فريد مرجايى | كاتب ومحلّل، وعضو سابق في اللجنة التنفيذية للحزب الديمقراطي الجديد في تورونتو

تعاني إيران مشاكل اقتصادية جمّة نتيجة الحظر الأميركي والعقوبات الموجعة المفروضة عليها، ناهيك عن قلقها الدائم من أن تؤدّي هذه الصعوبات الاقتصادية إلى إطلاق شرارة اضطرابات شعبية. لذا، سيرحّب القادة الإيرانيون على الأرجح بخفض التصعيد على مختلف الجبهات.

يُعتبر ولي العهد محمد بن سلمان من الأمراء السعوديين القلائل الذين لم يتابعوا تحصيلهم العلمي في الخارج. لهذا السبب على الأرجح تشكّلت رؤيته من منظور السلطوية المحلية السعودية وحسب. مشكلة الحاكم المُطلق هي أنه لا يواجه أي معارضة في وطنه، وبالتالي لايتقن فنّ التفاوض. لكن المبادرات الاستراتيجية التي اتّخذتها المملكة لم تتكلّل بالنصر. لذا، ربما أسفرت السياسات السعودية في اليمن وسورية وقطر، والانخفاض الراهن في سعر النفط، ناهيك عن القنبلة التي تمثّلت في اغتيال جمال خاشقجي، عن تبديل بعض المواقف في الرياض.

غالب الظن أن تفتح إيران والسعودية حواراً قد يؤدّي إلى شكل من أشكال الانفراج وخفض التصعيد في اليمن. لكن التحدّي يكمن في إطلاق مفاوضات معمّقة من شأنها أن تتكلّل بتقارب شامل بين الطرفين. يبقى في نهاية المطاف أنه لايمكن لأي مقاربة سعودية أن ترى النور بمعزل عن الرؤية العامة للسياسة الأميركية الإقليمية، وتحديداً التحالف بين بعض الدول العربية، وإسرائيل، وإدارة ترامب، التي قوّضت الاتفاق النووي مع إيران. في غضون ذلك، من المستبعد أن تبدّل طهران موقفها الاستراتيجي الراسخ من الهيمنة الأميركية والإسرائيلية التامة في الشرق الأوسط.


 

فتيحة دازي هاني | باحثة أولى حول قضايا شبه الجزيرة العربية والخليج في معهد الأبحاث الاستراتيجية التابع للمدرسة الحربية في باريس، وفي كليّة العلوم السياسية في ليل

تصاعدت وتائر التوتر بين إيران والرياض بشكل كبير خلال الأشهر الأخيرة. في غضون ذلك، تخضع السياسة الإقليمية الهجومية التي ينتهجها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى المراقبة الدقيقة داخل البلاط الملكي السعودي. فإضافةً إلى حرب اليمن الفاشلة، كانت للتحالف الودّي بين محمد بن سلمان وولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد أكلافاً باهظة تمثّلت في الخلاف مع قطر؛ ذلك الخلاف الذي دقّ إسفيناً داخل مجلس التعاون الخليجي وأجّج جذوة التوترات مع إيران. وقد جرت رياح كل ذلك بما لا تشتهيه سفن المصالح السعودية.

لقد بدا أن الهجمات على منشآت نفطية سعودية أساسية استهدفت أولوية استراتيجية لمحمد بن سلمان، وهي خططه لطرح جزء من أسهم شركة أرامكو للاكتتاب العام. يُشار هنا إلى أن غياب الرد العسكري الأميركي على الهجوم، الذي خطّطت له إيران على الأرجح، قد يؤدّي إلى انتهاج مقاربة أمنية جديدة في الخليج. كذلك، ينبغي على السعودية وإيران الاتفاق على مروحة من الإجراءات التي من شأنها أن تقلّل احتمال حدوث أعمال عدائية، وذلك بمؤازرة أطراف سياسية غير واشنطن. ونظراً إلى الزيارة المرتقبة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى السعودية في منتصف تشرين الأول/أكتوبر، قد يكون في وسع موسكو التعاون مع سائر الأفرقاء في هذا الصدد، في خطوة ستسير في عكس المقاربة الأميركية المعادية أكثر لإيران.


 

توماس و. ليبمان | كاتب وصحافي سابق ومؤلّف كتاب بعنوان "Saudi Arabia on the Edge: The Uncertain Future of an American Ally" (المملكة العربية السعودية على الحافة: المستقبل الغامض كحليف أميركي)

برزت على حين غرّة حكمة جديدة حول التوترات في الخليج، مفادها أن إيران التي تشلّها العقوبات ومعها السعودية، التي ارتعدت أوصالها خوفاً بعد الهجمات الأخيرة التي استهدفت منشآتها النفطية، وعاشت خيبة أمل بسبب رد فعل الرئيس دونالد ترامب، وتضعضعت بسبب سحب الإمارات لقواتها في اليمن، تتجهان للعمل على إيجاد صيغة تؤدي إلى تحسين علاقاتهما.

ربما يحدث ذلك (قالت دول ثالثة أنه طُلب منها المساعدة)، لكن مهلاً. فلكل من هاتين الدولتين رؤى مختلفة لا يمكن أن تتوافق بالنسبة إلى مستقبل الشرق الأوسطـ، إذ لا يرغب أي طرف في نشوب حرب شاملة لا يمكن لأحد أن يفوز بها. ومع ذلك، هذا لا يعني أنه يمكنهما التوصّل إلى تسوية حول القضايا التي تفرّقهما، كاليمن ودعم إيران للوكلاء الإقليميين المثيرين للمشاكل والبرنامج النووي الإيراني وغيرها. علاوةً على ذلك، لا يعترف أي من الطرفين بشرعية نظام الآخر، ما يزيد من صعوبة عملية التفاوض. هذا فضلاً عن أن الإيرانيين المنخرطين في التفاوض الدولي، كالرئيس حسن روحاني ووزير الخارجية محمد جواد ظريف، لا يملكون القدرة على صنع القرار.


 

فراس مقصد | أستاذ مساعد في مدرسة إليوت للشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن

ثمة تبادل أحاديث بين السعودية وإيران، أقلّه وفقاً لبعض المصادر المطلّعة في واشنطن. وفي حال صحّ ذلك، لا ينبغي أن يشكّل هذا مفاجأة على ضوء المعايير التي حدّدتها السياسة الأميركية الحالية المتمثّلة في "أقصى درجات الضغط" حيال إيران، والهجمات العديدة الأخيرة التي استهدفت البنى التحتية النفطية في منطقة الخليج، والتي يُعتقد على نطاق واسع أن إيران مسؤولة عنها. تعمد إدارة ترامب، من خلال تحذيرها المستمر لطهران من أن أي هجوم قد يطال أفراداً أو مصالح أميركية سيُواجَه بردّ قاسٍّ، إلى توجيه رسالة ضمنية مفادها أن مهاجمة حلفاء واشنطن في الخليج العربي أمر مقبول. ولا يؤدي غياب رد فعل عسكري أميركي، خاصة بعد استهداف منشآت النفط السعودية قبل أسابيع عدّة، سوى إلى تعزيز هذا الموقف الهشّ. وبالنظر إلى أوجه القصور في السياسة الأميركية الحالية، والتي تعكس وجود رئيس يرغب في مواجهة إيران من دون المجازفة بإشعال فتيل حرب، يدرك المسؤولون الأميركيون حاجة حلفائهم في الخليج العربي للحدّ من تعرضّهم إلى الخطر. مع ذلك، من المرجّح أن تكون أي محادثات سرية سعودية-إيرانية محدودة، ناهيك عن أنها لن تشمل اليمن وستجري بالتنسيق مع واشنطن.


 

مارك لينش | باحث أول غير مقيم في برنامج كارنيغي للشرق الأوسط

تمثّل الأنباء الأخيرة التي تشير إلى أن السعودية تواصلت مع إيران لإجراء مناقشات هادئة حول كيفية التخفيف من حدّة التوترات الإقليمية، لحظة نادرة من المنطق السليم. بيد أنه ما من مبرر فعلي للاعتقاد بأن تلك المحادثات ستؤتي أُكلها في وقت قريب. على الرغم من ذلك، ثمّة أسباب وجيهة لإجراء مثل هذه المحادثات: فإيران لطالما سعت إلى هكذا تفاعل. أما بالنسبة إلى السعودية، فقد كشف التصعيد العسكري الأخير في الخليج، والردّ الأميركي المحدود، عن مخاطر حدوث مواجهة لا نهاية لها. وفي حين تسبّبت حملة "أقصى درجات الضغط" التي شنّتها إدارة ترامب بأضرار اقتصادية جسيمة لإيران، يتّضح بشكل متزايد أنها فشلت في تحقيق أهداف استراتيجية. ربما تستطلع الرياض احتمالات حلول مرحلة ما بعد ترامب في وقت أقرب مما كان متوقّعاً، في وقت لازالت مروحة واسعة من الرأي العام الأميركي غاضبة جداً من من مقتل جمال خاشقجي والحملة العسكرية السعودية في اليمن.

لكن على الرغم من منطق التقارب هذا، سيكون من الصعب تحقيق أكثر من مجرّد خفض للتوتر وضبط محدود للنفس. فقد أطلق العقد الماضي مزيجاً ساماً من فشل الدولة والطائفية والحرب بالوكالة وغياب القدرة على التنبؤ، ما يشكّل تحدياً لقدرة أي طرف على السيطرة على الأحداث. وتُعتبر مواجهة إيران في جميع أنحاء المنطقة جزءاً أساسياً من النزعة الوطنية المتطرّفة التي حشدها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لتعزيز سلطته داخلياً، في حين أن التخلّص من الاتفاق النووي مع إيران وفرض العقوبات الأميركية عليها قد أفسح المجال أمام المحافظين الإيرانيين للتمتّع بدعم أكثر مما حصلوا عليه منذ سنوات عدّة. الجدير ذكره هنا هو أن لدى كل من السعودية وإيران أسباباً داخلية جيّدة ترجّح كفّة المواجهة على التقارب، طالما بقيت هذه المواجهة ضمن حدود. كما أن أفضل ما يمكن أن تحقّقه هذه المحادثات الآن يتمثّل في التفاوض بهدوء على هذه الحدود لتجنّب تصعيد قد يكون كارثياً للطرفين.