بول ستيفنز | باحث بارز في قسم شؤون الطاقة والبيئة والموارد في المعهد الملكي للشؤون الدولية "تشاتام هاوس" في لندن

عاملان سيحددان أسعار النفط في العام 2020. الأول، هو التوازن في السوق. ففي العام الجديد، سيضعف الطلب بفعل الركود وأيضاً إذا ما أضحت الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين أمراً حقيقيا. أما العرض فسيزداد مدفوعاً بكل ٍمن ضعف اتفاق "أوبك بلاس" (Opec plus، أي أوبك وحلفاءها) الخاصة بضبط العرض، وازدياد الإنتاج الأميركي على إيقاع ثورة تكنولوجيا النفط والغاز الصخريين.

العامل الثاني هو مدركات السوق والمسائل الجيوسياسية. فمؤخراً وازنت المخاوف من الحرب في الخليج (بسبب تدهور العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران)، فائض العرض في السوق وحافظت نسبياً على استقرار الأسعار. وفي العام 2020، يُحتمل، في غياب حرب ساخنة، أن يكون كسب السبق لفائض العرض وبالتالي لضعف الأسعار بالتدريج، على رغم جهود السعودية لحماية الأسعار. كما قد يوازن منتجون آخرون يسعون إلى الحصول على حصة أكبر في السوق أي تخفيضات في الإنتاج السعودي. بيد أن الحرب في المنطقة تبدو محتملة أكثر من أي وقت مضى. وهذا سيؤدي حتماً إلى صدمة كبرى في أسعار النفط.


 

كارول نخلة | المديرة التنفيذية لشركة "كريستول للطاقة" Crystol Energy، لندن

على المدى القصير، سيلعب النمو الاقتصادي العالمي دوراً مركزياً في تحديد أسعار النفط. بيد أن تصاعد التوترات التجارية بين الولايات والصين، وسياسات الائتمان الأكثر تقييداً في الصين والتأقلم التدريجي للسياسات النقدية في الولايات المتحدة، هي بعض الأسباب الرئيسة الدافعة إلى الشعور بالقلق. وإذا ما بدأت احتمالات تراجع التوقعات الاقتصادية بالتحقق، سيكون لذلك تأثير سلبية على الطلب على النفط.

جانب العرض في قصة النفط مهم بدوره لأنه تغيّر على نحو جذري بالمقارنة مع ما جرى قبل عقد واحد من الآن، بفعل الزيادة الكاسحة في الإنتاج غير التقليدي في شمال أميركا. وعلى عكس النفط التقليدي، يتفاعل النفط المحدود بسرعة مع تغيّر الأسعار. ويمكن ملاحظة هذا التغيير في ردود الفعل المتواضعة لأسعار النفط على التوترات المتصاعدة والقلاقل في مناطق الإنتاج الرئيسة، وهذا أمر أبعد ما يكون عما اعتاد عليه العالم قبل النفط المحدود.

كانت أسعار النفط تتحرّك ضمن نطاق محدد بعناية يبلغ 10 دولارات فوق أو تحت سعر الـ60 دولاراً للبرميل، على رغم تقلّب الأسعار. ويُحتمل أن يتواصل هذا الوضع على الأقل حتى نهاية هذه السنة وأوائل السنة الجديدة. وتُجبر عوامل عديدة، منها العرض المرن وزيادة القدرة الاحتياطية بفضل تخفيضات الإنتاج من جانب أوبك وحلفائها (أو "أوبك بلاس") والضغوط السلبية المتوقعة على الطلب على المدى الطويل، المنتجين التقليديين على إعادة النظر بسياساتهم، فيما هم يحاولون حماية حصصهم في السوق من خلال مستويات أسعار مناسبة.


 

روجر ديوان | نائب رئيس قسم الطاقة في شركة "أي أتش أس ماركيت" (IHS Markit)

يُحتمل أن تبقى أسعار النفط رازحةً تحت وطأة الضغوط في العام 2020، لأن الحروب التجارية وتباطؤ النمو الاقتصادي أضعفا العرض في النفط، وهذا في بيئة بنيوية حيث ثورة النفط الصخري الأميركي قلّصت المخاوف من مسألة ندرة الموارد. وعلى رغم التزام السعودية وروسيا الإشراف على أسواق النفط لتسهيل استيعاب صادرات النفط الأميركية المتزايدة، وحدوث إعاقتي جيوسياسيتين أساسيتين من جانب فنزويلا وإيران في مجال العرض، إلا أنه ليس ثمة دلائل بعد على نهاية الدورة الراهنة من فائض العرض النفطي. لقد تأقلم قطاع النفط مع الأسعار المنخفضة، وستنوء أسواق النفط الآن تحت ضغط نمو أضعف في الطلب العالمي.

ستواصل الضغوط القصوى التي تمارسها إدارة ترامب على إيران التأثير على أسواق النفط، لكن من غير المحتمل أن يستمر هذا الأمر. وأمام الرئيس ترامب الآن خيار من إثنين: إما تبنّي التصعيد الذي يشجّعه المتشدّدون حوله والذي تُفاقم منه ردود الفعل العدائية الإيرانية التي تشمل التخصيب النووي والخطوات العسكرية المحدودة؛ أو ممارسة دور صانع الصفقات والسعي إلى مسارات دبلوماسية. لقد أشار ترامب مراراً وتكراراً إلى أنه يميل إلى الخيار الثاني، بيد أن جلب إيران إلى طاولة المفاوضات يبدو مشروطاً بتخفيف الضغوط على صادراتها النفطية. وهنا، احتمال تجديد إعفاءات الصادرات النفطية هو جزء من صفقة يقترحها الوسطاء بين الولايات المتحدة وإيران، ما يطرح عاملاً آخر يؤثّر على أسعار النفط.

من جانبها، لن تمنع التحديات الدورية والبنيوية والسياسية لأسعار النفط في العام 2020 السعودية من مواصلة العمل على تحقيق هدفها في جعل الأسعار تتراوح بين 70 و80 دولاراً للبرميل، على رغم وجود عدد من التناقضات والتحديات التي يتضمنها ذلك. فالمملكة تحاول رفع أسعار النفط (في بيئة من العرض المنخفض وتمنّع روسيا، شريكتها الأوثق)، فوق مستوى السعر المطلوب لإبطاء نمو النفط الصخري الأميركي. والتغيّرات التي أُدخلت الأسبوع الماضي في هيكلية صنع القرار السعودي عزّزت وجهة النظر القائلة إن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان يواصل التركيز على المضي قدماً في خطة طرح أسهم أرامكو للاكتتاب العام في وقت لاحق من هذه السنة أو في أوائل العام 2020، ما يشي بأن السعوديين يخططون لمواصلة محاولة رفع الأسعار. على أي حال، هدف جعل السعر فوق 55- 60 دولاراً للبرميل، وهو الهدف المفضّل لمنتجي النفط الصخري وروسيا، سيكون تحدياً قوياً في العام 2020 ويحتمل أن يتم اختباره قريباً إذا لم يشهد الطلب تقدما.


 

بسام فتوح | مدير معهد أوكسفورد لدراسات الطاقة، وبروفسور في مدرسة الدراسات الشرقية والإفريقية في جامعة لندن

على رغم تدهور مؤشرات الاقتصاد الكلي، إلا أن الأساسيات المادية لسوق النفط تبدو حميدة نسبياً، في ضوء انقطاعات كبيرة في فنزويلا وإيران، وتخفيضات عميقة في السعودية، وتباطؤ إنتاج النفط الصخري الأميركي، ما يقيّد الإمدادات للسوق ويحد من مراكمة المخزونات. ولذا، يمكننا أن نرى أن أسعار النفط ستستعيد عافيتها من المستويات المنخفضة التي وصلتها مؤخراً، هذا ما لم يتّجه الاقتصاد العالمي نحو الأسوأ. لكن، بغض النظر عما سيحدث لسعر النفط، فإن المدركات تغيّرت من الندرة إلى الوفرة في النفط ومن ذروة العرض إلى ذروة الطلب. ومع وجود النفط الصخري الأميركي بوصفه مصدراً للعرض المرن مع إمكانات كبيرة، تبدّلت آفاق أسعار النفط على المدى البعيد وسيكون على مصدري النفط الشرق أوسطيين متابعة أقلمة اقتصاداتهم مع بيئة أسعار أقل وتنويع هذه الاقتصادات.

سيواصل قطاع النفط والغاز لعب دور رئيس في عملية التنويع كمصدر أساسي مولّد للدخل، لكنه أيضاً سيلعب دوراً أكثر نشاطاً من خلال خلق صناعات جديدة ودمج الطاقة المتجّددة في أنظمة الطاقة في الدول المنتجة للنفط.