تقع محافظة أسوان المصرية على طول نهر النيل وعلى حدود السودان. تُشكّل عاصمتها مدينة أسوان تجمّعاً حضرياً في أقصى جنوب البلاد، وتميّزت بأنها كانت واحة استقرار خلال ثورة العام 2011، في خضم الاضطرابات التي عمّت سائر المناطق المصرية.

معبد أبو سمبل في محافظة أسوان

مع ذلك، لم تبقَ أسوان في منأى عن المشاكل الاقتصادية التي واجهتها مصر منذ إطاحة نظام الرئيس حسني مبارك الذي حكم البلاد لعقود عدّة. فسُرعان ما توقّفت السياحة، التي تُعدّ مصدراً مهمّاً للدخل، بسبب مخاوف الأجانب من حالة اللااستقرار التي سادت عقب تنحية مبارك. ولم يُبدِ القطاع السياحي منذ ذلك الحين سوى القليل من التعافي. والأسوأ أن مدينة أسوان لطالما عانت من إهمال السلطة المركزية، ولم يتحسّن الوضع إلا قليلاً في مرحلة ما بعد مبارك. فالتجارة عبر الحدود مع السودان، والتي يُرجّح أن تعود بفائدة كبرى على أسوان، لم تحقّق اندفاعة كبرى بعد، بسبب التوتّر الذي يشوب العلاقات المصرية-السودانية.

تُعزى الحالة البائسة لمحافظة أسوان اليوم جزئياً إلى السياسات التي انتهجها نظام مبارك طيلة عقود، والتي أغفلت إنماء المناطق الطَرْفية لصالح تطوير – لا بل الإفراط في تطوير – القاهرة. وبدا للوهلة الأولى أن الرئيس المصري الحالي عبد الفتاح السيسي سيواصل هذا المنحى، إذ لم يبدُ في حملته الانتخابية مستعداً لزيارة الجنوب عموماً، وأسوان خصوصاً. وساد الاعتقاد بأن الخطاب الذي وجّهه إلى أهالي أسيوط عبر مكالمة هاتفية مرئية في إطار أنشطة الحملة الانتخابية هو أقصى ما سيقوم به في هذا الصدد. بيد أنه ما إن وطّد أركان حكمه حتى بدأ يبدي اهتماماً بأسوان. فعلى سبيل المثال، زار السيسي المدينة للمشاركة في مؤتمريَن للشباب حول موضوع الدعاية والإعلام، عُقد الأول في كانون الثاني/يناير 2017 والثاني في آذار/مارس 2019، في أعقاب تسمية أسوان عاصمة للشباب الأفريقي.

قارب على النيل يحمل شعار ملتقى الشباب العربي والأفريقي

أفادت أسوان من اهتمام السيسي الجديد بالمنطقة. فقد شكّلت زياراته حافزاً لتحسين البنى التحتية في المدينة. على سبيل المثال، جرى ترميم وتطوير طريق المطار الذي كان بحاجة ماسّة إلى إصلاحات.

لكن سكان أسوان بقوا حذرين، وعبّروا في مقابلات أُجريت معهم عن خشيتهم من أن يقرّر السيسي منفرداً بيع أراضيهم إلى مستثمرين خليجيين. وهذا ما فعله الرئيس، حسبما زُعم، بأجزاء من جزيرة بولاق في القاهرة، ناهيك عن منح السعودية السيادة على جزيرتَي تيران وصنافير الواقعتين في البحر الأحمر.

أسهم المؤتمران الآنفا الذكر في تنشيط الحركة السياحية في أسوان التي اعتمد اقتصادها تاريخياً على السياحة الدولية، نظراً إلى غناها بالآثار النوبية والمصرية القديمة وطقسها الدافئ شتاءً. وبحلول نهاية العام 2010، بلغت السياحة أعلى مستوياتها، إذ زار محافظة أسوان ذلك العام حوالى 442 ألف سائح، بيد أن هذه الأرقام تهاوت في أعقاب الثورة. فوفقاً للسجلّات الرسمية للمحافظة، زار أسوان 153 ألف سائح في العام 2011، و137 ألفاً في العام 2012، وحوالى 115 ألفاً في العامَين 2013 و2014. أما اليوم، وبعد ثمانية أعوام من تنحية مبارك، لاتزال الحركة السياحية بطيئة في أبرز معالم أسوان الأثرية، على غرار سوقها مترامي الأطراف وقرية غرب سهيل النوبية الجميلة.

سوق أسوان الذي يعجّ بالسيّاح حين تكون الظروف أفضل

قوارب فارغة راسية في غرب سهيل بسبب ندرة السيّاح

يرى بعض سكان أسوان أن التراجع الحاد الذي شهده القطاع السياحي أجّج جذوة التوترات الاجتماعية-السياسية. لكن هذه التوترات قلّما تؤدّي إلى اندلاع أعمال عنف في هذه المحافظة، وذلك لسببين أساسيين هما: أولاً، لاتحظى الأحزاب السياسية الإسلامية والعلمانية بوجود قوي في مدينة أسوان خصوصاً والمحافظة عموماً، كما هي الحال في مناطق مصرية أخرى. وثانياً، تُعتبر الصوفية التيار الإسلامي المهيمن في المنطقة، وهي على طرفيْ نقيض من شتّى أنواع الإيديولوجيات المتشدّدة.

مع ذلك، تعرّضت المنطقة في السنوات الأخيرة إلى هجومين عنيفين واسعَي النطاق، كان للأول بعدٌ سياسي واضح. ففي 14 آب/أغسطس 2013، حين استخدمت القوات الأمنية في القاهرة العنف لتفريق المتظاهرين المؤيدين لمرسي عقب إطاحته، شهدت أسوان أيضاً اشتباكات بين الشرطة وبين جمع من أهالي المنطقة الذين كانوا يندّدون بما حدث في العاصمة.

في الحادثة الثانية، التي وقعت في نيسان/أبريل 2014، أدّت المضايقات التي تعرّضت إليها امرأة إلى معاودة ظهور نزاع عرقي بين قبيلة الدابودية النوبية والقبائل الهلالية العربية. في الحالات السابقة التي نشب فيها خلاف بين أي من قبائل المناطق، كانت المخاوف المشتركة من تأثير أي تصعيد على السياحة يدفعها والأطراف الخارجية إلى الحؤول دون تحوّل الخلافات إلى أعمال عنف. مع ذلك، وبالنظر إلى ضعف قطاع السياحة وتهميش نظام السيسي للمجتمع المدني، تواصلت اشتباكات العام 2014 من دون توقّف لأكثر من أسبوع. في نهاية المطاف، تمكّن القادة المحليون من التفاوض حول هدنة بين القبيلتين. لكن في غضون عشرة أيام، قُتل 25 شخصاً وأصيب 40 آخرون بجروح.

لكن، إذا كانت ندرة السياح الدوليين قد أثّرت على الاقتصاد وتسبّبت حتى في اندلاع صراع اجتماعي، فموقع محافظة أسوان على الحدود مع السودان يحمل في طياته احتمالاً مثيراً للاهتمام يتمثّل في إمكانية أن تصبح أسوان هي وجهة دخول الأشخاص والبضائع إلى مصر من جارتها الجنوبية. بيد أن ذلك حدث بالفعل، بشكل من الأشكال. فوفقاً لتقديرات مسؤولين فضّلوا عدم الكشف عن هويتهم، عَبَرَ حوالى مليونيْ سوداني الحدود إلى مصر في العام 2018 خلال شهر رمضان، على الرغم من أن عدد الذين أمضوا وقتاً في أسوان غير معروف.

مع ذلك، لاتزال التجارة العابرة للحدود، التي من شأنها إغناء محافظة أسوان وتحويل مدينة أسوان إلى مركز اقتصادي، تقع فريسة المشاحنات السياسية. في الواقع، وعلى الرغم من أن التصريحات الدورية المشتركة التي كان يُطلقها كبار المسؤولين المصريين والسودانيين تشير إلى أن البلدين ملتزمان بتعزيز العلاقات الثنائية، تواصل خلافات عدّة إحباط أي تعاون.

إحدى هذه الخلافات تتمثّل في هوية الدولة التي تمتلك السيادة على منطقة تُعرف باسم مثلث حلايب. فمصر تعتبر المنطقة جزءاً من محافظة البحر الأحمر المتاخمة لمحافظة أسوان شرقاً. وتعود أصول هذا النزاع إلى انفصال مصر والسودان وتحوّلهما إلى دولتين مستقلتين في منتصف القرن العشرين. الجدير ذكره هنا أن حدّة النزاع على الأرض لا تتفاقم بشكل دوري وحسب، بل تعيق هذه المسألة أيضاً تقارباً كاملاً بين مصر والسودان حتى في أوقات الهدوء النسبي.

مثلث حلايب الذي يُعتبر محل أهم النزاعات الحدودية بين مصر والسودان

يتأتى الخلاف الأحدث من موقف السودان الداعم لمشروع سدّ النهضة الإثيوبي الكبير في إثيوبيا على نهر النيل، في حين ترى مصر أنه يشكّل تهديداً مباشراً لأمنها المائي. وقد تجلّى هذا الخلاف في صور عدّة، إذ إن مصر بدأت مثلاً، في العام 2013، بمطالبة المواطنين السودانيين التقدّم بطلب الحصول على تأشيرة دخول مصرية، الأمر الذي يتعارض مع اتفاقية العام 2004 التي سمحت لمواطني الدولتين السفر بحرية مستخدمين فقط بطاقة الهوية أو جواز سفر صالح. وردّت السودان بالمثل، ليتعيّن الآن على المصريين الحصول على تأشيرة قبل دخول السودان.

في نهاية المطاف، تؤدي خلافات كتلك المرتبطة بمثلث حلايب وسدّ النهضة إلى إعاقة المحاولات المبذولة لزيادة التعاون والتجارة الاقتصادية بين مصر والسودان. وسيبقى الوضع على ما هو عليه على الأرجح، بغضّ النظر عن الإجراءات المحسّنة لممارسة الأعمال التجارية.

لنأخذ مثلاً مسألة المعابر الحدودية البرية. ففي العام 2015، تمّ فتح أول معبر بين مصر والسودان في قسطل (الواقعة في محافظة أسوان). وأدّى ذلك إلى تقليص وقت السفر من 17 ساعة في عبّارات النيل (بين ميناء السد العالي في مصر وميناء حلفا في السودان) إلى 5 ساعات. يُعرف معبر قسطل بأنه الأول من بين ثلاثة معابر حدودية جديدة سيتمّ فتحها بين البلدين. والثاني، معبر أرقين الذي افتتحته السودان في العام 2017. أما المعبر الثالث فما من معلومات متوافرة حوله حتى الآن. وقد أعلن مسؤولون من الدولتين في مناسبات عدّة أن المعابر الحدودية البرية ستعيد إحياء النشاط التجاري، حتى أن البعض يقدّر أن يؤدي ذلك إلى زيادة كبيرة في حجم البضائع لترتفع قيمتها من مليار دولار إلى 15 مليارا.

الشاحنات مصطفّة عند معبر قسطل الحدودي لدخول السودان

لم تتحقّق أي من هذه التقديرات. والمؤكد أن شاحنات البضائع والمجموعات المختلفة من الزوّار تستفيد من هذه المعابر، لكن ليس البتّة بالقدر المتوقّع. في الواقع، لا تزال أسوان (التي اشتّق اسمها من كلمة تعني "السوق" في اللغة المصرية القديمة) غارقةً في حالة ركود اقتصادي، على الرغم من أنها كانت تُعتبر تاريخياً مركزاً تجارياً بين مصر وجيرانها الجنوبيين.

أما بالنسبة إلى سكان مدينة أسوان، فيبدو أنهم يدركون أن وضعية الانتظار ستدوم طويلاً، سواء تعلّق الأمر ببرامج التنمية الحكومية المستدامة، أو عودة السياح، أو زيادة الأعمال التجارية مع السودان.

لا يرغب كثيرون في الانتظار. ففي مقابلات عدّة، تحدّث العديد من الشباب في مدينة أسوان عن أنهم سيهاجرون إذا ما أتيحت لهم الفرصة.