لارا فريدمان | رئيسة مؤسسة السلام في الشرق الأوسط

إذا أبصرت الحكومة الإسرائيلية العتيدة النور، فسوف تكون، بغض النظر عن تركيبتها النهائية، حكومة يمينية بقوة أو يمينية متشددة. وعلى الجبهة الفلسطينية، فإن تطلعات الضم لدى السياسيين الإسرائيليين وتفضيلهم للحلول الأمنية-العسكرية على المسار الدبلوماسي تنسجم تماماً مع الميول الإيديولوجية للمسؤولين في إدارة ترامب، وداعمي الرئيس ترامب الأساسيين، والجمهوريين في الكونغرس. أما في ما يتعلق بالديمقراطيين فتراودهم، مع انطلاق العد العكسي للانتخابات الأميركية في العام 2020، مخاوف أكبر من أي وقت مضى من تعرضهم للهجوم على خلفية اتهامهم بمعاداة إسرائيل أو معاداة السامية. ونتيجةً لذلك، لايُتوقَّع أن يؤدّي البيت الأبيض ولا الكونغرس دوراً يساهم في ضبط إيقاع السياسات التي من شأن حكومة إسرائيلية جديدة أن تعتمدها، أو أن تتعرض لضغوط تمارسها عليها قوى داخلية من أجل اعتمادها، في مسائل القدس الشرقية (بما في ذلك الحرم الشريف) والضفة الغربية وقطاع غزة. في الواقع، وبغض النظر عن الضوضاء المستمرة المحيطة بالإعلان عن "صفقة القرن"، غالب الظن أن واشنطن سوف تشجّع السياسات المتشددة للحكومة الإسرائيلية العتيدة بدلاً من التصدّي لها.

يبدو المشهد أكثر ضبابية في ما يتعلق بإيران. فعلى الأرجح أن التطورات الأخيرة على غرار إقالة جون بولتون وإعلان ترامب عن استعداده للقاء نظيره الإيراني أثارت خشية لدى بعض الإسرائيليين من أن ثمن حصولهم على شيك على بياض في الموضوع الفلسطيني قد يُدفع من خلال السياسة الأميركية في الملف الإيراني، والتي كانت إسرائيل لتندّد بها علناً باعتبارها خيانة لها لو أن رئيساً أميركياً آخر سعى إلى تطبيقها. وإذا لم تبادر الولايات المتحدة إلى الرد في أعقاب الهجوم الأخير على المنشآت النفطية السعودية – والمقصود بذلك رد من النوع الذي ترغب فيه إسرائيل والسعودية – فهذا سيؤدّي إلى تعميق المخاوف بشأن القدرة على الوثوق بترامب في الموضوع الإيراني. وفي الحالتَين، غالب الظن أن الحكومة الإسرائيلية العتيدة سوف تسعى إلى بذل مزيد من الجهود المشتركة مع دول مجلس التعاون الخليجي لإبقاء ترامب بقدمَين ثابتتين داخل المعسكر المناهض للمسار الدبلوماسي مع إيران.

قد تكون لهذه الديناميكية تداعيات لافتة على المسار الفلسطيني. لقد اعتمد الحفاظ على التحالف الإسرائيلي-الخليجي، حتى تاريخه، على إبقاء إسرائيل على مظهر من مظاهر التزامها بالتوصل إلى حل لصراعها مع الفلسطينيين. ولكن هذه الصورة تزعزعت على ضوء الخطوات التي قامت بها إسرائيل في موضوع القدس، وتحركاتها في غزة، والتصريحات العلنية التي صدرت مؤخراً عن سياسيين بشأن الخطط الآيلة إلى ضم أراضٍ من الضفة الغربية. وفي مرحلة لاحقة، قد تُضطر الحكومة الإسرائيلية العتيدة إلى إرساء توازن بين النزعة إلى تطبيق سياسات ضم استيطانية في الضفة الغربية وإلى خوض مغامرات عسكرية في غزة من جهة، وبين مايعتبره عدد كبير من الإسرائيليين واجباً وجودياً يفرض عليهم تعزيز التحالف المناهض لإيران من جهة أخرى.


 

زياد ماجد | أستاذ مشارك في الجامعة الأميركية في باريس، صدر له مع فاروق مردم بيك وصبحي حديدي كتاب بعنوان Dans La Tête de Bachar Al-Assad (في رأس بشار الأسد) (منشورات سولين/آكت سود، 2018)

لم تسفر الانتخابات الإسرائيلية عن فوز أكثرية واضحة ووصولها إلى الكنيست. فلا رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ولا منافسه الأساسي بيني غانتس يمكنهما استقطاب أكثرية كافية لتشكيل حكومة بالاعتماد على الحلفاء المباشرين لهما. ولذلك من الممكن أن تتشكّل حكومة وحدة وطنية. ولكن إذا تمسّك غانتس بموقفه مشترطاً استبعاد نتنياهو من أي حكومة يؤلّفها، فلن تُبصر هذه الحكومة النور إلا بحدوث انقلاب داخل الليكود ضد زعيم الحزب. ومن هذا المنطلق، لاشيء أكيد في الوقت الراهن، ولايُستبعَد تماماً إجراء انتخابات ثالثة.

وفي الوقت نفسه، ليس ثمة مايدعو للاعتقاد بأن أياً من السيناريوهات الممكنة قد يُحدث تغييرات جذرية في الوضع الإسرائيلي-الفلسطيني أو الشؤون الإقليمية. حتى لو طرح غانتس موضوع استئناف عملية السلام، فمواقفه من الاستيطان والدولة الفلسطينية لاتزال ملتبسة جداً. وفي حال إقدامه على تشكيل حكومة وحدة وطنية، سيكون عليه أن يقنع أولاً شركاءه اليمينيين المتشددين بأي تغييرات في طريقة التعاطي مع الفلسطينيين، حتى لو كانت هذه التغييرات طفيفة. وهذا ليس أمراً مضموناً. وينطبق الشيء نفسه على السياسة التي سيتم اتباعها حيال إيران وحزب الله. فحتى لو خففت حكومةٌ يقودها غانتس من وتيرة التصعيد في التشنجات مع إيران – وهو احتمال ضئيل جداً – فهذا لايعني أن المسألة الإيرانية لن تبقى في صُلب أولويات إسرائيل، ولاسيما على ضوء الدعم القوي من الرئيس دونالد ترامب، الذي يرى فيه الإسرائيليون فرصة للتعامل مع مايسمّونه "التهديدات الإيرانية".


 

آرون ديفيد ميلر | مستشار سابق في وزارة الخارجية الأميركية للمفاوضات العربية–الإسرائيلية (1988 - 2003)، وباحث أول في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي

قد تَعلق الانتخابات الإسرائيلية المُعادة، في ذهن الكثيرين على أنها من بين الانتخابات الأكثر أهمية في تاريخ البلاد من الناحيتين الإيجابية والسلبية على السواء. في ما يلي بعض الاتجاهات الرئيسة التي ستسجلها المرحلة المقبلة.

للمرة الثانية في غضون ستة أشهر، فشل بنيامين نتنياهو في الفوز بعدد كافٍ من الأصوات التي من شأنها جعل حزب الليكود، إضافةً إلى أحزاب يمينية أخرى، يتجاوز عتبة 61 مقعداً وتشكيل حكومة. وكانت النتيجة بأن تحقّق أسوأ كابوس لنتنياهو، وهو عدم حصد غالبية واضحة في الكنيست وتواجد حزب الليكود في موقع لايخوّله أخذ الضوء الأخضر من الرئيس لتشكيل حكومة. لكن لايمكن اعتبار نتنياهو، الذي لايزال رئيساً للوزراء، خارج المعادلة بعد. فحزبه ليس مستعداً بعد للتخلي عنه، واتهامه رسمياً بالفساد لن يتمّ إلا بعد أشهر عدّة. وفي حال تمّ الاتفاق على حكومة وحدة وطنية مع تناوب رؤساء الوزراء، سيبقى نتنياهو على رأس حزب الليكود، الذي يُعدّ شريكاً رئيساً في أي ترتيب محتمل. قد يأمل نتنياهو أيضاً في أن تنقذه بشكل أو بآخر خطة السلام التي أعدّتها إدارة ترامب، أو الخطوات التي اتّخذتها ضدّ إيران. لكن للمرة الأولى منذ سنوات، أُضعف نفوذ نتنياهو بشكل ملحوظ، وبات من الممكن تخيّل إسرائيل من دونه.

على مدى 31 عاماً من أصل الأعوام 42 الماضية، سيطر الليكود واليمين على السياسة الإسرائيلية. فقد فاز حزب العمل ثلاث مرات، مقدّماً مرتين رئيسين سابقين لأركان الجيش، إسحق رابين وإيهود باراك، كمرشحين ناجحين. بيني غانتس، وهو أيضاً رئيس سابق لأركان الجيش، لايُعتبر سياسياً، فهو قاد حملة مملة وهامدة، ولايوجد أمامه مسار سهل – أو أي مسار على الإطلاق في الوقت الراهن - لتشكيل ائتلاف يميني وسطي. كما قد يظهر احتمال الاعتماد على الأحزاب العربية لدعم حكومة من الخارج، لكنه أمر مضنٍ. في الواقع، صرّح رئيس القائمة العربية المشتركة، أيمن عودة، علناً بأنه يتطلّع إلى أن يكون أول عربي يرأس المعارضة. لكن غانتس، خلال دورتين انتخابيتين، تمكّن من الصمود في وجه الليكود، وقد ينتهي به المطاف كرئيس للوزراء في أي ترتيب تناوبي في حكومة وحدة وطنية. يمثّل غانتس الليكود القديم – المتشدّد في الشؤون الأمنية، وبالتأكيد غير المعتدل في قضايا السلام، والملتزم بالسلوك المتحضّر وسيادة القانون – وهي صفات مفقودة خلال سنوات نتنياهو.

في الوقت الراهن، ما من طرق سهلة متاحة أمام حزب الليكود أو تحالف أزرق أبيض لتشكيل حكومة. وعلى الرغم من أن إسرائيل لا تملك دستوراً مكتوباً، ستواجه البلاد "أزمة دستورية" إذا لم ينجح أي طرف في تشكيل حكومة، وقد تضطر إلى إجراء انتخابات ثالثة مطلع العام المقبل. من جهته، أوضح الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين أنه يجب تجنّب ذلك بأي ثمن كان. لذا، من المرجح أن تتجّه إسرائيل نحو تشكيل حكومة وحدة وطنية، وذلك للمرة السابعة في تاريخها القصير. الجدير ذكره هنا هو أن غانتس كان أشار إلى أنه لن يجلس في حكومة مع الليكود بقيادة نتنياهو. بدوره، قال ليبرمان، الذي بات صانع الملوك مع فوزه بتسعة مقاعد، إنه لن يشارك في أي حكومة تضمّ الأحزاب الدينية. ولا يبدي الليكود أي استعداد بعد للتخلي عن نتنياهو أو شركائه اليمينيين. أضف إلى هذا كلّه احتمال إعلان ترامب عن خطة السلام أو أزمة الولايات المتحدة مع إيران، فيرتفع منسوب التقلّب حكماً. فإذا اعتقدنا أن الأشهر الستة الماضية كانت حافلة بالاضطرابات، حريٌّ بنا أن نستعدّ لما سيحصل لاحقاً: فأمامنا مسار جامح مليء بالتوترات.


 

زها حسن | محامية متخصصة في مجال حقوق الإنسان وزميلة زائرة في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي

لم تسفر الانتخابات الإسرائيلية التي أُجريت للمرة الثانية هذا العام، عن نتائج جديدة مزلزلة. فالحكومة الائتلافية الإسرائيلية العتيدة ستكون إما يمينية وإما يمينية متشددة للغاية. فما معنى ذلك على صعيد النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي المستعصي دائماً على الحل؟ إذا شكّل حزب الليكود وحزب أزرق أبيض، وهما الحزبان الأكبر حجماً، ائتلافاً، سوف أرصد ما إذا كان تحالف أزرق أبيض الذي يميل أكثر إلى يمين الوسط ويتصدّر ثلاثة رؤساء أركان سابقين في الجيش الإسرائيلي قائمة مرشحيه، سيحاول حمل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على العدول عن الوعد الذي قطعه في حملته الانتخابية بضم وادي الأردن والمستوطنات الإسرائيلية، نظراً إلى التداعيات الأمنية التي يمكن أن تترتب عن هذه الخطوة والاستهجان الدولي الذي يُرجَّح أن تثيره. ومع انطلاق الحملة الرئاسية الأميركية على قدم وساق، قد تتعرض حكومة مؤلَّفة من حزب الليكود وتحالف أزرق أبيض للضغوط من أجل المضي قدماً بعملية الضم كي يُقدَّم الاعتراف الأميركي بهذه الخطوة بمثابة هدية إلى القاعدة الإنجيلية للرئيس ترامب على مشارف انتخابات 2020. وإذا كان الائتلاف الوحيد الذي يمكن تشكيله هو ائتلاف يميني متشدد يضم الأحزاب القومية والدينية المتشددة، فسيكون ضم الأراضي شبه مؤكّد في هذه الحالة.