ماذا حدث؟

يوم الثلاثاء (أمس 8-9-2019) خرج جون بولتون، مستشار الرئيس ترامب للأمن القومي، من البيت الأبيض أو قُفِزَ به إلى خارجه. وقال ترامب في تغريدة على تويتر:" اختلفت بعمق مع العديد من اقتراحاته (بولتون)، كما حدث أيضاً مع آخرين في الإدارة..". وكان أحد الذين أكدوا هذا التطور علناً هو وزير الخارجية مايك بومبيو، الذي قبل قيل فترة قصيرة أنه على طرفي نقيض مع بولتون في ما يتعلّق بالمفاوضات حول أفغانستان.


 

ما أهمية ذلك؟

بالنسبة إلى الشرق الأوسط، قد يكون لرحيل بولتون مضاعفات، أساساً في مجال العلاقات الأميركية مع إيران بالتحديد، لأنه لا توجد خلافات جليّة داخل الإدارة الأميركية حيال إسرائيل وفلسطين والنزاعين في سورية واليمن، أو أي قضايا أخرى في المنطقة.

ففي المسألة الإيرانية، تبنّى كلٌ من بومبيو وبولتون خطاً متشدّداً إزاء طهران. بيد أن هذا الأخير فشل في توفير خيارات لترامب، بعد ان انسحبت الولايات المتحدة مع المعاهدة النووية مع إيران العام المنصرم. هذا الأمر أدى إلى عزل الولايات المتحدة دولياً، في الوقت نفسه الذي أبدت فيه طهران مهارة في اللعب على التناقضات بين الأوروبيين والأميركيين لتوسيع هامش قدرتها على المناورة. وهكذا، جاء الانسحاب الأميركي من المعاهدة وهو يفتقد إلى استراتيجية خط الرجعة، ما جعل الصراع مع طهران أكثر احتمالاً، خاصة بعد أن استأنفت الجمهورية الإسلامية أجزاء من برنامجها النووي، وقررت قبل أيام تفعيل أجهزة طرد مركزي متقدّمة مما يشكّل خرقاً للمعاهدة.

لقد أوضح ترامب أنه لا يريد حرباً مع إيران. لا بل كان مسؤولون في الإدارة يوحون بأن الرئيس قد يجتمع مع الرئيس الإيراني حسن روحاني في الأمم المتحدة أواخر هذا الشهر. لكن بولتون رحل الآن، والمقاومة لهكذا اجتماع ربما تهِن، على رغم أنه يجب على المرء ألا يستبعد تأثيرات الامتعاض الإسرائيلي من هذا الاحتمال.

الآن، وبعد قول كل شيء، ربما لا يزال ترامب يشعر بخيبة الأمل، ومن غير المحتمل أن يكون روحاني في وارد الاجتماع مع الرئيس الأميركي من دون الحصول على بعض التنازلات الُمسبقة للقيام، وهذا بفعل المقاومة داخل الهرمية السياسية الإيرانية لمثل هذا الاجتماع، وأيضاً بسبب موهبة ترامب في تحويل القمم إلى دردشات لا معنى لها.

هذا الوضع سيسلّط الضوء على بومبيو الذي يفترض الآن أن يقترح مقاربة متعددة الأوجه حيال إيران. وهذا قد يعني تخفيف الشروط الـ12 التي فرضها هو على إيران في أيار/مايو من العام الماضي، والتي اعتبُرت غير واقعية للغاية.

وهنا، الكثير سيعتمد على من سيحل مكان بولتون وعلى علاقات هذا الأخير مع بومبيو. لكن، مع أو من دون بولتون، العقبات الكأداء وفيرة في العلاقات الإيرانية- الأميركية، إلى درجة أنه سيكون من السذاجة الافتراض بأن مجرد رحيله سيسفر عن تقدم في المحادثات، هذا إذا ما كان ثمة محادثات.


 

ما المضاعفات للمستقبل؟

المحصلات الأهم هي تلك التي ستشدّد على أنه أياَ كان الشخص الذي سيحل مكان بولتون، فإنه سيحتاج إلى العمل كمنسّق حقيقي لجهاز الأمن القومي، ويوفّر لترامب مروحة من الخيارات التي يحتاج لاتخاذ القرارات. قد لا يكون الرئيس مهتماً بالسياسة الخارجية، لكنه اشتكى مرات عدة في السابق بأنه لا يحب أن يُحشَر في زاوية الخيارات السيئة. وبالفعل، فإن عدم اهتمامه، يمثّل فرصة نموذجية لأي شخص يستطيع أن يصوغ مثل هذه الخيارات ويحقق إجماعاً بيروقراطياً حولها.

مارس ترامب سياسة خارجية غير متّسقة، بيد أن بعض القواعد القوية نجحت في اختراق ستار الضباب، مثل رغبته في تجنّب الحرب، خاصة في الشرق الأوسط. ولهذا، يتعينّ على مستشار الأمن القومي الجديد أن يأخذ هذه القواعد على محمل الجد، بدلاً من الافتراض بأنه هو/أو هي يمكنه فرض تفضيلاته/تفضيلاتها على رئيس جاهل. ولذا، ثمة فائدة من رحيل بولتون، وهي أن دور مستشار الأمن القومي قد يعود إلى ما قُصِد منه في السابق أن يكون.