"إنها المرة الأولى التي أشعر فيها بأنني معنيّة إلى هذه الدرجة. وهذا نابعٌ من الشعور بأن ما يجري في هذه المرة هو من أجل لبنان. من أجل الشعب بأكمله"، هذا ما قالته ميشيل، 24 عاماً، التي تعمل مديرة فنّية في إحدى شركات الإعلانات في بيروت، والتي تشارك في الاحتجاجات منذ اليوم الأول في 17 تشرين الأول/أكتوبر.

تعبّر ميشيل بكلامها هذا عن المشاعر التي تراود عدداً كبيراً من الشباب اللبناني الذي شارك في الانتفاضة الشعبية في مختلف أنحاء البلاد. وقد اندلعت شرارة هذه الانتفاضة بعد إعلان حكومة الحريري عن نيتها فرض سلسلة من الضرائب الجديدة لتعود فتتراجع لاحقاً عن هذا القرار.

كان القرار بفرض ضرائب جديدة قد جاء في نهاية أسبوعٍ ظهرت فيه الدولة اللبنانية عاجزة عن إطفاء الحرائق التي أتت على مئات آلاف الأمتار من الغابات، فضلاً عن بعض المساحات المدينية. أضف إلى ذلك أزمةٌ اقتصادية تُلقي بثقلها على تناقص السلع الأساسية مثل الخبز والمحروقات، فضلاً عن التراجع الوشيك المحتمل في سعر الليرة اللبنانية، وحينها تتبيّن لنا أسباب الغضب والإحباط اللذين دفعا وأخيراً باللبنانيين إلى النزول إلى الشارع.

شكّل ردّ فعل الشعب هذا مفاجأة للحكومة التي قدّمت استقالتها في 29 تشرين الأول/أكتوبر. وبعد الاستقالة، انسحب اللبنانيون المنتفضون من الشوارع لفترة وجيزة. بدا وكأن الناس ينتظرون ليروا كيف ستتصرف الطبقة السياسية. هل ستشكّل حكومة إنقاذ انتقالية، عملاً بما يطالب به المتظاهرون في مختلف أنحاء البلاد؟

شهد لبنان تظاهرات حاشدة في السابق. في العام 2005، اندلعت تظاهرات (وتظاهرات مضادّة) في بيروت على إثر اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، ماساهم في انسحاب الجيش السوري من لبنان بعد 29 عاماً على دخوله. وفي عام 2015، اندلعت أيضاً تظاهرات أصغر نطاقاً في العاصمة، وكانت موجَّهة ضد الطبقة السياسية في أعقاب أزمة النفايات التي فاضت بها شوارع البلاد وطرقاتها.

عامل الاختلاف اليوم هو أن دائرة الاحتجاجات لاتقتصر فقط على بيروت، بل يشارك فيها مواطنون من مختلف المناطق اللبنانية رفضاً للطبقة السياسية الطائفية. وقد تبيّن حتى الآن أنه يصعب إخماد هذه الاحتجاجات بطابعها العفوي واللامركزي.

تقول ميشيل: "عشت في الذوق طوال حياتي، على مسافة ثلاث دقائق من الأوتوستراد". يُشار إلى أن ذوق مصبح هي بلدة ذات أكثرية مسيحية في قضاء كسروان في جبل لبنان، وتقع على مسافة بضعة كيلومترات شمال العاصمة بيروت. وعلى مدار أسبوعَين من الاحتجاجات، وقف المنتفضون في وسط الطريق السريع الذي يربط شمال البلاد بالعاصمة. تعلّق ميشيل: "شاركت بصورة أساسية في الاحتجاجات في الذوق، وكنت سعيدة بوجودي هناك! كانت الأجواء سلمية وكان الشعور رائعاً".

يقول نور، 27 عاماً، وهو ناشط من مدينة صور الجنوبية شارك في تظاهرات بيروت في العام 2015، إنه على الناس أن يتنبّهوا لما يتفوّهون به في جنوب لبنان. ففي تلك المنطقة الخاضعة بصورة أساسية إلى سيطرة حزب الله وحركة، اختار المنتفضون في صور التركيز على مطالبهم تجنّباً لحدوث مواجهة مباشرة مع "الثنائي الشيعي"، بعد مشاعر الغضب التي انفجرت في بداية التظاهرات واستهدفَت الفريقَين معاً. يشرح نور: "أولويتنا الآن هي تشكيل حكومة مستقلة من الخبراء قادرة على إيجاد حلول للوضع الاقتصادي العصيب الذي يمرّ به لبنان، وإجراء انتخابات نيابية مبكرة". إذا لم تتحقق مطالب نور والنشطاء أمثاله، فسوف يستمرون في النزول إلى الشارع.

وهذا ماحدث فعلاً في الرابع من تشرين الثاني/نوفمبر، عندما عمد المنتفضون، بعد استراحة دامت بضعة أيام، إلى قطع الطرقات من جديد في مختلف أرجاء البلاد، تعبيراً عن غضبهم مما وصفوه بالمماطلة من جانب الطبقة السياسية. فرئيس الجمهورية ميشال عون لم يكن قد حدّد بعد موعداً للاستشارات النيابية من أجل تكليف رئيس وزراء جديد، على الرغم من أن عامل الوقت بالغ الأهمية بسبب الأزمة الاقتصادية الضاغطة. بيد أن تيار الرئيس تمكّن من تنظيم تظاهرة مضادّة قرب القصر الرئاسي يوم الأحد.

تقول ماريا، 23 عاماً، وهي طالبة هندسة معمارية في جامعة سيدة اللويزة تشارك في الاحتجاجات في بيروت، إن الشارع هو الأداة التي يستخدمها المتظاهرون: "سوف نتابع جميع القرارات ونعبّر بوضوح عن اعتراضنا، إن كان ثمة اعتراض، من خلال التظاهرات".

في مدينة طرابلس شمال لبنان، وهي ثاني أكبر مدينة في البلاد، لم تتوقّف الاحتجاجات في ساحة النور. وقد زُيِّن أحد المباني المواجِهة للساحة بألوان العلم اللبناني، ورُفِعت لافتة كُتِب عليها: "مستمرون لإسقاط رئيس الجمهورية ومجلس النواب". طرابلس، التي كانت تُعتبَر سابقاً معقلاً لرئيس وزراء حكومة تصريف الأعمال السنّي سعد الحريري، أسرَت لبنان والعالم بهتافاتها وأناشيدها الخلاّقة وعروض الأضواء، حتى إن التظاهرات رافقها وجود منسّق موسيقى (دي جيه).

يقول عبيدة، 29 عاماً، وهو ناشط اجتماعي في طرابلس، إن الناس لن يتوقفوا لأنهم "وصلوا إلى الهاوية"، مضيفاً: "الوجع كبير في المدينة. كل مايطلبه الناس هو الحقوق والخدمات الأساسية". بالنسبة إلى عبيدة وكثر أمثاله في طرابلس، "ليست الوجوه في الحكومة الجديدة مهمة بقدر نوايا أصحابها". يبدو أن الشباب على غرار عبيدة وميشيل ونور وماريا يتفقون على رفض استنساخ الطبقة السياسية نفسها في الحكومة الجديدة.

يتابع عبيدة: "كي نقطع خطوات نحو الأمام، يجب أن تقرّ هذه الطبقة السياسية بأنها ارتكبت أخطاء"، مشيراً إلى أن "الناس لن يعودوا إلى منازلهم من دون تحقيق مطالبهم بعيش حياة كريمة. وحتى لو أُجريَت انتخابات [في المستقبل] ولم يقم الأشخاص المنتخَبون بتلبية مطالب الناس، سوف ينزل هؤلاء إلى الشارع من جديد".

قد تواجه حكومة انتقالية مستقلة صعوبات جمّة في شقّ طريقها عبر مشهد سياسي ضارِب الجذور بوجود موظفين حكوميين يدينون بالولاء للنخبة القديمة. لكن الواضح أن المتظاهرين لن يقبلوا بعد الآن بالشعارات من دون إنجازات ملموسة. يُشار إلى أن التظاهرات الحاشدة التي شهدها لبنان سابقاً إما كان مصيرها الفشل وإما احتكرها، في نهاية المطاف، سياسيون طائفيون تقليديون. في عام 2019، ترفض الانتفاضة الشعبية، حتى تاريخها، اختيار قادة لتمثيلها. مطالبها واضحة، فلا حاجة إلى قادة. في لبنان اليوم، يبدو أن كل شخص نزل إلى الشارع يشعر بأنه مسؤول شخصياً عن نجاح الحركة الاحتجاجية، ولن يتراجع قبل أن تتم تلبية مطالبه.