدبي وكاتب ومترجم سوري

لم يفاجئني توغّل قوات النظام في خان شيخون، بل المفاجئ أنالوصول إلى المدينة استغرقها ثلاثة أشهر، وتطلّب الأمر انخراطاً مباشراً من مرتزقة روس وحزب الله وعدداً من الميليشيات الشيعية.

اضطرّت موسكو، لقلب موازين المعركة، إلى إشراك إيران في الهجوم، ما سيُدخل جزئياً الحرس الثوري الإيراني كلاعب جديد في معادلة إدلب، ويخالف ما تم الاتفاق بشأنه في الاجتماع الأمني الثلاثي الذي عُقد في القدس بين الولايات المتحدة وإسرائيل وروسيا في حزيران/يونيو الماضي. سيعزّز هذا الأمر أيضاً نفوذ ماهر الأسد المدعوم من إيران، والفرقة الرابعة التي يقودها، على حساب سهيل الحسن المدعوم من روسيا وقوات النمر التي يقودها، وهو أمر يزعج موسكو.

نظراً إلى أن معظم مكاسب النظام تحقّقت من خلال سلسلة انسحابات نفّذها الثوار، سيتّضح أن المعارك المُقبلة للسيطرة على مدن كبرى مثل جسر الشغور ومعرّة النعمان وسراقب وأريحا وكفرنبل أكثر تعقيداً بكثير. هذا يعني أن الكرملين سيحتاج إلى إبرام عدد أكبر من الصفقات مع أنقرة، وهذا ما جرى على الأرجح خلال الزيارة التي أجراها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى موسكو هذا الأسبوع. أما أبو محمد الجولاني، قائد هيئة تحرير الشام، فقد يواصل خيانة المقاتلين الحقيقيين على الجبهات، أو يبقى متمسّكاً بخيار شمشون الذي يقضي بإلقاء أوراقه كافة لإعلان معركة الساحل الكبرى على القرداحة وحميميم وجبلة واللاذقية.


 

إبراهيم حميدي | محرّر دبلوماسي بارز يغطّي الشؤون السورية في صحيفة الشرق الأوسط في لندن

للعبة أكبر من إدلب. في "مثلث الشمال" الذي يضم إدلب وأرياف حلب واللاذقية وحماة، تتداخل عوامل عدة لم تكن موجودة في مناطق "خفض التصعيد" الأخرى. فثمة عمق وخطوط إمداد ترتبط بتركيا، على عكس ما كان عليه الحال في غوطة دمشق. يُضاف إلى ذلك أن تركيا لم تتخلّ في شكل كامل عن المعارضة، كما فعلت الدول الداعمة للجبهة الجنوبية في الجيش السوري الحر.

وثمة أيضاً روابط إيديولوجية بين فصائل إسلامية معارضة وبين حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم. ويختلف "مثلث الشمال" عن غيره في أنه قريبٌ جغرافياً من القاعدتين الروسيتين في اللاذقية وطرطوس، إضافةً إلى أنه قريبٌ جغرافياً من الحاضنة الطائفية للنظام. هذا "المثلث" يضم ثلاثة ملايين شخص، بينهم آلاف من المقاتلين الذين هُجِّروا من مناطق أخرى، ويتألفون من معتدلين وسلفيين ومتشددين، بينهم بضعة آلاف من المقاتلين الأجانب الذي ينتمون إلى تنظيم القاعدة، والمصنّفين بحسب قرارات مجلس الأمن على أنهم "إرهابيون". وكان بعضهم قد هدّد بتنفيذ عمليات إرهابية ضد الولايات المتحدة والغرب.

هذه العوامل، وأخرى، جعلت مصير إدلب يهمّ تركيا وروسيا والولايات المتحدة وإيران. عملياً، يرتبط مصير إدلب بالتفاهمات والصراعات الإقليمية والدولية. ترتيبات شمال غرب سورية رهنٌ بمستقبل شمالها الشرقي. التفاهم بين الولايات المتحدة وتركيا إزاء مصير الأكراد شرق الفرات سينعكس على تفاهمات تركيا وروسيا حول إدلب.

مصير إدلب مرتبط أيضاً بتطور العلاقات بين موسكو وأنقرة، وصفقة شراء تركيا منظومة "إس 400" الدفاعية من روسيا، وتأثير ذلك على منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) والعلاقة بين واشنطن وأنقرة. ولايمكن نسيان مصير الاتفاق النووي بين إيران والولايات المتحدة وتأثيره على مدى انخراط طهران في معركة تزعج أنقرة، لأن إيران لا تريد أن تعادي تركيا، التي تساعدها في الالتفاف على العقوبات الأميركية المفروضة عليها. اللعبة أكبر من إدلب.


 

مهنّد الحاج علي | مدير الاتصالات والإعلام وباحث في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، ومؤلّف كتاب بعنوان Nationalism, Transnationalism, and Political Islam: Hizbullah’s Institutional Identity(القومية والرابطة العابرة للقومية والإسلام السياسي – هويّة حزب الله المؤسسية) (Palgrave Macmillan, 2017)

نظراً إلى أن التقدّم السوري-الروسي لم يتم بالتنسيق مع تركيا، ستعمد أنقرة على الأرجح إلى

عرقلة هذا التقدّم، إما عبر إقحام قوى المعارضة السورية المنضوية تحت لواء الجيش الوطني السوري المدعوم من تركيا في المعركة، أو من خلال تزويد المعارضة السورية بأسلحة متطورة. بالنسبة إلى تركيا، أي تقدّم تحرزه قوات النظام السوري قد يؤدّي إلى حدوث موجة كارثية جديدة من اللاجئين السوريين المتدفّقين نحو الأراضي التركية، نظراً إلى أن محافظة إدلب تضم أكثر من ثلاثة ملايين شخص، معظمهم من النازحين داخلياً. انتقل عشرات آلاف النازحين داخلياً إلى إدلب بموجب صفقات الإجلاء التي أُبرمت بين النظام السوري وحلفائه من جهة، وبين قوى المعارضة السورية من جهة أخرى، في محافظتَي دمشق وحلب. إلى أين سيذهب هؤلاء اللاجئون؟ فالمنطقة الآمنة التركية التي أُقيمت في شمال سورية عقب عمليتَي درع الفرات وغصن الزيتون أصبحت مكتظة بالسكان. وواقع أن النظام السوري يتقدّم نحو المناطق الشمالية الخاصعة إلى سيطرة المعارضة يقوّض قدرة تركيا على توسيع المنطقة الآمنة. لذلك، قد يكون من الضروري أن تعزّز تركيا انخراطها لوقف تقدّم النظام.