في حدثٍ هو الأول من نوعه منذ حرب 2006، استهدف حزب الله يوم الأحد الفائت آلية عسكرية إسرائيلية بصواريخ مضادة للدروع، بعد أسبوع من الهجوم الذي نفّذته إسرائيل بطائرتين مسيّرتين على مبنى يضم المركز الإعلامي لحزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت. سقطت إحدى الطائرتين، وانفجرت الأخرى، لكن الأنباء عن الهدف بقيت متضاربة، على الرغم من أن تقريراً إعلامياً إسرائيلياً ذكر لاحقاً أن إسرائيل استهدفت خلّاطاً صناعياً لإنتاج الوقود الصلب المخصّص لصنع الصواريخ.

في أعقاب هذه الهجمات، توعّد الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله بالرد على هجوم الطائرة المسيّرة انطلاقاً من الأراضي اللبنانية. الآن وقد نفّذ الحزب ردّه، بات بإمكان كلٍّ من الطرفين أن يعتدّ بنجاحه: فالإسرائيليون وفق زعمهم، نجحوا في تدمير معدّات تُعدّ أساسية لقدرة الحزب على إنتاج الصواريخ؛ وبدوره، نجح حزب الله مجدّداً في إثبات قدرته على الردع. لكن المهم أن الطرفين، على الرغم من تسجيل بعض النقاط الانتخابية أمام الرأي العام، لا يريدان على ما يبدو إشعال أتون الحرب، وذلك لأسباب عدة.

لا يمكن قراءة التصعيد الأخير بمعزل عن المواجهة الإقليمية الأوسع بين إيران والولايات المتحدة. فقد بات واضحاً أن إسرائيل تتولى تأجيج المواجهة العسكرية، فيما تعمد واشنطن إلى فرض عقوبات على طهران لتضييق الخناق الاقتصادي والمالي عليها. لذا، رأى حزب الله أن الردّ على هجوم الطائرة المسيّرة ضروري لمنع إسرائيل من تغيير قواعد الاشتباك القائمة معه، ولاسيما على ضوء اتّهامه بتصنيع صواريخ دقيقة التوجيه. إذاً، وعلى الرغم من تبادل إطلاق النار عبر الحدود، يبقى الهمّ الأول للطرفين، في الوقت الراهن على الأقل، رسم معالم المواجهة المُقبلة، وليس التعبئة العامة استعداداً لحربٍ كبرى.

ترافقت هذه الرغبة في تغيير قواعد اللعبة مع توسيع نطاق العقوبات الأميركية المفروضة على إيران وحزب الله منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي مع إيران في أيار/مايو 2018. ففي الأشهر الأخيرة، طالت هذه العقوبات جهاتٍ عدة في إيران، من ضمنها الحرس الثوري وحاكم المصرف المركزي ووزير الخارجية ووكالة الفضاء الإيرانية. وعلى المستوى اللبناني، أدرجت وزارة الخزانة الأميركية على قائمة العقوبات النائبين محمد رعد وأمين شرّي اللذين ينتميان إلى حزب الله، إضافةً إلى مصرف "جمّال ترست بنك" بتهمة تسهيل الأنشطة المالية لحزب الله.

أما إسرائيل، فقد وسّعت بدورها دائرة هجماتها ضد إيران ووكلائها، إذ استهدفت مواقع عدة في العراق ولبنان، واستأنفت شنّ غارات جوية في سورية. وشملت هذه الهجمات قصف مخزن للأسلحة وقواعد عسكرية لجهات مرتبطة بإيران أو وكلائها في العراق، إضافةً إلى موكب تابع لكتائب حزب الله العاملة ضمن قوات الحشد الشعبي في مدينة القائم على الحدود العراقية السورية. كذلك، قصفت إسرائيل موقعاً في سورية زعمت أنه بؤرة تخطيط لإطلاق طائرات مسيّرة مفخّخة إلى داخل إسرائيل، ما أسفر عن مقتل عنصرين من حزب الله.

في غضون ذلك، أطلق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مبادرة لتعويم المسار الدبلوماسي خلال قمة مجموعة الدول السبع، حيث دعا وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إلى بياريتز لإجراء محادثات. وقد أماط حضور ظريف اللثام عن الجهود الدبلوماسية المكثّفة التي تبذلها أوروبا لتخفيف حدة التوتر بين طهران وواشنطن من جهة، وضمان التزام إيران بالاتفاق النووي الذي وُقع في العام 2015.

كان مُلفتاً أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب ألمح في بياريتز إلى إمكانية عقد لقاء مع نظيره الإيراني حسن روحاني. ومع أن هذا الأخير استبعد في مطلع أيلول/سبتمبر احتمال إجراء أي محادثات مباشرة مع واشنطن، ليس خافياً أن طهران ترغب على الأرجح في إحراز بعض التقدّم الدبلوماسي، وأنها تترقّب تحسين آلية التبادل التجاري التي وضعتها المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا لتفادي العقوبات الأميركية المفروضة على النفط الإيراني، والتي باتت موجِعة لإيران. فوفقاً لصندوق النقد الدولي، من المُتوقّع أن يبلغ معدّل التضخم في إيران هذا العام 40 في المئة، وأن ينكمش الاقتصاد بنسبة 6.9 في المئة، مقارنةً مع 3.9 في المئة العام الفائت. في غضون ذلك، تشهد البلاد احتجاجات متفرّقة نتيجة السخط الشعبي الناجم عن تردّي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية.

كما هو متوقّع، لم يبقَ لبنان في منأى عن الهموم الاقتصادية التي تعانيها إيران. فقد أشارت تقارير صحافية عدة إلى أن حزب الله طلب من قاعدته الشعبية الاستعداد لخوض مرحلة مُقبلة صعبة، بسبب تراجع الدعم الإيراني له وانخفاض المساعدات التي يتلقّاها نتيجة العقوبات. ويتزامن ذلك مع تخبّط لبنان في أزمة اقتصادية حادة، حيث بلغت نسبة الدين العام 158 في المئة من إجمالي الناتج المحلّي، في ظل ارتفاع مستويات البطالة والنمو شبه المعدوم. وقد عقد رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس الوزراء اجتماعاً في 2 أيلول/سبتمبر للإعلان عن خطة طوارئ اقتصادية، في أعقاب إقدام وكالة فيتش الائتمانية في آب/أغسطس على خفض تصنيف لبنان من درجة (B-) إلى (CCC) بسبب العجز في الاحتياطات الصافية بالعملات الأجنبية. وهكذا، على ضوء تدهور الأوضاع الاقتصادية، تزداد الضغوط المحلية على حزب الله لتجنّب الانزلاق نحو مستنقع التصعيد العسكري الشامل مع إسرائيل.

إن الدمار الذي قد يلحق بلبنان في حال اندلاع حرب أخرى مع إسرائيل لن يعيد البلاد عقوداً إلى الوراء وحسب، بل سيُكبّد حزب الله أيضاً خسائر فادحة. بيد أن الرد المدروس على الهجمات الإسرائيلية أظهر أن حزب الله وإيران يدركان جيّداً العواقب المُحدقة. فإن وافقت إيران على اندلاع حرب بين حزب الله وإسرائيل، فسيعني ذلك أنها مستعدّة للتضحية بأغلى أولوياتها في المنطقة، لذا تؤثِر حالياً الحفاظ على حزب الله كقوة ردع، لتلجأ إليه يوم يلوح في الأفق شبح تعرّضها هي إلى هجمات إسرائيلية.

أخيراً، لو نظرنا أبعد من العقوبات الاقتصادية والاتفاق النووي مع إيران، تنقشع أمامنا على نحو أقل وضوحاً ملامح حرب أخرى يجري الإعداد لها بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. ففي الشهر الفائت، تراجعت الولايات المتحدة عن تنفيذ ضربات عسكرية وشيكة ضدّ إيران ردّاً على إسقاط طائرة استطلاع أميركية مسيّرة، لتستبدلها بهجوم سيبراني دمّر قاعدة بيانات إيرانية كانت تسمح بضرب ناقلات في منطقة الخليج. في غضون ذلك، تلجأ أطراف عدّة في الشرق الأوسط بشكل متزايد إلى أساليب حربية جديدة، على غرار الطائرات المسيّرة أو الهجمات السيبرانية التي تُعيد صياغة قواعد النزاع في المنطقة.

رسمت الاشتباكات الأخيرة بين حزب الله وإسرائيل معالم واقع جديد في المنطقة. فالهجمات بالطائرات المسيّرة والعمليات السيبرانية تتيح للأطراف كافة الفوز بجولات وتسجيل النقاط من دون تكبّد أكلاف تُذكر. لكن، فيما يتأرجح مختلف الأطراف على حافة الهاوية، من الواجب الحذر من أي سوء تقدير من شأنه أن يُغرق المنطقة في لُجج الفوضى.