عليا إبراهيم | مدرّسة في برنامج الصحافة متعددة الوسائط في الجامعة اللبنانية الأميركية، ومراسلة أولى سابقة في قناة العربية الإخبارية

الرئيس الذي قال "لا" للغزو الأميركي للعراق في العام 2003، هكذا سيتذكّر العالم جاك شيراك. لكن ليس العرب. فعلى الرغم من أهمية العراق بالنسبة إلى المنطقة، إلا أن مواقف شيراك من قضية أهلها المركزية، فلسطين، هي التي ستشكّل إرثه في نظرهم.

سياسي من الطراز الأول، شيراك لم يكن دائماً صديق العرب كما كان يحب أن يعرّف بنفسه. "الدكتور شيراك"، كما كان الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات يحب أن يناديه، كان في نهاية المطاف "يرى القضية بعيون عرفات"، كما يقول سكرتيره في كتاب "Chirac d’Arabie: Les Mirages D’une Politique Francaise" (شيراك العرب: سراب سياسة فرنسية) للمؤلّفين إريك أيشيمان وكريستوف بولتانسكي، لكن الأمور لم تكن دائماً هكذا. المقابلات التي ينتقد فيها الفلسطينيين وقادتهم خلال الفترة التي كان فيها عمدة باريس من أجل إرضاء ناخبيه من اليهود، ستسقط مع مرور الزمن ولن تكون مهمة، مثلها مثل القصص عن الفساد والأجندات الخاصة والخدمات لديكتاتوريات المنطقة، ولاسيما صدام حسين. هذه سياسة والوقت كفيل بطي صفحتها.

لكن لمسته الخاصة ستبقى خالدة. جاك شيراك، سيذكره العرب بصفته رئيس فرنسا الذي صادق قادتهم. هو الرئيس الذي بكى في وداع رفيق الحريري واستقبل عرفات في مستشفى فرنسي في آخر أيامه. اسمه لن يُنسى، لأنّ في غزة اليوم شارعاً يحمله، تخليداً لذكرى زيارته الشهيرة إلى رام الله العام 1996. في ذلك اليوم، استقبل شيراك فتيات صغيرات غنين "Au Claire de La Lune"، وهن يحملن أعلام فرنسا. الزيارة كانت معدّة سابقاً، ولكن الحماسة والامتنان كانا حقيقيين. قبل يوم واحد من هذه الزيارة، كان شيراك أعطى الفلسطينيين هدية نادرة. وقال شيراك لمرافقيه من الأمن الإسرائيلي ردّاً على مضايقاتهم له وللأشخاص المرحّبين به خلال زيارته القدس القديمة، "ماذا تريدون مني، أن أعود إلى طائرتي الآن؟ هذا ليس أمناً، إنه مجرد استفزاز!"، هذا من لن ينساه الفلسطينيون والعرب.


 

فرنسوا دالونسون | مراسل الشؤون الأجنبية في صحيفة لاكروا في فرنسا

في ضوء الأزمة الحالية مع إيران، أتذكّر المقابلة المشتركة التي أجراها جاك شيراك مع صحيفتي نيويورك تايمز وإنترناشيونال هيرالد تريبيون ومجلة لونوفيل أوبسرفاتور في شباط/فبراير 2007. وعلى الرغم من أن المقابلة كانت تتمحور حول القضايا البيئية، إلا أن الصحافيين استغلوا الفرصة لسؤال شيراك عن طموحات إيران النووية. قال شيراك: إذا حصلت إيران على مبتغاها، "لن يكمن الخطر في القنبلة التي ستمتلكها […] الخطير هنا هو الانتشار. من المغري جداً بالنسبة إلى الدول الأخرى في المنطقة التي تمتلك موارد مادية كبيرة أن تقول: "حسناً، نحن أيضاً سنقوم بذلك..."

وصفت معظم وسائل الإعلام هذه الكلمات بالخطأ الفادح. بيد أن شيراك شدّد في مقابلة ثانية في اليوم التالي على أن فرنسا، إلى جانب نظرائها في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، تعتقد بأنه يتعيّن على إيران وقف عملية تخصيب اليورانيوم. وإذا نظرنا إلى رأيه الخاص، نرى أنه كان على حقّ في نقاط عدّة. فخطر امتلاك إيران أسلحة نووية يكمن في الانتشار الإقليمي والعالمي أكثر منه في الهجوم على إسرائيل، والذي من شأنه أن يؤدي إلى دمار متبادل. لم يكن الرئيس الفرنسي مخطئاً حين أوضح للشعب الإيراني بأن خوض مغامرة نووية لن يحقّق أي شيء لشيعة إيران باستثناء جعل الدول السنّية المحيطة بها ترغب أيضاً في امتلاك قنبلة. كما أنه سعى إلى إيصال الفكرة بأن الحلّ يكمن في إطلاق مفاوضات حول الأمن الإقليمي مع جميع الدول ذات الصلة، بدلاً من محاولة عزل إيران أكثر من خلال فرض عقوبات جديدة. هل تبدو هذه الأفكار مألوفة برأيكم؟


 

مارك بيريني | باحث زائر في كارنيغي- أوروبا، ودبلوماسي سابق في الاتحاد الأوروبي (1976-2012)

مثلي مثل العديد من الأشخاص الذين يعملون في قضايا الشرق الأوسط، أتذكّر بوضوح تام غضب جاك شيراك خلال زيارته أسواق القدس بسبب الحماية المفرطة لرجال الأمن الإسرائيليين. يوضح لنا هذا الموقف رغبة شيراك الشديدة في التواصل مع الناس بشكل مباشر، وأن يتمكّن من التوقّف ومصافحة الناس وتبادل أطراف الحديث معهم. يُدرك من رآه خلال زياراته دول أخرى بوضوح أن بصمته المميّزة كانت تعاطفأً عميقاً مع الشعب.

الأهم من ذلك، أتذكّر الجنازة الرسمية للرئيس السوري الراحل حافظ الأسد في حزيران/يونيو العام 2000، عندما كنت وقتها سفيراً للاتحاد الأوروبي في دمشق. فمن بين الأعضاء الخمسة عشر في المجلس الأوروبي وقتها، وحدهما جاك شيراك ورئيس المفوضية الأوروبية رومانو برودي حضرا الجنازة. الجدير ذكره هنا أن هذه اللفتة المشتركة كان لديها دافع واضح وهو: تشجيع الرئيس الجديد بشار الأسد، ودفعه إلى اتخاذ خطوات حاسمة نحو الإصلاح الاقتصادي والسياسي. بعدها، كان "ربيع دمشق" لكنه عاش لفترة قصيرة. في ذلك اليوم، عقد كل من شيراك وبرودي اجتماعات جانبية مع الأسد، ثمّ عاد برودي لاحقاً وفي جعبته عروض دعم. لكن شيئاً من هذه الإصلاحات لمّا يتحقّق وحسب، بل لاتزال البلاد أيضاً، وبعد تسعة عشر عاماً، تعيش كابوساً إنسانياً واقتصادياً وسياسياً. يمكن القول في الختام إن جاك شيراك على الأقل امتلك الشجاعة لمحاولة تغيير الأمور.


 

جوزيف باحوط | مستشار دائم في مركز التحليل والتنبؤ والاستراتيجية في وزارة الخارجية الفرنسية، وباحث غير مقيم في برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي

من بين القادة الذين حكموا فرنسا خلال ربع القرن الأخير، شكّل جاك شيراك على الأرجح نموذجاً عمّا سُمّي "السياسة العربية لفرنسا"، بما تضمنته من علاقات شخصية مع معظم القادة العرب، والمزج بين المبدأ الليبرالي العالمي والواقعية الحادة، والسعي المتواصل للحفاظ على المسافة نفسها مع كلٍّ من الولايات المتحدة وروسيا، وتفهّم القوى الناشئة، الذي غالباً ما يفسّر على أنه حصيلة تشكيك في النزعة الأطلسية.

لا شك أن هذا المنحى الأخير هو الذي دفع فرنسا إلى قول "اللا" الشهيرة في العام 2003. كان حدثاً تاريخياً ونادراً استخدامُ فرنسا حق النقض في مجلس الأمن الدولي لمنع الولايات المتحدة من غزو العراق، الذي يُشتبه أن شيراك ساعده في بناء برنامجه النووي. وشيراك هو نفسه الذي صاغ، مع الولايات المتحدة، بعد أشهر عدة على هذا التطوّر، القرار الرقم 1559 الصادر عن مجلس الأمن، والذي أدى في نهاية المطاف إلى الانسحاب السوري من لبنان عقب اغتيال رفيق الحريري الذي كان صديقاً مقرّباً من شيراك. لكن المُلفت أن الرئيس الفرنسي الراحل اتّخذ بعد أشهر قليلة موقفاً مغايراً لواشنطن خلال حرب تموز/يوليو 2006 بين حزب الله وإسرائيل. إذن، يمكن القول إن شيراك كان فرنسياً للغاية في شخصيته وثقافته السياسية على حدٍّ سواء. وتكمن المفارقة في أن تأثيره كان أشد وقعاً في الخارج مما كان في الداخل الفرنسي. وهذه ليست المفارقة الوحيدة في رجل جسّد مفارقات كثيرة.