إزاء الاحتجاجات المتواصلة في شوارع لبنان ضد الطبقة السياسية والنظام السياسي الطائفي، بات للقوات المسلحة اللبنانية دورٌ لاغنى عنه في الحفاظ على الاستقرار الداخلي في مرحلةٍ من التغيير غير القابل للتوقع. والمعايير التي تقوم عليها مهمة المؤسسة العسكرية بسيطة على نحوٍ ملتبس، وتتمثّل في حماية المؤسسات الحكومية الأساسية والشعب، والوقوف مع المحتجين وإلى جانبهم. ولهذه الغاية، نشر الجيش مختلف وحداته الميدانية، أي مانسبته 80 في المئة من أصل نحو 80000 عنصر.

عملت القوات المسلحة، على مدار هذه الاحتجاجات غير المسبوقة، على الحفاظ على توازن جدلي بين احتياجات المنظومة الطائفية ومخاوفها، من جهة، ومطالب الشعب الذي اكتسب زخماً مستجدّاً وتطلعاته،  من جهة ثانية. وقد غضّت المؤسسة العسكرية الطرف عن الدعوات التي وجّهتها إليها القوى السياسية المتخاصمة في البلاد من أجل إنهاء الاحتجاجات، فحافظت على حسن النيّة الفريدة من نوعها التي يتمتع بها الجيش.

وفيما تتحوّل أجواء الالتباس إلى حلقة مطوّلة من الاضطرابات الأهلية، سوف تعمد النخب السياسية الطائفية في لبنان إلى مضاعفة مطالباتها للجيش بأن يُعيد الأمور إلى سابق عهدها، وسوف تزيد أيضاً من تدقيقها في نوايا القيادة العسكرية. لكن، نظراً إلى ماتحظى به القوات المسلحة من تأييد عابر للطوائف، وإلى أنه لايسع الضباط والعناصر سوى التعاطف مع المحتجّين، ونظراً إلى الطبيعة التاريخية الحقيقية التي تتّصف بها الأحداث الراهنة، يواجه الجيش امتحاناً أساسياً: فإما أن يحافظ على ثقة العدد الكبير من المحتجين، وإما أن يتراجع عن موقفه ويتسبّب بكارثة  ضخمة محتملة  قلةٌ تستطيع تحمّله، فما بالكم بفهمه فهماً كاملاً.

لقد ساهم الطابع العابر للطوائف الذي يتّسم به الجيش في ترسيخ دوره في كونه المؤسسة الوطنية الأكثر شعبية في لبنان. وهذا يُشكّل أيضاً عاملاً محورياً لفهم كيفية تعاطي الجيش مع الاحتجاجات والاضطرابات الأهلية في السابق.

في العام 2005، عندما اندلعت احتجاجات حاشدة على إثر اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، رفض الجيش تنفيذ أوامر القمع التي صدرت عن حكومة كرامي. فقد تلمّس تحولاً في ميزان القوى في لبنان والمنطقة، واختار بدلاً من ذلك أن يكون بمثابة مصدّ لحماية المتظاهرين المناهضين لسورية. وعلى النقيض، اختار الجيش عدم التدخل عسكرياً في الصدامات التي اندلعت في الشوارع، في أيار/مايو 2008، بين حزب الله والميليشيا الوليدة لتيار المستقبل ذي الأكثرية السنّية.

وخلال النقاشات التي أجريتُها مع ضباط عسكريين كبار العام 2014، اعتبر بعضهم أن الموقف الذي اتخذه الجيش في أيار/مايو 2008 كان البقاء على الحياد. ورأى آخرون أن عدم تحرّك الجيش في ذلك الوقت كان محطة مفصلية وإهداراً لفرصة أساسية، ماأفضى إلى تقويض براءة الجيش بعد الانسحاب السوري. وبغض النظر عن كل ذلك، سلّطت أزمة 2008 الضوء على دور الجيش الذي لاغنى عنه على المستوى الداخلي بعد العام 2005، إذ يُشكّل حاجزاً ضد أي مواجهة عسكرية سنّية-شيعية.

تتمايز الاحتجاجات الراهنة، بالنسبة إلى الجيش، عن الاضطرابات الأهلية السابقة. فالتظاهرات المناهضة لسورية في العام 2005 غاب عنها الطابع الفعلي العابر للطوائف بسبب عدم مشاركة السواد الأعظم من الطائفة الشيعية وغيرها من المجموعات التي تتوخّى علاقات جيدة مع سورية. وكانت أزمة 2008 في صميم التشنّجات السنّية-الشيعية في لبنان. أما احتجاجات "طلعت ريحتكم" الموجَّهة ضد انهيار منظومة إدارة النفايات في العام 2015 فقد غاب عنها جزءٌ كبير من الطبقتَين الفقيرة والمتوسطة اللتين ظلتا أسيرتَي القوى السياسية الطائفية المتخاصمة في البلاد.

في المقابل، ليس لاحتجاجات 2019 مايوازيها في تاريخ البلاد بعد الاستقلال. فقد انطبعت حتى الآن بنطاقها الجغرافي الواسع الذي تخطّى حدود بيروت وضواحيها، وشموليتها العابرة للخطوط الفاصلة الطائفية العميقة  تقليدياً. ومايرتدي أهمية محورية هذه المرة هو المخاطر الجمّة التي يتكبّدها الشيعة المنتمون إلى الطبقتَين الفقيرة والمتوسطة الذين يشاركون في الاحتجاجات في مختلف أنحاء لبنان. فضلاً عن ذلك، تحظى التظاهرات أيضاً بدعم السنّة من الطبقتَين الفقيرة والمتوسطة في طرابلس ومختلف أرجاء البلاد.

لقد عبّر اللبنانيون، على مدار الأحداث الأخيرة، عن آراء مشتركة تتعلق بالظروف الاقتصادية والاجتماعية السائدة عموماً، والمواطَنة، والانتماء الوطني. ونتيجةً لذلك فإن الاحتجاجات التي انبثقت من الإحباط من النخبة الحاكمة والني تتجاوز الخطوط الفاصلة الطبقية والطائفية والجغرافية، تتقاطع مع ثقافة القوات المسلحة التي تزداد مهنيةً، ومع تطلعاتها وصورتها الذاتية.

تعتبر جميع القوى الطائفية في لبنان أن الخليط الراهن من الاحتجاجات يُشكّل تهديداً وجودياً لنظامها السياسي بعد الحرب، وقد مارست ضغوطاً على القوات المسلحة لطرد المحتجين من الشوارع وفتح الطرقات في مختلف أنحاء البلاد. بيد أن الجيش لم يستجب للنداءات المطالِبة بإخلاء مراكز الاحتجاجات في وسط بيروت وأماكن أخرى. لابل إن وحدات الجيش منعت مَن قيل إنهم أنصار حزب الله وحركة أمل من تخريب التظاهرات السلمية في وسط بيروت. وبعدما امتثلت القوات المسلحة لأوامر فتح الطرقات بين بيروت وجونية، سرعان ماتخلّت عن محاولاتها هذه تجنّباً لزعزعة الثقة بينها وبين المتظاهرين واللبنانيين عموماً. أخيراً، أكّد الجيش في بيان أنه يؤيّد حق المحتجين في التظاهر سلمياً، شريطة عدم التسبّب بأضرار في الممتلكات العامة والخاصة.

مع استمرار الاضطرابات الأهلية، سوف يُطلَب من القوات المسلحة تأدية دور أكبر نظراً إلى حجم التحديات الاقتصادية والسياسية المقبلة. لهذه الغاية، ينبغي على الجيش أن يحمي صورته كمؤسسة وطنية. ويعني ذلك السير في حقل الألغام السياسي المتبدّل في لبنان، مع الحفاظ على الثقة التي يمحضها عدد كبير من اللبنانيين لجيشهم. أما القيام بما هو خلاف ذلك، فسيكون واجهة خادعة قد تُكلّف الجيش خسارة ما هو الأكثر حاجة إليه، أي ثقة الشعب اللبناني ودعمه.