ماذا حدث؟

اندلعت احتجاجات حاشدة بدءاً من يوم الخميس الماضي بعدما أعلنت الحكومة عن إجراءَين جديدين لفرض ضريبة تنازلية، وهما عبارة عن رسم يومي بقيمة 20 سنتاً على الاتصالات الهاتفية عبر الإنترنت، بما في ذلك على تطبيق "واتساب" المستخدَم على نطاق واسع، وخطة لزيادة الضريبة على القيمة المضافة من 11 إلى 15 في المئة بحلول العام 2022. وكانت هاتان الضريبتان ستُضافان إلى قائمة طويلة من الإجراءات التقشفية التي اعتمدتها الحكومة العام الفائت لمعالجة الأزمة الاقتصادية والمالية التي تتخبط فيها البلاد. وقد تم التراجع لاحقاً عن الرسم على الاتصالات عبر الإنترنت، بيد أن هذا لم يفلح في احتواء التظاهرات التي عمّت مختلف أنحاء البلاد.

يسجّل لبنان ثالث أعلى نسبة من الدين العام في العالم، تساوي 150 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، ويعاني من ركود شديد، في ظل ارتفاع معدّلات الفقر والبطالة، حيث أن ثلث اللبنانيين دون سن الـ35 عاطلون عن العمل. كذلك، يُعدّ التفاوت الاجتماعي حادّاً، في ظل قصور الدولة عن تأمين الخدمات العامة، وتداعي البنى التحتية. ونظراً إلى هذه الظروف المزرية، يُعتبر من غير المناسب على الإطلاق اعتماد إجراءات تقشفية لمعالجة الديون. فقد تسببت هذه الإجراءات بإفقار شرائح أكبر من السكان، ما أدّى إلى تنامي الاستياء، إذ لم يُطلَب من الأكثر ثراء (وبينهم أفراد من النخبة الحاكمة) المساهمة في التخفيف من عبء الدين. ولم تُفرَض ضرائب على أرباحهم وثرواتهم، ولم يتم المس بالأساليب التي يستخدمونها لانتزاع ريوع من القطاعَين المصرفي والعقاري. إذن، كانت "ضريبة الواتساب" أشبه بالقشة التي قصمت ظهر البعير.


 

ما أهمية ذلك؟

تكتسب الاحتجاجات أهمية لأسباب عدة. إنها الأكبر منذ التظاهرات التي اندلعت في العام 2005 عَقِب اغتيال رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري. وثانياً، إنها احتجاجات عفوية غير موجَّهة من أحزاب سياسية أو زعماء سياسيين. وثالثاً، انتشرت هذه التظاهرات في مختلف أنحاء لبنان، ولم تقتصر فقط على بيروت أو على المدن الرئيسة. ورابعاً، لتتميّز هذه الاحتجاجات بأنها غير طائفية، فقد وجّه المحتجّون انتقادات إلى زعماء سياسيين من طوائفهم نفسها، وهذه سابقة في لبنان.

ما السبيل لتخطي الانقسامات الطائفية التي تشكّل طابعاً أساسياً في الحياة السياسية اللبنانية؟ تتوحّد شريحة كبيرة من اللبنانيين الآن تحت راية المحنة الاقتصادية والاجتماعية، بمعزل عن انتماءاتهم الطائفية. فقد أفضت الإجراءات التقشفية إلى شعور معمّم بأن الكيل قد طفح من ممارسات الحكومة وسوء إدارتها للبلاد في الأعوام الأخيرة. وتسببت تلك الإجراءات أيضاً بتفاقم التفاوت الاجتماعي، ما أسفر عن تعميق الشرخ الذي يفصل بين الطبقة السياسية والمواطنين.

وفي هذا الصدد، تكشف الأرقام أن نسبة 0.1 في المئة الأكثر ثراء من اللبنانيين، أي نحو 3000 شخص بينهم عددٌ كبير من أفراد الطبقة السياسية، تستحوذ على 10 في المئة من مجموع الدخل الوطني، وهذا يساوي مجموع الدخل الذي تحققه نسبة 50 في المئة من السكان الذين هم في أسفل هرم المداخيل. وغالب الظن أن هذه الهوة هي من المحرّكات الأساسية خلف مظاهر الوحدة التي تجلّت بين المحتجين في الشوارع منذ يوم الخميس الفائت. فالمطالب الطبقية أو الاقتصادية والاجتماعية تخطّت الانقسامات الطائفية.


 

ما المضاعفات للمستقبل؟

يبدو أن هذه الاحتجاجات تُشكّل نقطة تحوّل في تاريخ لبنان الحديث، وتدفع إلى التساؤل عما إذا كان لبنان قادراً على الخروج من المأزق السياسي والاقتصادي الذي يتخبط فيه منذ نهاية الحرب الأهلية في العام 1990.

حتى الآن، كانت الاستجابة الحكومية لمطلب الاستقالة الذي يرفعه الشعب، محدودة: فقد استقال بضعة وزراء، واقترح رئيس الوزراء سعد الحريري خفضاً بنسبة 50 في المئة في رواتب كبار موظفي الخدمة المدنية والنواب والسياسيين، فضلاً عن إلغاء بعض امتيازاتهم. ومن المقترحات التي قدّمها أيضاً التعجيل في بناء معامل جديدة للتيار الكهربائي وفرض ضريبة على أرباح المصارف بما يتيح الحصول على إيرادات قدرها 3.38 مليارات دولار. لكن حتى لو سلكت هذه الإجراءات طريقها إلى التنفيذ، من غير المرجّح أن تكسب الحريري ثقة الرأي العام أو أن تنهي الاحتجاجات. لابل ستسلّط الضوء بصورة أكبر على النفاق الحكومي: فكيف تمكّنت الحكومة من أن تجد فجأةً أساليب لجمع إيرادات بمليارات الدولارات في فترة زمنية قصيرة جدّاً، فيما أخفقت في اتّخاذ مثل هذه الخطوات سابقاً، واختارت بدلاً من ذلك رفع الضرائب؟

في ما يتعلق بالتغييرات السياسية، من السيناريوات المحتملة استقالة الحكومة وتشكيل حكومة انتقالية تُجري انتخابات جديدة وتطبّق إصلاحات جذرية. ولكن ليس واضحاً بعد مَن هي الجهات التي قد تؤلّف هذه الحكومة، وما الخطوات المحدّدة التي ستُتَّخذ لتحقيق الانتقال السياسي. وفي هذا الصدد، يُرجَّح أن تحظى بدعمٍ شعبي شخصيات من التكنوقراط أو ممثّلون عن المجتمع المدني، فضلاً عن أعضاء الأحزاب المستقلة في الانتخابات السابقة.

وفي ما يتعلق بالتغييرات الاقتصادية، أتاح سوء الإدارة الحكومية هامشاً واسعاً للقيام بإجراءات وإصلاحات من شأنها التخفيف من وطأة الأوضاع والمساهمة في تحقيق الإيرادات، حتى في إطار الموازنة الراهنة. ومن هذه الإجراءات إلغاء جزء من الديون المتوجّبة على الدولة لمصارف محلية، وخفض معدّلات الفائدة على الديون السابقة، وإرغام المصارف على إقراض الدولة من دون فائدة لمدة تتراوح بين سنة وثلاث سنوات؛ فضلاً عن تطبيق ضريبة تصاعدية على الدخل وضريبة على الأرباح الرأسمالية؛ والاستثمار بشكل كبير في البنى التحتية.