في كانون الثاني/يناير 1963، لاذ هارود أدريان راسل فيلبي، المعروف بـ"كيم" تيمّناً بشخصية في رواية روديارد كيبلينغ، بالفرار إلى موسكو آتياً إليها من العاصمة اللبنانية بيروت حيث عاش منذ آب/أغسطس 1956. وقبل قدومه إلى بيروت، كان فيلبي من كبار الشخصيات في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، لكنه كان يعمل في الوقت نفسه عميلاً مزدوجاً لدى الاتحاد السوفياتي. كانت الشكوك بشأن ازدواجية فيلبي قد ظهرت قبل توجّهه إلى لبنان، ما اضطُرَّه إلى ترك جهاز الاستخبارات البريطاني، على الرغم من حصوله على عفو مؤقت من وزير الخارجية آنذاك هارولد مكميلان. وقد ساعده أصدقاؤه الذين شعروا بأنه تعرّض إلى الخداع، على العمل مراسلاً لدى "الأوبزرفر" والإيكونوميست" في الشرق الأوسط.

قبيل فرار فيلبي في العام 1963، وصل نيكولاس إليوت من جهاز الاستخبارات البريطاني إلى بيروت ليعلمه بأن معلومات جديدة ظهرت تؤكد التهم ضدّه. كان الهدف من زيارة إليوت إلى لبنان انتزاع اعتراف من فيلبي. كانت تجمع بينهما صداقة قديمة، وكان إليوت أقام في بيروت حيث عمل فيها كمدير لمحطة الاستخبارات البريطانية بين عامَي 1960 و1962. وقبل توجّه فيلبي إلى لبنان، كان إليوت قد تدبّر حتى إعادته إلى قائمة العاملين لدى جهاز الاستخبارات البريطاني، إنما بصفة عميل عادي لابصفة ضابط.

يرد جزء كبير من التفاصيل المتعلّقة بهذه القصة في كتاب بن ماسينتير الممتاز "A Spy Among Friends: Kim Philby and the Great Betrayal" (جاسوس بين أصدقاء: كيم فيلبي والخيانة العظمى). لقد شكّل الكتاب مصدراً قيّماً، لابل أساسياً، للمعلومات في هذا المقال، إلى جانب شريطين وثائقيَّين لافتين عرضتهما قناة "بي بي سي". الوثائقي الأول مستقى من كتاب ماسينتير وعنوانه "Kim Philby: His Most Intimate Betrayal" (كيم فيلبي: خيانته الأكثر حميمية)، وقد أنتجته قناة "بي بي سي الثانية" في العام 2014؛ والثاني بعنوان "The Spy Who Went Into the Cold" (الجاسوس الذي لفّه الصقيع) أُعِدّ لقناة "بي بي سي الرابعة" في العام 2013. وساهم مقال كتبه زميلنا السابق توم كارفر في العام 2012 في مجلة "لندن ريفيو أوف بوكس"، في سدّ ثغرات إضافية. وماأغفلته هذه المصادر حاولنا التعويض عنه من خلال معلوماتنا عن بيروت وماضيها القريب.

لكن حكاية فيلبي ذريعةٌ لجأنا إليها لكشف النقاب عن وجهٍ من وجوه مدينتنا في طور الاختفاء، إنه وجه بيروت في ستينيات القرن العشرين. مااكتشفناه هو أن بيروت كما عرفها كيم فيلبي هي خيالٌ أكثر منه واقع. وحتى في خلال زيارتنا لبعض الأماكن الرئيسة التي تعود إلى الحقبة التي عاش فيها فيلبي في المدينة – شقته، مبنى السفارة البريطانية والحانة المجاورة التي كان فيلبي يتردد إليها لاحتساء المشروب، فندق السان جورج، مدافن الباشورة حيث ووري والده الثرى – تبيّنَ لنا، في معظم الأحيان، أنه لم يبقَ منها شيء أو أنها تحوّلت أنقاضا.

ولكن فنتازيا بيروت هي، من نواحٍ عدة، أكثر مايدوم في مدينةٍ مبنيّة، شأنها في ذلك شأن معظم المدن، على الوهم. وقد ساهم فيلبي نفسه في أسطورتها التي جعلت منها أداة جذب للجواسيس والمتآمرين من مختلف الأطياف، فترسخت هويتها كمكان رومنسي لتدبير الدسائس والمكائد. لكن، لو أن فيلبي رأى هذا القدر الكبير من مدينته لتبدّدت مباهج الحلم. والحال أن بيروت، كما عرفها فيلبي، اتّخذت حياةً خاصة بها في أذهاننا، لأنه كان علينا أن نعيد بناءها من المباني المتداعية والأحياء المتبدِّلة المعالم التي كانت في مامضى موطناً له.

عندما وصل فيلبي إلى لبنان في العام 1956، لم يُقم بدايةً في بيروت بل عاش لبعض الوقت في بلدة عجلتون، على بعد بضعة كيلومترات من العاصمة في محافظة كسروان. في تلك الأيام، كانت عجلتون لاتزال تتصف بطابع ريفي، لكنه تبدّل كلياً الآن. لاحقاً انتقل فيلبي إلى شقة في حي القنطاري خلف المبنى الذي كان آنذاك قصراً رئاسياً مملوكاً من عائلة بشارة الخوري، أول رئيس للبلاد بعد الاستقلال. ويُعرَف هذا الحي بأنه من أوائل المناطق التي تمدّدت خارج جدران مدينة بيروت، وكان محاطاً، في زمن فيلبي، بقصور عائلية جميلة من الحقبة العثمانية، وقد تحوّلت إلى مبانٍ متهاوية يمكن رؤيتها من نوافذ منزله. والمبنى حيث كان يقطن فيلبي وزوجته إليانور كان مملوكاً في السابق من قيصر عامر، وهو شخصية معروفة في لبنان بامتلاكها متجراً لبيع الألعاب والمفرقعات النارية.

زيارة شقة فيلبي ليست بالأمر السهل. فقد تكبّد المالك عناء القدوم من الجبل وفتح باب المبنى لنا، وإلا لما تمكّنا من دخوله. كان فيلبي يقطن في الطابق الخامس، وكانت شقته تضم شرفة شبه دائرية تطل على الجبال والبحر. تُظهر صورتان فوتوغرافيتان الزاوية الواسعة للمشهد الذي كان يُمتّع نظره به، علماً بأن المباني التي شُيِّدت لاحقاً باتت تحجب هذا المشهد البانورامي.

وفيما كنا نجول في الشقة، حاولنا أن نستعيد الأحداث التي رواها آخرون عن حياة فيلبي. هنا الحمّام حيث تعثّر وتعرّض لإصابة في رأسه قبل أيام قليلة من فراره من بيروت. وهناك حافة الشرفة التي سقط منها الثعلب الأليف الذي كان يقتنيه في منزله أو دُفِع إلى السقوط. وقد أثار نفوق الثعلب رد فعل مفاجئاً لدى فيلبي الذي بدا شديد التأثّر، وهو سلوك مستغرَب من شخص أرسل الكثيرين إلى حتفهم بدم بارد. ولاشك في أن المجلى في المطبخ، إذا كان لايزال هو نفسه منذ أيام فيلبي (وطرازه القديم يوحي بأنه ربما لايزال على حاله) استُخدِم لغسل كؤوس الويسكي التي احتساها مع إليانور بأعداد لاتُحصى عندما كانا يقيمان في الشقة. ولعل الشرفة الجانبية هي المكان حيث كان فيلبي يقف ويرسل إشارة لمستخدمه السوفياتي عندما كان يرغب في الاجتماع به.

كانت بيروت في حقبة فيلبي أصغر بكثير مما هي عليه اليوم. وكان عدد كبير من الأماكن التي درجَ على التردد إليها يقع ضمن مرمى البصر انطلاقاً من شرفته شبه الدائرية. فلنبدأ من اليسار إلى اليمين. هل ترون ذلك الجدار من المباني في أمامية المشهد؟ عند تجاوزها، تتجهون مباشرةً نحو البحر حيث شارع فينيسيا في قلب المنطقة التي كانت تُعرَف بمنطقة الفنادق قبل الحرب. هنا تجدون مبنى السفارة البريطانية القديم (إلى اليسار)، في الطابق الرابع من بناية سبيرز. كان هذا المقر مركزاً لعمليات الاستخبارات البريطانية في الشرق الأوسط إلى حين انتقال السفارة البريطانية إلى مبنى جديد في منطقة الكورنيش في العام 1960. ولاتزال فاتورة الكهرباء تصدر حتى يومنا هذا باسم السفارة البريطانية.

وعند زاوية الشارع حيث المقر السابق للسفارة البريطانية، كانت هناك حانةٌ اعتاد فيلبي التردد إليها وتمضية جزء من أوقاته فيها. فالحانة التي كانت تُعرَف بـJoe’s Bar كانت تقع في الطابق السفلي من مبنى بات الآن مهجوراً، على مسافة 150 متراً فقط من فندق فينيسيا حيث صُوِّرت تقريباً جميع أفلام التجسس الأوروبية التي دارت أحداثها في بيروت في الستينيات، في مايُسمّى، على نحوٍ ملائم، شارع لندن. روى المؤرّخ الراحل جون يوليوس نورفيتش، الذي كان دبلوماسياً شاباً في لبنان عندما كان فيلبي مقيماً هنا، في مقابلة نُشِرت وقائعها في كتاب "الجاسوس الذي لفّه الصقيع"، أنه رأى فيلبي مراراً جالساً بمفرده إلى طاولة في زاوية الحانة حيث كان يحتسي الشراب، "كان جزءاً من الأثاث... ولم يكن يتفوّه بكلمة واحدة".

لاريب أن فيلبي كان يلتزم الصمت أيضاً على بعد بضع مئات الأمتار من حانة Joe’s Bar، حيث يقع فندق السان جورج الذائع الصيت. لايزال البناء قائماً، غير أن نزاعاً نشأ بين مالك الفندق والشركة التي تولّت إعادة إعمار وسط بيروت، ماحال دون إعادة مباشرة العمل من جديد في الفندق. في فندق السان جورج الذي كان فيلبي يُعرّج عليه أيضاً لاحتساء الشراب، تعرّفَ إلى زوجته الثالثة إليانور التي كانت متزوّجة آنذاك من سام بروير، مراسل صحيفة "نيويورك تايمز"، وقد دعت فيلبي للانضمام إلى طاولتها حيث كانت تجلس مع بعض الأصدقاء.

لنعد معاً إلى شرفة فيلبي وننظر في اتجاه مائل، إلى مكان يقع وراء كنيسة مار الياس القديمة التي تظهر إلى يسار عمود الشرفة. كان هذا في السابق حي وادي أبو جميل اليهودي في بيروت، ونزولاً من هذا الحي، على مقربة من البحر، كان يقع فندق نورماندي ومطعم لوكولوس. كلاهما لم يعد لهما وجود، والطريق المحاذي للبحر الذي كان يحتضنهما وكان يُعرَف سابقاً بجادة الفرنسيين (Avenue des Français) تقدّم أكثر نحو البر بسبب مكب النفايات الذي أُنشئ في المكان خلال الحرب الأهلية. وبعد الحرب حوّلت إعادة الإعمار المكب إلى منجم ذهب، كونه يضم الآن، في جزء منه، بعضاً من العقارات الأغلى ثمناً في بيروت.

كان فندق نورماندي من الأماكن التي يتردد إليها أيضاً فيلبي لاحتساء الكحول، في حين كان مطعم لوكولوس المجاور من أفخم المطاعم في بيروت، وكان معروفاً بحساء السمك الذي يُقدّمه، ومملوكاً من عائلة بوردس الفرنسية. عندما انتقل إليوت إلى بيروت في العام 1960، أول مكان اصطحب فيلبي إليه كان مطعم لوكولوس للاحتفال بلمّ شملهما. اليوم، لم يبقَ في تلك المنطقة سوى مبنى واحد من حقبة ماقبل 1975، في الشريط الممتد سابقاً بمحاذاة البحر كما يظهر في الصورة، في حين أُطلِق اسم الحي، الزيتونة، على مارينا مجاورة تحيط بفندق السان جورج.

عودوا معنا من جديد إلى شرفة فيلبي وتخيّلوا ماذا يوجد خلف ذلك المسخ الإسمنتي القبيح وغير المكتمل أمامكم، المسمّى برج المر، والذي يحجب عنكم رؤية الجبال. إذا تقدّمتم مسافة كافية، تصلون إلى تقاطع طريق، في ناحية نهر بيروت الواقعة لجهة منطقة برج حمود الأرمنية. وهناك كان يقع مطعم Vrej في الستينيات، حيث كان فيلبي يجتمع بمستخدمه الروسي بتوخوف. وقد هُدِم المبنى لاحقاً، وافتُتِحت حانة ألمانية حيث كان المطعم. يتذكّر عدد كبير من اللبنانيين مطعم Vrej، إنما لم يكونوا على الأرجح ليتعرفوا على هوية فيلبي وجليسه ويبلّغوا السلطات عنهما.

هل مازلتم على شرفة فيلبي؟ انعطفوا إلى يمين برج المر، وبعد أقل من كيلومتر واحد، تصلون إلى مدافن الباشورة التاريخية في بيروت، حيث يرقد رفاة عدد كبير من أبناء العائلات السنّية في لبنان فضلاً عن حكّام عثمانيين. هنا دُفِن والد فيلبي، ساينت جون فيلبي الذي كان شخصية مثيرة للرعدة، وقد اعتنق الإسلام وربطته علاقة صداقة بالعاهل السعودي الأول الملك عبد العزيز آل سعود. وانضمام كيم إلى الاستخبارات تمّ بدايةً بتوصيةٍ من والده. وقد تركت وفاته في بيروت في أيلول/سبتمبر 1960 عميق الأثر لدى كيم الذي شعر بأنه مدمَّر فأقبلَ على احتساء الكحول بإسراف، وفقاً لعادته التي درج عليها للتنفيس عن الأسى وعن أمور أخرى كثيرة. لايتضمن سجل المدافن أي إشارة إلى قبرٍ باسم ساينت جون، وعلى الرغم من عملية البحث التي أُجريَت، لم يظهر القبر، حتى لو كان مؤكّداً على الأرجح أنه مدفون هناك.

إلى يمين الشرفة، وعند سلوك الطريق صعوداً، نصل بعد أقل من عشر دقائق إلى المقر السابق للسفير البريطاني في شارع الظريف. هذا القصر القديم والجميل اشترته جمعية خيرية، لكنه كان المقر الرسمي للسفير البريطاني حتى فترة غير بعيدة. من سخرية القدر أن منزل فيلبي كان يقع في الوسط تقريباً بين مقر السفير ومقر السفارة، في خطٍ متواصل كان عميل الخيانة يُقيم في عقره.

في الاتجاه المعاكس للجهة التي تحدّقون إليها، على بعد بضعة كيلومترات من القنطاري تقع منطقة فردان حيث أقام نيكولاس إليوت. كانت شقته في الطابق العلوي في بناية تابت التي لطالما اعتُبِرت من أبرز العناوين في ذلك الجزء من المدينة. اليوم، المبنى متصدّع بعض الشيء، إنما يجري العمل على ترميم شققه. قبل ستين عاماً، كان لايزال ممكناً على الأرجح رؤية البحر المتوسط من هناك. يروي ماسينتير أن إليوت، الذي لم يكن ملمّاً بأمور الشرق الأوسط، اتّكل على فيلبي لإطلاعه على تعقيدات المنطقة، حتى فيما كان يرسله إلى البلدان العربية لجمع معلومات لحساب الاستخبارات البريطانية.

لنسلك الطريق باتجاه مطعم Vrej من جديد، حيث تقع على مسافة قريبة منه إهراءات الحبوب التابعة لمرفأ بيروت والتي بالكاد تلوح معالمها للناظر من شقة فيلبي. من هذا المرفأ لاذ فيلبي بالفرار مغادراً بيروت في تلك الليلة الماطرة في 23 كانون الثاني/يناير 1963، على متن سفينة الشحن السوفياتية "دولماتوفا" التي كانت متوجّهة إلى مدينة أوديسا. وكان قد اتصل بإليانور، من فندق السان جورج على مايبدو، ليخبرها بأنه سيتأخر في الالتحاق بها إلى دعوة للعشاء.

تبقى مفارقة أخيرة في المبنى حيث كان يقيم فيلبي: إنهما خربشتان على الجدران أُضيفتا إلى المكان بعد وقت طويل من رحيل فيلبي، ويبدو بطريقة من الطرق أنهما تجسّدان جيداً الشعور الذي لابد من أنه راوده فيما كان يستعد للمغادرة إلى الاتحاد السوفياتي. وهما موجودتان عند منبسط الدرج المؤدّي إلى شقته، وإحداهما عبارة عن سهم يُشير باتجاه نصيحة مكتوبة على جدار الدرَج.

وعلى مقربة من باب شقته عبارةٌ أقل دماثة تُجسّد انطباعاً لابد من أنه خطر أيضاً في باله، وقد سُطِّرَت العبارة للتشديد عليها.

أخيراً، بعد سنوات من التفكير في الأمر، نفّذ فيلبي هروبه الكبير.