مهى يحيَ، مديرة مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، راقبت عن كثب التظاهرات التي عمّت الأراضي اللبنانية على مدى الأسبوعين الماضيين. أجرت "ديوان" مقابلة معها يوم استقالة رئيس الوزراء سعد الحريري، تطرّقت فيها إلى أسباب الاستقالة وكذلك احتمالات المرحلة المقبلة فيما تجري الاتصالات لتأليف حكومة جديدة، كما ناقشت موقف حزب الله في الاحتجاجات الأخيرة والخيارات المتاحة أمامه راهناً.

مايكل يونغ: لماذا قرّر رئيس الوزراء سعد الحريري تقديم استقالته بعد رفضه الأولّي القيام بهذه الخطوة؟

مهى يحيَ: لم يكن أمام الحريري أي خيار آخر، إذ كان يرزح تحت وطأة ضغوط كبرى من المتظاهرين المطالبين باستقالته، في حين أن شركاءه السياسيين في حكومة الوحدة الوطنية أرادوه أن يبقى، لكن ضمن شروطهم هم. ومن بين تلك الشروط معارضة إجراء أي تعديل وزاري، ورفض تغيير الحكومة، وإبداء استعداد لاستخدام العنف في الشارع، كما حدث قبل ساعات من الاستقالة، عندما أقدم مناصرون لحزب الله وحركة أمل على الاعتداء على المتظاهرين في وسط بيروت وإحراق خيمهم. وكان الحريري قد أوضح في وقت سابق أنه سيستقيل لتفادي إراقة الدماء. في غضون ذلك، استخدمت أحزاب سياسية وحلفاء سابقون للحريري التظاهرات كوسيلة لتصفية حسابات داخلية مع خصومهم السياسيين.

يونغ: ما تأثيرات الاستقالة، في ضوء هذه الوقائع؟

يحيَ: قَلَبَ الحريري باستقالته الطاولة على كلٍّ من الرئيس ميشال عون وأمين عام حزب الله حسن نصر الله. واقع الحال أنه نقض الكلام الذي وجّهه نصر الله إلى المتظاهرين في خطابيه السابقين، اللذين أكّد فيهما أن الحكومة لن تستقيل. كذلك، تجاوز الحريري الخطوط الحمراء التي وضعها عون، عبر تنحية وزير الخارجية وصهر الرئيس جبران باسيل، من منصبه، عندما أعلن استقالة الحكومة ومن فيها. يُشار إلى أن حجم العداء تجاه باسيل كان بارزاً على وجه الخصوص في صفوف المتظاهرين. إذن، يفسح كل هذا المجال أمام رئيس الوزراء الجديد لتأليف حكومة جديدة لا تشمل أشخاصاً لا يحظون بقبول المتظاهرين.

يونغ: ماذا سيحدث الآن فيما نحن نترقّب تشكيل حكومة جديدة؟ وما العقبات المُحتملة؟

يحيَ: قد يدخل لبنان مرحلةً من اللااستقرار، حيث يرأس الحريري حكومة تصريف أعمال صلاحياتها مقلّصة إلى حدٍّ بعيد، في ظل الحاجة إلى تحقيق إصلاحات اقتصادية لمعالجة الأزمات الاقتصادية والمالية العميقة التي تعصف بلبنان. في غضون ذلك، يتعيّن على البرلمان اختيار رئيس وزراء جديد، ما يتطلّب الحصول على غالبية أصوات الكتل البرلمانية. ونظراً إلى التشكيلة الحكومية الراهنة، سيكون من الصعب ضمان توافق مختلف الكتل على مرشّح واحد. لكن في ظل الأزمة المالية والاقتصادية التي تلوح في الأفق، ينبغي على جميع الأفرقاء الإسراع في اختيار مرشّح يحظى بقبول النواب من جهة، والمتظاهرين من جهة أخرى. البلاد ببساطة غير قادرة على تحمّل عملية المساومة الطويلة التي تحصل عادةً عند تشكيل الحكومات. ففي حال حدوث الانهيار الاقتصادي وتراجع قيمة الليرة اللبنانية، قد يفقد المواطنون اللبنانيون مداخيلهم ومعاشاتهم التقاعدية ومدّخراتهم. عندئذٍ، سيبدو ما شهدناه حتى الآن مجرّد قطرة من بحر السخط الشعبي الذي قد نشهده لاحقاً.

يونغ: ما الأسماء المطروحة لتولّي رئاسة الحكومة بعد الحريري؟ وكيف يُرجّح أن يتم ذلك؟

يحيَ: ثمة احتمالات عدة، من بينها أن يُكلَّف الحريري بتشكيل حكومة تكنوقراط. لكن هذا السيناريو مُستبعد نظراً إلى المأزق القائم مع باسيل وحزب الله، ناهيك عن أن المحتجّين لن يقبلوا به على الأرجح. الاحتمال الثاني ربما هو اختيار شخصية غير برلمانية إنما تحظى بقبول النخبة السنية من جهة، وسائر الأحزاب من جهة أخرى. في مطلق الأحوال، سيكون مصير أي شخصية أو حكومة الفشل ما لم تحظيا بالدعم الكامل من الطبقة السياسية اللبنانية. فكل الوزارات ومؤسسات الدولة خاضعة إلى نفوذ سياسيين أقوياء وقادرين على عرقلة عمل وزراء الحكومة الجديدة بشتّى الطرق.

أحد الأسماء التي يتمّ تداولها هو وزيرة الداخلية والبلديات الحالية ريا الحسن، وهي المرأة الأولى التي تشغل هذا المنصب في المنطقة. إنها عضو في كتلة الحريري البرلمانية، لكن لم تطلها أي فضائح فساد. كما أنها من طرابلس، هذه المدينة التي تشهد أكبر التظاهرات. السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل تستطيع هي أو غيرها من الشخصيات ذات الصفات المشابهة الحصول على دعم سياسي واسع النطاق؟ والأهم من ذلك في حالة الحسن، هل يقبل المتظاهرون بشخصية مرتبطة مباشرةً بالأحزاب السياسية الحالية؟

لكن السؤال الذي يحتل الحيز الأكبر من الأهمية يتمحور حول خيارات حزب الله، فهل سيواصل الحزب التمسّك بباسيل وحكومة تصريف الأعمال الحالية على حساب استقرار لبنان؟ في حال فعل ذلك، سيخاطر بتوسيع الشرخ داخل المجتمع الشيعي في الحزب، نظراً إلى أن المقاومة التي أبداها حزب الله إزاء تغيير الحكومة أثارت سخطاً شعبياً لبنانياً كبيراً، حتى في أوساط الشيعة الذين ساندوا حركة الاحتجاج.

يونغ: هل من الممكن اندلاع أعمال عنف، بما أن حزب الله وحلفاءه سبق أن هاجموا المتظاهرين خلال الأسبوعين الفائتين؟

يحيَ: بات احتمال اندلاع أعمال عنف ملموساً أكثر من قبل. فالهجمات التي نفذّها مناصرو حزب الله وحركة أمل وطالت المتظاهرين السلميين في وسط بيروت، تشير إلى أن حركة الاحتجاج وصلت إلى نقطة لم يعد بإمكانهم احتمالها. ولا يُعزى ذلك إلى أن المتظاهرين سمّوا القادة الشيعة السياسيين بالأسماء وأهانوهم وحسب، بل إلى أن كلا الحزبين حاولا إسكات المعارضة داخل مجتمعهما وتضييق الخناق بسرعة على أي انشقاقات محتملة قد تقوّض مكانتهما في البلاد.

في الخطابين الذي ألقاهما نصرالله خلال الأسبوعين الماضيين، وصف التظاهرات والسخط الشعبي من الوضع القائم بأنهما جزء من مؤامرة حيكت لتقويض حزب الله وشرعيته. وبالتالي، اختار إدامة الوضع القائم والنظام السياسي الذي يحمي الحزب، في رد فعل مماثل لما فعلته الأحزاب الموالية لإيران في العراق. أما السؤال هنا فهو إلى أين يمكن أن يكون حزب الله مستعداً للوصول في لبنان، وهو اكتفى حتى الآن بإرسال البلطجية لتفريق المتظاهرين في بيروت وجنوب لبنان؟

أمام حزب الله في المرحلة المقبلة خياران: بإمكانه أن يقبل أن الوضع القائم آخذ في التغيُّر وأن ما حصل ليس مؤامرة ضدّ الحزب، بل مجرد موجة كبيرة صادقة معارضة لنظام بات ببساطة لا يُطاق. حينها فقط يمكن أن يوافق حزب الله على تأليف حكومة إنقاذ وطني جديدة وإجراء انتخابات مبكرة كما طالب المتظاهرون. أما الخيار الآخر والأكثر ترجيحاً، فيتمثّل في أنه سيواصل تبنّي موقف رجعي، بالتنسيق مع حركة أمل والتيار الوطني الحر التابع لعون، ما يعني أنه سيحتاج إلى اللجوء إلى القوة بمستويات أعلى مما شهدناه حتى الآن.  

لكن في ظل استمرار حماية الجيش للمتظاهرين، يُطرح سؤال: إلى أي حدّ يمكن أن يصل حزب الله لمنع التعبئة في الشوارع؟ وفي حال كان الحزب مستعداً لاستخدام القوة، كيف سيتعامل مع التظاهرات في طرابلس ذات الغالبية السنّية والمناطق المسيحية حيث يُعتبر وجوده محدوداً؟

الطبيعة الواسعة النطاق واللامركزية للتظاهرات تجعل أي جهود للحدّ منها في جميع أنحاء لبنان صعبة على نحو متزايد. هنا يلعب النظام الطائفي لعبته. فأي تدخّل لحزب الله في المناطق غير الشيعية يمكن أن يُطلق بسرعة شرارة نزاع طائفي.