اندلعت الأسبوع الماضي احتجاجات في مختلف أنحاء لبنان ضد الإجراءات المالية التي أعلنت عنها حكومة سعد الحريري لمعالجة الأزمة الاقتصادية الخانقة في البلاد. وكانت هذه الإجراءات ستشمل زيادة الضرائب على القيمة المضافة، فضلاً عن فرض رسمٍ على الاتصالات الهاتفية عبر الإنترنت، ما أثار نقمة شعبية واسعة. ولكن سرعان ماظهر جلياً أن الدافع وراء الاحتجاجات أعمق بكثير ويعكس عداءً شديداً للطبقة السياسية عموماً، والتي يُنظَر إليها بأنها فاسدة وعديمة الفاعلية. للوقوف على مآلات الاحتجاجات، تحدّثت "ديوان" مع جوزف باحوط، الباحث غير المقيم في مؤسسة كارنيغي، الذي واكب التطورات عن كثب.

مايكل يونغ: أعلن رئيس الوزراء سعد الحريري يوم الاثنين عن إجراءات اقتصادية للتخفيف من حدة الأزمة الاقتصادية والمالية في لبنان. ماذا سيكون تأثير ذلك؟

جوزيف باحوط: بعد فترة فاصلة دامت 72 ساعة إبان اندلاع الاحتجاجات، طرح الحريري خطته الإصلاحية يوم الاثنين الماضي. عند التدقيق فيها، يتبيّن لنا أنها مجموعة من الإجراءات المتفرّقة التي لاتُقدّم أي آفاق حقيقية لإجراء التغييرات الاقتصادية البنيوية المطلوبة من أجل تجنُّب حدوث انهيار اقتصادي. لابل بدا أن هذه الخطة مجرد مسعى لكسب الوقت.

كانت بعض هذه الإجراءات تجميلية وشعبوية الطابع، على غرار خفض رواتب الوزراء والنواب. وبعضها تأخّر كثيراً، لكن تطبيقها يقتضي تغييراً جذرياً في السلوك الحكومي، ومنه مثلاً السلوك في إدارة قطاع الكهرباء. وبعضها الآخر ربما يتسبب بانقسامات داخل الحكومة، على غرار الإجراء المتعلق بزيادة الضرائب على أرباح المصارف، ما قد يثير هلعاً مالياً من شأنه أن يفاقم الأزمة.

سرعان ما أعلنت الحركة الاحتجاجية رفضها لخطة الحريري وصعّدت مطالبها التي تشتمل على استقالة الحكومة، وتشكيل حكومة جديدة من تكنوقراط غير مسيَّسين، وإقرار قانون انتخابي جديد وإجراء انتخابات نيابية مبكرة، فضلاً عن إدخال تغيير عميقة في طريقة إدارة الحكومة للشؤون الاقتصادية. بيد أن الحركة الاحتجاجية ليست منظَّمة، وهي معرَّضة للإنهاك أو الانقسام مع مرور الوقت. وهذا ما تُراهن عليه الحكومة للبقاء.

يونغ: ماهي النتائج المحتملة في المرحلة المقبلة؟

باحوط: تسود انقسامات خطيرة داخل الحكومة، وسوف تزداد اتساعاً من الآن فصاعداً. للمفارقة، ينبغي أن يكون الحريري أكثر إدراكاً، بعد الاحتجاجات، للنفوذ الذي يتمتع به لإحداث تغيير في السياسة المالية والاقتصادية. فالرئيس ميشال عون وحزب الله يريدانه أن يبقى في منصبه لأنه الشخصية المفضّلة لدى المجتمع الدولي والمانحين الدوليين للتحاور معها. ولكن الحريري ينقصه الحلفاء داخل حكومته، ولاسيما بعد استقالة وزراء القوات اللبنانية. في غضون ذلك، لايزال عون وحزب الله غير مستعدَّين للتنازل لرئيس الوزراء عن أي سلطة حقيقية قي صنع القرارات، على الرغم من أنه كان يجب أن يشعرا بالخوف إزاء ردود الفعل في الشارع وأن تسقط هالة النفوذ التي بدا أنهما يتمتعان بها.

إذا تبيّن أن الخطوات الإصلاحية غير كافية وإذا تمكّنت الحركة الاحتجاجية من الاستمرار، فمن المتوقع أن نكون أمام حالة مطوّلة من المراوحة، مايزيد على الأرجح مخاطر وقوع مزيد من الأحداث العنيفة. والخطر نفسه ماثلٌ في حال استقالة الحريري التي من شأنها أن تُفضي، في الأغلب، إلى فراغ حكومي طويل، مع مايترتب عن ذلك من تبعات سلبية على الاقتصاد. بالطبع، قد يكون البديل الآخر، في هذه الحالة، تشكيل حكومة مؤلّفة من فريق عون وحزب الله وحلفائهما، لكن ذلك يضع لبنان في مسار تصادمي مع عدد كبير من شركائه الدوليين.

القوتان السياسيتان المنظّمتان الوحيدتان اللتان يمكنهما استغلال السيناريوات التي عرضتُها هما حزب الله والقوات المسلحة اللبنانية. وهذا يفسّر الشائعة التي يجري تداولها راهناً وبصورة مستمرة في بيروت عن دور محتمل للجيش في إيجاد حل للأزمة، وهو مطلبٌ يعبّر عنه حتى بعض المتظاهرين. بالفعل، يخضع سلوك الجيش للتدقيق عن كثب من جانب المحتجّين، ولو كانت الغاية فقط أن يؤدّي الجنود دور درعٍ واقٍ في وجه القوى السياسية التي تعارض الاحتجاجات وتكنّ الولاء لمسؤولين كبار في الحكومة؛ أو أن يؤمّنوا، في نهاية المطاف، الحماية لحكومة "إنقاذ وطني" قد تكون مسؤولة عن إدارة عملية الانتقال السياسي، في حال كان هذا الانتقال ممكناً.

يونغ: هل الجيش مستعد لتجاوز الخطوط والدخول في مواجهة، ولو ناعمة، مع حزب الله؟

باحوط: في اليومَين الماضيين، تصدّى الجيش للاعتداءات على المحتجّين التي قام بها أنصار حركة أمل التي يتزعمها رئيس مجلس النواب نبيه بري وبعض عناصر الأمن الذاتي التابعين لحزب الله. وقبل ذلك، كان الحريري قد تعهّد بحماية المتظاهرين، وحذّرت قيادة الجيش أيضاً من أنها لن تسمح بأي اعتداء على الحركة الاحتجاجية (ولاسيما بعد أن استخدم مسلّحو حركة أمل السلاح لمحاولة قمع الاحتجاجات في معاقل الشيعة في نهاية الأسبوع الماضي). وقد تصرّف الجيش بحزم وأصدرت حركة أمل أوامرها لمقاتليها بالانسحاب من الشارع.

أثارت هذه التطورات تساؤلات عدة. يُعتقَد على نطاق واسع أن لحزب الله تأثيراً كبيراً على القوات المسلحة، وأنه تسلّل حتى إلى صفوفها. هل تغيّر شيءٌ ما في الآونة الأخيرة؟ إذا لم يتغير شيء، فما هي إذاً حدود هذا السلوك الجديد من جانب الجيش؟ وإذا كان قد تغيّر شيء، فهل سيصغي حزب الله مؤقتاً إلى تحذيرات الجيش بغية تخطّي العاصفة الراهنة؟

يجب أيضاً رصد الديناميكيات القائمة بين الجيش وميشال عون. فرئيس الجمهورية هو مَن اختار العماد جوزيف عون قائداً للجيش، ولكن المعروف أن علاقات هذا الأخير بصهر الرئيس، وزير الخارجية جبران باسيل، سيئة جدّاً. يُضاف إلى ذلك أن عون وباسيل مرشحان محتملان لرئاسة الجمهورية خلفاً لميشال عون الذي أصبح متقدّماً في السن.

بعد انقضاء أيام عدة على الاحتجاجات في مختلف أنحاء لبنان، يُعتبر باسيل وبري الشخصيتين اللتين نالتا النصيب الأكبر من الإهانات على ألسنة المتظاهرين. وهذه الإهانات لم توفّر حتى حسن نصرالله، أمين عام حزب الله. إذن، يبدو أن هذه الديناميكيات ستطبع مسار الحركة الاحتجاجية وخياراتها وآفاقها في المرحلة المقبلة.