مكرم عويس هو أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في الجامعة اللبنانية الأميركية، وناشط مدني في مجالات التنمية الديمقراطية وحل النزاعات والقضايا البيئية. عارض على نحو نَشِط السياسات التي انتهجتها الحكومة في إدارة ملف النفايات، ولاسيما الخطط الرامية إلى إنشاء محارق في جميع المناطق اللبنانية. أجرت "ديوان" مقابلة مع عويس في أواخر آب/أغسطس، فيما يلوح في الأفق شبح اندلاع أزمة نفايات جديدة شبيهة بأزمة العام 2015. يرى عويس أن الطبقة السياسية في لبنان غير آبهة بإيجاد الطريقة المُثلى لإدارة ملف النفايات. فالخطط الراهنة، التي لاتزال تنطوي على إنشاء مطامر ومحارق، ستولّد أرباحاً كبرى لمختلف الأفرقاء، وتوفّر الكثير من الفرص للمحسوبيات السياسية ودهاليز الفساد. وسيعني ذلك خسارة موارد ثمينة ويؤدّي إلى تأثيرات خطيرة على الصحة العامة.

مايكل يونغ: ماذا يمكنك أن تخبرنا حول عملك مع الائتلاف المعارض لإنشاء محرق للنفايات قرب بيروت؟

مكرم عويس: تعاونت على مدى السنوات السبع الأخيرة بشكلٍ وثيق مع ائتلافين يعارضان إقامة محارق في بيروت خصوصاً، وسائر الأراضي اللبنانية عموماً، كوسيلة لمعالجة النفايات الصلبة للبلديات، وهما: الحركة البيئية اللبنانية وائتلاف إدارة النفايات.

تأسست الحركة البيئية اللبنانية في العام 2012 كائتلاف يضم أكثر من 60 منظمة غير حكومية تعمل في أرجاء لبنان كافة، وتدعو إلى حماية البيئة من خلال إطلاق حملات توعية ومناصرة، وممارسة الضغط على السلطات، واقتراح تشريعات. اما ائتلاف إدارة النفايات الذي تأسس في العام 2016، فهو يضم مجموعة من المواطنين-الناشطين المهتمّين خصوصاً بمعالجة النفايات الصلبة، ويتّبع استراتيجيات المناصرة نفسها التي تتّبعها الحركة البيئية اللبنانية. يؤمن الائتلافان بمبدأ الاقتصاد الدائري، الذي يشجّع على تقليل المخلّفات، وترشيد استهلاك الموارد، وتخفيض إنتاج النفايات، وإعادة التدوير، والحفاظ على قيمة المواد لأطول فترة ممكنة.

منذ انطلاق حملة "طلعت ريحتكم" وحراك المجتمع المدني ضد سوء إدارة الحكومة لملف النفايات في العام 2015، لعبت الحركة البيئية اللبنانية دوراً بارزاً في تقديم اقتراحات متعلّقة بفرز النفايات ومعالجتها إلى السياسيين، مُستفيدةً من وجود مرافق لفرز النفايات وتحويلها إلى أسمدة، وإن لم تكن مستغلّة كما ينبغي، ودعت إلى توعية البلديات والمواطنين أكثر فأكثر حيال هذه العملية، وتعزيز انخراطهم فيها. ركّزت مقاربة ائتلاف إدارة النفايات على طرح طرق بديلة لمعالجة النفايات، مسلّطاً الضوء على التأثيرات البيئية والصحية الكارثية الناجمة عن حرق النفايات ورمي أكوامها على الشاطئ، ومشدّداً بشكل خاص على الطابع غير المستدام لعملية الحرق. كذلك، وفّر ائتلاف إدارة النفايات المشورة القانونية والمساعدة التقنية إلى النواب والمجالس البلدية.

يونغ: نسمع عن أن السلطات اللبنانية قد تعمد إلى إشعال إوار أزمة نفايات جديدة، بهدف دفع الناس إلى الموافقة على إنشاء محارق ضخمة للتخلّص من النفايات، الأمر الذي عارضه ناشطون كُثر، ومن بينهم أنت، باعتباره يشكّل خطراً على البيئة. هل يمكنك أن تشرح لنا حيثيات هذا السيناريو؟

عويس: أدّى إقفال مطمر الناعمة في العام 2015، والذي كان وجهة معظم نفايات بيروت وجبل لبنان غير المُفرزة بغالبيتها، إلى أزمة نفايات لم تتمكن الحكومة من حلّها عبر إنشاء مطامر، وذلك بسبب الاحتجاجات التي عمّت أرجاء البلاد. وفي ظل غياب حلول بديلة في جعبة الحكومة، اتُّخذ قرار بأن يوضع على الطاولة مجدّداً خيار إقامة محارق عدة في أرجاء البلاد. قد يتم على الأرجح إنشاء المحارق في المناطق وفقاً للخطوط السياسية-الطائفية، بما يصب في صالح النخب السياسية وشركائها من رجال الأعمال في كل منطقة، وسيتطلّب بناؤها من أربعة إلى خمسة أعوام، ويكلّف كل معمل حوالى 300 مليون دولار، ويتوقّع أن تخدم هذه المحارق لمدة تفوق 20 عاماً.

في وجه الاعتراضات المتواصلة من المجتمع المدني وتوصيات الخبراء، قبلت الحكومة على مضض باعتماد مبدأ اللامركزية في معالجة النفايات الصلبة في العام 2016، وأُعيد التأكيد على ذلك بموجب القرار الصادر في العام 2018. وهذا يعني ترك الخيار للبلديات بأن تقرّر كيفية إدارة نفاياتها واقتراح الخطط التي تتوافق مع ذلك. لكن هذه الخطوة لم تترافق مع إطار عمل واضح يتضمن توجيهات للبلديات، تحدّد لها كيفية اعتماد آليات معالجة مستدامة للنفايات، ولاسيما أن البلديات تفتقر إلى الخبرة في هذا المجال. مع ذلك، أصرّت الحكومة المركزية على إدراج حرق النفايات ضمن استراتيجيتها للمديَين المتوسط والطويل، وبدأت بإنشاء مكبّات للنفايات على طول الشاطئ كجزء من مشاريع عقارية مُدرّة لأرباح طائلة في ثلاث مناطق (نظراً إلى أن مواقع النفايات يمكن تحويلها إلى أراضٍ مربحة)، وقد وافق على ذلك السياسيون المحليون. تُعتبر هذه الخطوة انتهاكاً لاتفاقية برشلونة للعام 1976 بشأن حماية البحر الأبيض المتوسط من التلوث، التي يُفترض أن يمتثل إليها القانون اللبناني.

اليوم، تكاد المطامر الثلاثة الرابضة على الشاطئ، وهي الكوستا برافا وبرج حمود والجديدة، تبلغ قدرتها الاستيعابية، ولم يتم بعد التوصّل إلى حل مستدام يُمكن تطبيقه لإدارة النفايات. ونظراً إلى أن أكثر من 70 في المئة من أهالي بيروت يعارضون إقامة المحارق، وفقاً لاستطلاع حديث، قد يتيح تكديس النفايات في الشوارع لبضعة أسابيع المجالَ أمام السياسيين وشركائهم من رجال الأعمال لفرض الأمر الواقع المتمثّل في توسيع مطامر النفايات أو إنشاء مطامر جديدة مخالفة للقانون ومُدرّة للربح على طول البحر، فيما يتم المضي قدماً باستراتيجية إنشاء المحارق.

يونغ: ما المخاطر التي تطرحها محارق النفايات؟ أليست قائمة من دون مشاكل في دول أكثر تقدّماً؟

عويس: يتعارض حرق النفايات مع التوجهات الحديثة في إدارة النفايات، استناداً إلى مبدأي الاقتصاد الدائري وتقليص إنتاج النفايات إلى حدّه الأدنى (صفر نفايات). ونظراً إلى تدنّي وتيرة معالجة النفايات راهناً، قد يؤدي حرق النفايات إلى خسارة موارد طبيعية يحتاج إليها بشدّة قطاع إعادة التدوير اللبناني. علاوةً على ذلك، وبالنظر إلى القيمة الحرارية المنخفضة للنفايات في لبنان (إذ إن أكثر من 50 في المئة وحتى 63 في المئة من النفايات في بيروت عضوية)، لا بدّ من استعمال الوقود بتكلفة إضافية لحرق هذه المكونات التي يتمّ عادةً تحويلها إلى أسمدة واستخدامها في الزراعة. كما ينتج عنها الرماد، بنوعيه المتطاير السام والسفلي، الذي يجب جمعه ومعالجته وطمره في مطامر متخصصة. يرى البنك الدولي وخبراء محليون أن لبنان لا يمتلك القاعدة التكنولوجية الضرورية لمعالجة مثل هذه المواد السامة جدّاً أو التخلّص منها بشكل ملائم.

في هذا الإطار، ثمة عامل أساسي آخر مثير القلق وهو تأثير حرق النفايات على الصحة. فقد تجاوز معدّل تلوّث الهواء في بيروت والعديد من المدن اللبنانية الأخرى المستويات العالمية المقبولة. ومن شأن المحارق أن تفاقم تردّي نوعية الهواء، وتؤثّر بشكل سلبي ومباشر على الصحة العامة في المدى الطويل. ولمن يعتقد أن الحكومة ستتطرّق إلى هذه المشكلة، يُشار إلى إنه لغاية الآن، كانت قدرتها على مراقبة مستويات التلوّث والانبعاثات، ناهيك عن محاولة تحسين نوعية الهواء، شبه معدومة.

يونغ: ما احتمالات إقامة محرقة نفايات فعلياً في ضاحية بيروت الشرقية، نظراً إلى أن الكثير من اللبنانيين خائفون من المخاطر الصحية الناجمة عنها؟

عويس: نتيجةً لاستمرار سوء الإدارة والفساد الحكوميين في هذا القطاع، ازداد بشكل ملحوظ فقدان ثقة المواطنين بالقرارات الحكومية، ما حثّ بعض المسؤولين على الدعوة إلى استخدام القوة في وجه الأهالي الرافضين للمطامر والمحارق في مناطقهم. وحتى يومنا هذا، أدّت هذه الإجراءات إلى اندلاع احتجاجات وحتى أعمال عنف. أشكّ في إمكانية نجاح هذه المقاربة، من دون وجود دليل على أن البلاد شرعت بجدية إلى تطبيق استراتيجية مستدامة ولامركزية لمعالجة النفايات، وهو أمر رفضت الحكومة حتى الآن أخذ زمام المبادرة فيه.

يونغ: ما الطريقة الفضلى ليتخلّص لبنان من نفاياته؟

عويس: بناءً على المقاربة اللامركزية المتبنّاة، يتعيّن على كل قضاء معالجة نفاياته الخاصة. لا بدّ من أن تبدأ الحكومة أولاً بإصدار مبادئ توجيهية إلى البلديات تشرح فيها الخطوات المعتمدة لمعالجة مختلف أنواع النفايات (الطبية والمنزلية والصناعية ومخلّفات البناء وغيرها).

ثانياً، يجب عليها أن تحدّد طرقاً لتخفيض إنتاج النفايات من خلال فرض رسوم على منتجات محدّدة أو حظرها، على غرار المنتجات البلاستيكية التي تُستخدم مرة واحدة والأكياس البلاستيكية وغيرها، إضافةً إلى تحديد معايير يجب على المصانع والمتاجر اتّباعها، وتقديم محفّزات لها، وحتى فرض رسوم عليها عند الاقتضاء، بهدف حثّها على إنتاج أو اختيار سلع ومواد تغليف صديقة للبيئة.

ثالثاً، يتعيّن على البلديات استخدام الضرائب في إدارة النفايات، ومطالبة المواطنين بفرز نفاياتهم من المصدر.

رابعاً، يجب جمع النفايات وفق الفئات التي فُرزت على أساسها في شاحنات غير ضاغطة ومعاقبة المخالفين.

خامساً، لا بدّ من فرز النفايات مرة ثانية في مرافق معالجة النفايات لإعادة استخدامها، وإعادة تدويرها، وتحويلها إلى أسمدة، والتخلّص في نهاية المطاف من المواد الخاملة.

سادساً وأخيراً، يمكن تخزين المواد الخاملة في المقالع إلى حين تحديد استخدامات بديلة لها، وقد تسهم أيضاً في إعادة تأهيل المقالع التي شوّهت بشكلٍ كبير مناظر لبنان الطبيعية.

يونغ: هل من استعداد لدى السياسيين للنظر في بدائل عن السياسات المعتمدة راهناً للتخلّص من النفايات. إذا كان الجواب لا، فما السبب؟ ماذا يستفيدون من الوضع القائم؟

عويس: على الرغم من أن وزير البيئة الحالي قدّم مجموعة من التوصيات إلى مجلس الوزراء للبدء بإعادة تدوير النفايات وتحويلها إلى أسمدة، لم يتم بعد تبني هذه التدابير، ما ترك المجال مفتوحاً أمام إقامة المزيد من المطامر والمحارق. في غضون ذلك، أعرب بعض أعضاء بلدية بيروت وحفنة من النواب عن معارضتهم للاستراتيجية المعتمدة راهناً، وقدّموا اقتراحات عدة، من بينها مشاريع قوانين في البرلمان، من أجل تبنّي استراتيجيات صديقة للبيئة في معالجة النفايات.

مع ذلك، لا تزال قوى السلطة تصمّ آذانها عن الحلول الأكثر رفقاً بالبيئة. فهي مصمّمة على الاستفادة من المبلغ الذي خصّصه لإدارة النفايات "المؤتمر الاقتصادي للتنمية من خلال الإصلاحات ومع الشركات" في باريس العام الماضي لمساعدة الاقتصاد اللبناني، والذي يتجاوز المليار دولار. ويسعى السياسيون إلى القيام بذلك من خلال تبنّي التدابير الأكثر كلفة، أو بالأحرى الأكثر ربحاً لهم، والتي ستؤدي على الأرجح إلى هدر موارد ثمينة، والتأثير بشكل كارثي على الصحة العامة في السنوات المقبلة.