فنار حدّاد | باحث في معهد الشرق الأوسط في الجامعة الوطنية في سنغافورة

هذا الشعور عميق للغاية. بيد أن تعبير "الشعور المعادي لإيران" مطّاطي إلى حدٍّ ما، إذ أعتقد أن معاداة العراقيين لطهران أقرب إلى السخط منها إلى العداء الإيديولوجي الذي ينضح به خطاب المحافظين الجدد الأميركيين المعادين لإيران. والأهم أن هذا الشعور السائد في العراق اليوم – العميق للغاية كما ذكرت – هو في نهاية المطاف نتيجة الغضب العارم من النظام السياسي العراقي. من المهم التشديد على ذلك لأن السخط الراهن يستهدف النظام السياسي العراقي والأوليغارشية الحاكمة. أي أن الشعور المعادي لإيران ليس سوى نتيجة عرضية للغضب الموجّه ضد المنظومة الحاكمة، لذا من الإشكالي للغاية وصف الاحتجاجات بأنها معادية لإيران من دون تحديد خصائص أخرى.

سيبقى الفساد وانعدام الكفاءة اللذين نخرا المؤسسات العامة وقذفا بشرائح كبرى من العراقيين نحو أشداق الفقر متفشّيين على نطاق واسع، بغضّ النظر عن العامل الإيراني. لكن الكثير من العراقيين ينظرون إلى طهران عن حق باعتبارها الحامي والداعم الأساسي للنظام السياسي. ويُعتبر الشعور المعادي لها جزءاً من الرفض الشعبي الأوسع لأي تدخل خارجي مهما كان نوعه. يبقى مع ذلك أن إيران تتلقى الحصة الأكبر من السخط الشعبي لأنها الطرف الخارجي الأكثر تأثيراً في العراق.

العراقيون مستاؤون من أن جنرالاً إيرانياً هو من بين محكّمي النزاعات السياسية العراقية، وأن الكثير من الفصائل السياسية العراقية البارزة تبدو على أتم استعداد لتنفيذ رغبات إيران، حتى وإن كان على حساب المصالح العراقية. واقع الحال أن حلفاء طهران لطالما كانوا الجهات الأقوى في المشهد السياسي العراقي، لذا اتّسع نفوذ إيران في الحياة الثقافية والسياسية والأمنية العراقية باطّراد. إذن، لا شك في أن ينطوي الغضب الراهن من النظام السياسي العراقي على شعور معادٍ لطهران، نظراً إلى الدور الذي تلعبه في السياسات العراقية.


 

علا قادوم | باحثة في مرحلة ما بعد الدكتوراه في جامعة برمنغهام وأستاذة في كليّة الدراسات الشرقية والأفريقية في جامعة لندن، حيث تختصّ في قضايا الشتات وسياسات الشرق الأوسط

الإقرار بأن ثمة شعوراً معادياً لإيران في العراق لا يفسّر بتاتاً المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والهيكلية التي تشوب الحراك الاحتجاجي العراقي. لكن لا جدوى من إنكار وجوده، سيما وأنه عميق. فقد اقتحم المحتجون مقر القنصلية الإيرانية في كربلاء وأحرقوا صور آية الله علي خامنئي، وهذه أفعال لم تكن في الحسبان قبل أسابيع قليلة.

يُعزى ردّ الفعل القوي هذا إلى عوامل أربعة. أولاً، بلغ التدخل الإيراني في العراق مستويات كبيرة. فالتعيينات السياسية غالباً ما تمليها إيران، ناهيك عن أن العديد من العراقيين يعتبرون أن طهران تحرّك خيوط اللعبة السياسية العراقية وتستخدم البلاد كساحة لخوض حروب بالوكالة.

ثانياً، فاقم التدخل الإيراني من خلال ميليشيات وسياسيين مدعومين من طهران النظام الإثني والطائفي الفاسد في العراق، أي النظام الذي يريد المحتجّون إسقاطه. وهنا يُشار إلى أن الوزراء والميليشيات أفادوا من هذا النظام المثير للانقسام لمراكمة الثروات غير المشروعة والانخراط في أنشطة إجرامية من أجل الحفاظ على الوضع القائم، بدلاً من الاستثمار في مؤسسات الدولة العراقية وتعزيز الاقتصاد.

ثالثاً، بات يُنظر إلى الميليشيات المدعومة من إيران على أنها أدوات قمعية في يد السلطة، بعدما كانت تُعتبر بطلة المعركة ضد الدولة الإسلامية. فالكثير منها مُتّهمة باستخدام العنف ضد المتظاهرين خلال الاحتجاجات الراهنة، منها تلك التي شهدتها البصرة العام الفائت.

رابعاً، يمكن تلمّس النفوذ الإيراني على المستوى الثقافي أيضاً، إذ تنتشر على نطاق واسع صور الشخصيات الدينية الإيرانية، ولاسيما في المدن الشيعية جنوب البلاد. فالكثير من العراقيين مستاؤون من فرض النسخة الإيرانية من المذهب الشيعي، خاصة لأن ذلك يرسّخ ادّعاء إيران بأنها زعيمة العالم الشيعي، وهي رؤية يرفضها العراق.


 

أيمن جواد التميمي | طالب دكتوراه في جامعة سوانسي، ومؤسس موقع islamicstatearchives.com

تجلّى الشعور المعادي لإيران بأشكال عدّة خلال الجولات الأخيرة من الاحتجاجات العراقية. فإلى جانب ظهور الشعارات المناهضة لإيران بشكل متكرّر، كشفت الاحتجاجات النقاب عن أعمال عنف متوسّعة ومفتوحة ضدّ أصول ومصالح إيرانية أكثر مما حصل مقارنةً بتظاهرات واضطرابات سابقة. ففي محافظات عدّة، عمد المتظاهرون إلى إحراق مقرات الفصائل التي تدعمها إيران داخل قوات الحشد الشعبي مثل عصائب أهل الحق، ومنظمة بدر، وحركة الأبدال. الأهم من ذلك أن المتظاهرين في مدينة كربلاء المقدسة قاموا بمهاجمة القنصلية الإيرانية.

من غير المفاجئ أن العديد من أولئك الذين ينتمون إلى الفصائل المدعومة من إيران في قوات الحشد الشعبي قد تحدثّوا عن وجود نوع من المؤامرة وراء الاحتجاجات. صحيح أن شرعية هذه الفصائل تعزّزت كجزء من ظاهرة قوات الحشد الشعبي الأوسع حين كان تنظيم الدولة الإسلامية يشكّل تهديداً وجودياً، لكن انحسار هذا التهديد كشف عن فشلها في تحسين الحياة اليومية للمواطنين، كفرص العمل والخدمات الأساسية.

تُعتبر هذه الأحداث بمثابة تذكرة بأن الشعور المعادي لإيران عابر للانقسامات الطائفية في العراق، وأن هذا الشعور ليس خصيصة لأهل السنّة في البلاد. مع ذلك، سيكون من الخطأ اعتابر هذا الشعور المعادي لإيران عميقاً إلى درجة اعتبار الاحتجاجات الحالية "تمرداً ضدّها". على العكس، من الأصح وصف الاحتجاجات بأنها رفض شامل للنظام القائم بعد العام 2003. وبالنظر إلى أن إيران ووكلائها في العراق (من بين أطراف أخرى) تمكّنوا من استغلال هذا النظام لمصلحتهم الخاصة على حساب الشعب، من غير المفاجئ أن ينصبّ السخط الشعبي جزئياً عليهم.


 

حارث حسن | باحث أول غير مقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت

لم تكن الاحتجاجات الحالية في العراق تتعلّق في الدرجة الأولى بإيران أو أنها كانت معادية لإيران، لكنها تعارض البيئة السياسية التي استثمرت فيها إيران بشكل كبير. في السابق، كانت إيران والولايات المتحدة، في لعبتهما ذات الحصيلة اللاصفرية، هما القوى الأجنبية الأكثر تأثيراً في العراق، في سياق الانقسامات الطائفية التي شكّلت إلى حدّ كبير الولاءات السياسية. وأدّى ذلك إلى إضعاف التعبئة الشعبية التي كانت عابرة للطوائف أو غير طائفية. وقد صوّرت المجموعات المتحالفة مع إيران دور هذه الأخيرة على أنه ضروري لمواجهة محاولات واشنطن وحلفائها الإقليميين الهادفة إلى حرمان الأغلبية الشيعية من دورها القيادي في عراق ما بعد العام 2003. هذه السردية وجدها الكثير من الشيعة مقنعة، نظراً إلى أن الطائفية شكّلت السياسة الداخلية والإقليمية بعد العام 2003.

في الوقت الراهن، وفي سياق تجاوز الطائفية بعد هزيمة الدولة الإسلامية والانسحاب الأميركي من العراق، باتت الظروف الاجتماعية والاقتصادية والمطالب بحوكمة أفضل هي القضايا الجديدة التي تجري حولها التعبئة. ثمّة في الواقع وعي متزايد في أوساط العراقيين بأن إيران هي القوة الأجنبية الرئيسة التي لا تدعم الفصائل الشيعية المهيمنة وحسب، بل تسعى أيضاً إلى إضعاف الدولة العراقية من الداخل من خلال تمكين الميليشيات وأمراء الحرب. وقد تعزّز هذا الوعي بسبب الدور الذي قيل أن هذه الميليشيات لعبته في قتل المتظاهرين ومحاولة المجموعات المتحالفة مع إ يران الترويج لسرديّة تُصوّر الاحتجاجات كمؤامرة أجنبية.

وطالما تعمد إيران إلى مساندة الفصائل الحاكمة في تحركها لمقاومة التغيير الحقيقي في الطريقة التي يُحكم بها العراق، سيتغلغل الشعور المناهض لإيران أكثر فأكثر في خطاب وتصوّرات المتظاهرين والمتعاطفين معهم.