علامَ يتعيّن أن نركّز انتباهنا الآن بعد أن أضحت الدبلوماسية الإسرائيلية- الفلسطينية غير جديرة بمثل هذا الاهتمام؟ لقد جادل المراقبون، بمن فيهم كاتب هذه السطور، في حقبة من الزمن أنه يجب فهم النزاع بين الفلسطينيين والإسرائيليين من خلال منظور الاتجاهات بعيدة المدى في مجالي الديموغرافيا والسوسيولوجيا، وليس عبر عدسات الدبلوماسية قصيرة الأمد. وهذا الرأي بات يحظى حالياً بجاذبية، لكن نادراً ماكان أنصاره يتعرّضون إلى ضغوط للغوص أكثر في تفاصيل ما يعنيه ذلك.

لقد طرحتُ في مكان آخر بعض الأفكار حول ما يمكن للأطراف الدولية القيام به راهناً، لكن علامَ يجب أن تتركّز أنظار المراقبين؟ ما الاتجاهات التي ستقولب أشكال وتوجهات النزاع خلال العقود المقبلة؟ وهل الدبلوماسية تصرف انتباهنا عن ذلك أم لا؟

مع تزايد الاعتراف بأن الدبلوماسية تتسبّب بذلك فعلاً، باتت مجموعة من الترتيبات السياسية التي كانت توصف منذ نهاية الانتفاضة الثانية في العام 2005 بأنها "تفتقد إلى القدرة على الديمومة"، تشق طريقها نحو التجذّر بعمق. ولذلك، أزفّ الوقت لوقف القفز فوق السؤال حول ماذا يمكن أن يحدث من دون بروز حل سياسي قابل للحياة.

تنطوي اليوم الدبلوماسية الخاصة بإنهاء النزاع على مبادرة موعودة من إدارة ترامب، لكن لم يُكشف النقاب عنها بعد، هذا إضافةً إلى صدمات قصيرة الأمد تتّسم بالجرأة بيد أنها تفتقد إلى الحذاقة والحكمة. إذ من الصعب للغاية العثور على العديد من الأشخاص الذين يعتقدون أن قطع المساعدات عن الفلسطينيين، ورفض منح تأشيرات الدخول، والمشاجرات على تويتر، والبيانات الرئاسية الطنّانة والرنانة، ومحاولات شطب مشكلة اللاجئين الفلسطينيين من الوجود، والمسكنات غير السليمة، والانتقادات الدورية للأوروبيين، قد تُسفر عن توافق بين إسرائيل والحركة الوطنية الفلسطينية.

هنا بالتحديد قد يكون بيت القصيد. فكما جادل كاتب هذه السطور سابقاً، بعض الأطراف الأساسية في إدارة ترامب تفصح عن الرأي بأنه لا يوجد على الإطلاق نزاع إسرائيلي- فلسطيني وأنه، على الجانب الفلسطيني، لا توجد جماعة وطنية يمكن التعاطي معها. ليس هناك سوى كوكتيل من القادة الفاسدين والعنيفين الذين يخدعون أتباعهم.

على المديين القصير والمتوسط، لا يُحتمل أن توفّر الدبلوماسية في أحسن الأحوال سوى صرف انتباه محدود وترتيبات تسكينية. لكن، إذ ما قفز النزاع الفلسطيني– الإسرائيلي من كونه نزاعاً دبلوماسياً إلى صراع أجيال، فهذا لن يعني أن هذا النزاع سيتبخّر ويزول: فالفلسطينيون كشعب لن يختفوا. ولذلك، ومرة أخرى: ماذا يجب أن نرقَب في ضوء غياب العملية الدبلوماسية؟

أولاً، علينا أن نُحدّد مدى كثافة وقابلية التنظيم القاعدي الشعبي، الذي يتمخض الآن بين الفلسطينيين، للاستمرار. المؤسسات الوطنية الفلسطينية، من منظمة التحرير الفلسطينية والروابط المهنية والاتحادات إلى السلطة الفلسطينية وحتى معظم الأحزاب والفصائل السياسية، لم تعد تقود.

وفي المقابل، الشبان الفلسطينيون يختبرون منذ عقد من الزمن أنواعاً أقل رسمية من الحركات. وبعض الفصائل، بما في ذلك حماس وحتى فتح، أظهرت قدراً من الحيوية على مستوى القاعدة، على الأقل في بعض الأماكن. وهنا، الاتجاه طويل الأمد الذي يجب متابعته هو ما إذا كانت مثل هذه الأشكال التنظيمية قادرة على تقديم ما هو أكثر من الإبداعات المحلية، وهل سيكون بمستطاعها الالتحام مع بعضها البعض لتشكيل حركات وطنية. وهنا ثمة سؤال لا يقل أهمية: هل الحيوية الجديدة ستحل مكان الحركات القديمة والهياكل الوطنية، وتتنافس معها، أم أنها ستذوب بالتدريج فيها؟ وهل القيادة القديمة ستعمل على استلحاق، أو مقاومة، أو إدماج الحركات الجديدة؟

ثانياً، علينا أن نتابع نوع الشبكات الدولية التي يبنيها الفلسطينيون. فهم أسّسوا، بين خمسينيات وسبعينيات القرن الماضي، حركات ومنظمات من شأنها أن تعطيهم صوتاً مستقلاً على الساحة الدولية. ولايزال لدى هذه الهيئات مسؤولون في مناصب بارزة يمثّلون الفلسطينيين رسمياً. لكن الأكثر نشاطاً - والذين توليهم إسرائيل جُلّ اهتمامها على ما يبدو - ليسوا السفراء الرسميين، بل النشطاء الذين يعكفون على بناء شبكات داعمة لحركات معارضة لإسرائيل، مثل حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها.

اجتذبت حركة المقاطعة دعماً قوياً من جهة، وتعرّضت إلى إدانة شرسة من جهة أخرى، لكن التوجّه الذي ينبغي مراقبته في المدى البعيد ما إذا بإمكان هذه الحركة أن تشكّل مركزاً أو نموذجاً من شأنه أن يمنح القضية الفلسطينية حضوراً جديداً على الساحة الدولية. والسؤال الثانوي الذي يطرح نفسه هو ما إذا كانت المواقف المختلفة حيال الفلسطينيين تعمّق الشقاق القائم داخل الجماعات اليهودية الناشطة سياسياً، خصوصاً (إنما ليس حصراً) في الولايات المتحدة.

ثالثاً، من المهم أن نرقَب إمكانية توثيق الروابط بين مختلف المجتمعات الفلسطينية. فالوشائج التي تربط بين الضفة الغربية وقطاع غزة أصبحت ضعيفة للغاية، ومثلُها الروابط بين مجتمعات الشتات والمجتمعات المقيمة في داخل فلسطين، ناهيك عن أن القدس باتت منعزلة عن جوارها. والروابط الوحيدة التي تعزّزت على مدى السنوات الأخيرة، وإن بشكلٍ محدود، هي تلك القائمة بين المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل. لكن العقبات العملية التي تعترض آليات التنسيق لاتزال كأداء كما في السابق.

التوجّه الذي ينبغي مراقبته على المدى الطويل هو ما إذا كان في وسع الفسطينيين المشتّتين في أصقاع دول العالم، والمنقسمين على أنفسهم حتى داخل حدود فلسطين التاريخية، أن يجدوا طريقة تنظيمية ما للتعبير عن هويتهم الوطنية التي لاتزال قوية جدّاً على الرغم من التقهقر السياسي. هل بإمكانهم بلورة قضايا تجمعهم تحت جناحها، مثل مصير أهالي القدس أو حصار غزة؟

رابعاً، علينا الالتفات أيضاً إلى الجهات التي تتولّى إدارة شؤون الحياة اليومية الفلسطينية، من قبيل: مستأجر فلسطيني يواجه مشكلة مع المالك؛ أو أجير عاطل عن العمل؛ أو عائلة يقبع معيلها في السجن؛ أو مواطن مسنّ ومريض يحتاج إلى رؤية طبيبه في القدس؛ أو زبون احتال عليه أحد التجّار؛ أو طالب يحتاج إلى السفر لإجراء مقابلة للحصول على منحة دراسية... هذه كلّها مشاكل يعانيها العديد من فلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة. كيف يتصدّون إليها؟ ومن هي الجهة المولجة اتّخاذ القرارات؟ من هم أصحاب النفوذ؟ ومن الذي يسبّب المشاكل ومن الذي يساعد في حلّها؟

تحمل هذه الأسئلة أهمية خاصة بالنسبة إلى الأفراد. إلا أن ما يثير الانتباه الدائم هو كيف أن نمط الإجابات يرسم معالم الروابط الاجتماعية العميقة، ومشاعر الولاء والتظلّمات، وشبكات معالجة المشاكل، والمقاومة. وقد فاجأت موجات سابقة من النشاط الفلسطيني في بعض الأحيان القادة المحليين، لكنها لازالت تتبع مدركات محلية مفهومة إلى حدّ كبير بالنسبة إلى أولئك المنخرطين في مجتمعات معيّنة.

أما المشكلة بالنسبة إلى أولئك المهتمين بفهم شكل القنوات الاجتماعية والقادة والتظلّمات التي تلوح في الأفق، فهي تكمن في الارتفاع المطّرد في العقبات التي تقف عائقاً في وجه سفر الفلسطينيين، والتدهور البطيء في حجم حضورهم الدولي. في هذا الإطار، تواصل المنظمات غير الحكومية والدبلوماسيون والهيئات الدولية التي تتابع هذه المسائل، القيام بمهماتها بعزم وإصرار، لكن في المقابل يحظى الكثير منها بموارد ضئيلة واهتمام آخذ في التناقص، ما يضمن عملياً أن يشكّل أي تطوّر مفاجأة في حدّ ذاتها.

أخيراً، لابدّ من أن نراقب نوعية الدبلوماسية التي بدأت تتبلور بالفعل. قد يبدو من الغريب أن تبدأ المقال بإقصاء الدبلوماسية وتنهيه بالحديث عنها؛ لكن في الواقع لايمكن إقصاء كل الدبلوماسية. على سبيل المثال، تَصرف دبلوماسية "عملية السلام" – وخليفتها غير المُعلنة بعد في عهد ترامب – انتباهنا عن المفاوضات الفعلية بين الإسرائيليين ومختلف القوى الفلسطينية (وفي طليعتها حماس). فعلى مدى سنوات، اشتملت هذه التبادلات على تجنّب طويل الأمد للعنف، ودور القوّات الدولية، والإفراج عن السجناء، وتدفق البضائع، وقمع المسلّحين، وحراسة الحدود، وتزويد الأسلحة.

الجدير ذكره هنا هو أن هذه المفاوضات تحدّد أنماط وملامح التواصل الإسرائيلي – الفلسطيني على المستوى المحلي، علماً بأن هذه المفاوضات تتمّ عبر وسطاء وبعيداً عن أضواء الإعلام وتتخلّلها غالباً أعمال عنف تبدو وكأنها تهدف إلى تعزيز المواقف التفاوضية بدلاً من تدمير الخصم.

أما المسألة التي يجدر متابعتها، فتتمثّل في ما إذا كانت مثل هذه الترتيبات قد ترسّخ نفسها يوماً ما، بكونها تختلف عن الحلول التسكينية قصيرة الأمد التي كانت تُطرح حتى الآن. فهل تتحوّل، مثلاً، الترتيبات المتعلقة بغزّة تدريجياً مع مرور السنوات إلى ترتيب مؤقت بين حماس وإسرائيل؟ وهل تحوّل مسؤولو الأمن الفلسطينيون في الضفة الغربية إلى وكلاء لما وصفه مسؤولون استعماريون بريطانيون في إحدى المرّات بـ"الحكم غير المباشر"؟

الأكيد أن كلا الاتجاهين قائمان حالياً، لكن ثمة استياء كبير حيالهما في أوساط الفلسطينيين. ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو إلى أي درجة ستتبدّل هذه الترتيبات لتصبح أنماطاً مترسّخة ومنتظمة يصعب إلغاؤها؟

في الختام، وبدلاً من تحليل بيانات اليوم المتعلقة بالسياسة العامة، من شأن الانتباه إلى هذه الأسئلة والطريقة التي تظهر بها الإجابات ببطء أن يعطينا رؤية أفضل بكثير حول شكل النزاع الذي سيُجبر قادة المستقبل على التعامل معه.