مكرم رباح | محاضر في قسم التاريخ والآثار في الجامعة الأميركية في بيروت

أي حديث أو تركيز على التدابير الاقتصادية حالياً في الانتفاضة اللبنانية يُعتبر عقيماً، ويُعزى ذلك ببساطة إلى أن الإصلاح الاقتصادي يحتاج إلى أرض مؤاتية لتنفيذه وحكومة راغبة في ذلك، والعاملان غائبان على السواء. وعلى عكس ما يقوله البعض، لاتُعتبر الانتفاضة اقتصادية ببساطة. فقد نزل الناس في جميع أنحاء لبنان وبلاد الاغتراب إلى الشوارع للمطالبة بتغيير النظام السياسي، وليس فقط بتطبيق خطة إصلاح اقتصادي. في هذا السياق، لايمكن القول سوى إن خطة الإصلاح الاقتصادي التي طرحها رئيس الوزراء سعد الحريري تحمل في طياتها مزيداً من الفساد، ذلك أن الإصلاح لم يلقَ آذاناً صاغية.

أما السبيل الوحيد لإحراز تقدّم نحو التأكد من انخراط المتظاهرين مع النخبة الحاكمة في أي شكل من أشكال الحوار، فهو إعلان هذه الأخيرة عن استعدادها لتشكيل حكومة انتقالية تعيد النظر في النظام السياسي ككل، كما هو منصوص عليه في المادة 95 من الدستور اللبناني. ومن شأن ذلك أن يؤدي في نهاية المطاف إلى تطهير النظام السياسي اللبناني من أي عنصر طائفي، وبالتالي أن يقود لبنان نحو حقبة حديثة من الحوكمة.

في الوقت نفسه، ستحمل هذه المرحلة الانتقالية بقيادة مجلس وزراء قادر ومؤهل خطة إصلاح اقتصادي طويلة الأمد تعالج بشكل منهجي القضايا المعروفة لدى العامة، بدءاً من قطاع الكهرباء الذي يطرح تهديداً أكثر من أي وقت مضى، وصولاً إلى قطاع الاتصالات السلكية واللاسلكية. فقط عند تحقّق ذلك، يغادر اللبنانيون الشوارع ويستأنفون مسار حياتهم المعتاد.


 

مهى يحيَ | مديرة مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت

لا أعتقد أن التدابير الفردية في هذه المرحلة، سواء كانت اقتصادية أو غيرها، ستخفّف من حنق اللبنانيين وتجعلهم يغادرون الشوارع. وفي حين أن النقطة الحاسمة التي أشعلت فتيل التظاهرات كانت اقتصادية، إلا أن فجوة الثقة كبيرة بين الأحزاب السياسية، الممثّلة جميعها في الحكومة، وبين المواطنين اللبنانيين. بالنسبة إلى المتظاهرين، لم يستفد من سوء إدارة النخبة السياسية الطائفية لشؤون البلاد السياسية والاقتصادية إلا هذه النخبة وحدها، بينما تراجعت مستويات معيشة المواطنين باختلاف طوائفهم، وباتت آفاقهم المستقبلية مُبهمة.

إن تشكيل حكومة جديدة من الخبراء أمر ممكن، لكنه يحتاج إلى توافق الأحزاب السياسية. فمؤسسات الدولة خاضعة بشكل كبير إلى مختلف الأحزاب التي تملك القدرة على عرقلة أو دعم عمل الوزراء. وقد تتوّصل الأحزاب السياسية إلى هذا التوافق ما إن تُدرك أن البلاد ستغرق في لُجج الفوضى في حال استمرت في تجاهل المتظاهرين أو حاولت استغلال الوضع الراهن لتسوية حسابات محلية.

في غضون ذلك، يمكن أن تتّخذ الحكومة بعض الإجراءات السريعة لمعالجة أزمة الثقة. صحيحٌ أن هذه الإجراءات قد لا تحلّ الأزمة، بيد أنها ستسهم على الأقل في إرساء الاستقرار. أولاً، في وسع الحكومة أن تشرح كيف ستؤثّر خطتها الاقتصادية في حياة المواطنين اللبنانيين العاديين، وتحسّن حصولهم على الخدمات الأساسية، ولاسيما الصحية منها. كذلك، يمكن إخضاع خطة الإصلاح الاقتصادي إلى إشراف دولي، فيما تنكبّ الحكومة على صياغة آليات واضحة وقابلة للتطبيق ترمي إلى ضمان الشفافية والمحاسبة والمساءلة في أنشطتها المالية وعقودها كافة.

ثانياً، تستطيع الحكومة بلورة خطة فعّالة ومنخفضة الكلفة وصديقة للبيئة لمعالجة انقطاع التيار الكهربائي، على أن يتضمن ذلك تحديد مهلة زمنية واضحة وآليات لوضعها حيّز التنفيذ. واقع الحال أن هذه قضية يطالب بها اللبنانيون منذ فترة طويلة، كما أنها خطوة ضرورية من أجل تخفيض العجز الهائل في الموازنة. ثالثاً، يمكن للحكومة أن تحدّد الإجراءات الاقتصادية الطارئة التي قد تُتّخذ من أجل دعم السكان الأشد هشاشة وفقراً، والذين سيتأثّرون حكماً بتراجع قيمة الليرة. فثمة مؤشرات على أن أسعار بعض السلع قد ارتفعت بنسبة تتراوح بين 15 و30 في المئة خلال الأسبوع الفائت. وقد يؤدّي تراجع قيمة العملة إلى انحدار الوضع المعيشي لعدد كبير من اللبنانيين إلى ما دون خط الفقر، بفعل انهيار قيمة رواتبهم ومعاشاتهم التقاعدية.

لقد انتظر مئات آلاف اللبنانيين عقوداً طويلة لإطلاق شرارة الثورة. لذا، لا شك أن إعادة بناء ثقتهم المفقودة في الدولة والنظام ستتطلّب بذل جهود حثيثة وبعيدة المدى. لكن بعض التدابير السريعة قد تبدأ في توجيه الأمور نحو هذا المسار.


 

محمد العكاوي | خبير اقتصادي في "كلنا إرادة"، مجموعة مناصرة من أجل الإصلاح في لبنان

هذا ليس وقت الإجراءات التقليدية. من المهم إدراك فداحة الوضع الاقتصادي وتشكيل حكومة فعّالة بصلاحيات تنفيذية وتشريعية تمكّنها من إدارة الأزمة والحد من مضاعفاتها على النسيج الاجتماعي.

يشي إغلاق المصارف راهناً بأن الناس سيهرعون إليها عند فتحها، ما سيؤدي إلى انهيار اقتصادي. لقد أُخرجت أموال كثيرة من النظام المصرفي، وما إن تعاود المصارف فتح أبوابها سيتم إخراج المزيد منها، باعتبار أن الناس سيسحبون ودائع بالدولار لدواعٍ أمنية، وستحتاج الشركات إلى دفع الأجور، ودفع الأموال للمورّدين الأجانب. ونظراً إلى أن الحصول على السيولة يزداد صعوبةً يوماً بعد يوم، ينبغي معالجة الوضع بشكل مدروس. بعبارة أخرى، ينبغي فرض ضوابط على رأس المال، وإعادة هيكلة الدين واتّخاذ قرار بشأن شبكات الأمان الأساسية، وضمان استخدام احتياطي العملات الصعبة بالدرجة الأولى للحفاظ على واردات حيوية مثل النفط والدواء وسائر الحاجات الماسّة.